عدم سماع دعوى الأوقاف إذا تقدمها ما يكذبها محضاً
أ.د/ عبدالمؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء.
▪️حددت المادة (14) من قانون الإثبات بعض حالات عدم سماع الدعوى ومنها حالة (أن تكون الدعوى على ملك للمدعي أو لمورثه إلا في أربعة أحوال –د- أن يكون وقفاً) وهذا النص صريح في سماع دعوى الأوقاف عملاً بالاستثناء الوارد في الفقرة( 2) من النص القانوني المشار إليه، بيد أنه إذا كان قد سبق للأوقاف الإقرار بأن الأرض المدعى بها ليست وقفاً فإن دعوى الأوقاف في هذه الحالة لا تسمع عملا بالفقرة(1 ) من المادة ذاتها التي نصت على عدم سماع الدعوى لتقدم ما يكذبها محضاً، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 3-2-2013م في الطعن رقم (51211)، الذي ورد ضمن أسبابه: ((اما النعي المؤسس على المادة (14) إثبات والاستثناء الوارد فيها فلا نظر فيه لعدم فهم الطاعن لنطاق الاستثناء الوارد في النص بشأن الوقف، لأن استثناء مال الوقف قاصر على ماورد في الفقرة (2) من المادة (14) إثبات، فلا يشمل هذا الاستثناء ماهو مقرر في الفقرة (1) من المادة المشار إليها))، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الأتية:
الوجه الأول: سماع دعوى الأوقاف وعدم سماعها في ضوء المادة (14) إثبات:
▪️نصت المادة (14) إثبات على أنه (لا تسمع الدعوى في الاحوال الآتية: -1- إذا تقدم ما يكذبها محضاً -2- أن تكون على ملك كان للمدعي أو لمورثه إلا في أربعة أحوال هي: -أ- أن لا تكون لأحد يد عليه في الحال –ب- أن يكون ديناً أو حقاً –ج- أن يدعي إقرار ذي اليد بملكه –د- أن يكون وقفاً)، فقد كان محامي الأوقاف يجادل في أن النص السابق يقرر الأصل العام وهو عدم سماع الدعاوى كافة إذا تقدمها ما يكذبها محضاً أو كان محل الدعوى ملك قديم كان للمدعي باستثناء الحالات الأربع المذكورة في النص ومنها: إذا كان المدعى به من أموال الوقف، في حين قضى الحكم محل تعليقنا بأن الفقرة (1) من المادة تقرر حكماً عاماً بالنسبة لكافة الدعاوى بما فيها دعاوى الأوقاف، فإذا تقدم الدعوى ما يكذبها محضاً فأنها لا تسمع سواء أكان محل الدعوى من أموال الأفراد أو أموال الوقف، فإذا ثبت للمحكمة سبق إقرار الأوقاف أن المال الذي تدعيه الأوقاف ليس من أموال الوقف، فعندئذٍ لا تسمع دعوى الأوقاف لتقدم ما يكذبها محضاً وهو إقرار الأوقاف السابق بأن المدعى به ليس من أموال الوقف.
الوجه الثاني: ما يكذب دعوى الأوقاف محضاً:
▪️كان الحكم محل تعليقنا قد استند إلى الفقرة (1) من المادة (14) إثبات السابق ذكرها في الوجه الأول التي نصت على عدم سماع الدعوى مطلقاً إذا تقدم ما يكذبها محضاً وقضى الحكم محل تعليقنا بأن هذا النص يسري على دعاوى الأوقاف، وتبعاً لذلك إذا تقدم دعوى الأوقاف ما يكذبها محضاً فأنها لا تسمع، فإذا سبق للأوقاف ان اقرت قبل رفع دعواها بأن المدعى به ليس وقفاً فلاتسمع دعوى الأوقاف في هذه الحالة.
الوجه الثالث : المقصود بالدفع بعدم سماع الدعوى لتقدم ما يكذبها محضا:
▪️من المتفق عليه ان الفقه الإسلامي هو المصدر التاريخي للنصين الواردين في قانون المرافعات والاثبات بشأن عدم سماع الدعوى لتقدم ما يكذبها محضاً ، إذ انه بالرجوع إلى كتب الفقه الإسلامي نجد أنها قد بينت المقصود بالكذب المتقدم على الدعوى الذي يكون سببا لدفعها بدفع( عدم سماع الدعوى لتقدم ما يكذبها محضاً )، فالمقصود بالتكذيب المسبق للدعوى هو صدور قول أو فعل من المدعى في وقت سابق على رفع دعواه يدل صراحة على كذب دعوى المدعي -أي أن القول أو الفعل السابق صدوره من المدعي يكون مناقضا لموضوع الدعوى التي ترفع بعده ، حيث اعتبر الفقه الإسلامي أي قول أو فعل سابق صادر من المدعي قبل رفع دعواه يناقض دعواه بمثابة تكذيب للدعوى التي ترفع بعد هذا القول اوالفعل السابق صدوره من المدعي، وعلى هذا الأساس فإن القول أو الفعل السابق صدوره من المدعى المناقض لدعواه اللاحقة يكون مانعا لسماع دعوى المدعي ، ومؤدى ذلك ان للمدعى عليه دفع تلك الدعوى التي دل فعل أو قول المدعي السابق على كذبها، وللتدليل على ان كتب الفقه الإسلامي هي المصدر التاريخي للدفع بتقدم مايكذب الدعوى محضاً، فقد ورد في كتاب التاج المذهب للقاضي العنسي 4/12( فصل – في بيان الدعاوى التي لا تسمع من مدعيها أي لا تقبل وهي (أربع) الأولى لا تسمع دعوى في الوديعة وكل عين غير مضمنة كالعارية المستأجرة غير المضمنة – إذا تقدم من المدعي ما يكذبها محضا، مثال ذلك: ان يدعي رجل وديعة له أو نحوها، فيقول الوديع ما أودعني شيئا فيقيم المدعي البينة على انه أودعه فيدعي في مجلس الإنكار أو بعده بتاريخ متقدم انه قد ردها)، كما ورد في كتاب درر الحكام شرح مجلة الأحكام العدلية 4/176 بعنوان الدعوى المادة (1615) (التناقض هو سبق كلام من المدعي مناقض لدعواه أي سبق كلام منه موجب لبطلان دعواه، فالتناقض:
هو سبق كلام من المدعي مناقض لما ورد في دعواه، لانه يشترط في صحة الدعوى عدم وقوع التناقض فيها، فلذلك لا تسمع الدعوى التي يقع تناقض فيها، لأن كذب المدعي يظهر في الدعوى التي يقع فيها التناقض، فمثلا إذا ادعى المدعى قائلا: إن هذا المال ملكي وأثبت المدعى عليه بأن المدعى قد طلبه شراء ذلك المال منه يظهر كذب المدعى في دعواه)، وفي هذا السياق يذهب الفقه المعاصر إلى هذه الوجهة فقد ذكرالدكتور شعبان الكومي في كتابه( الدعوى بالمجهول صـــ83 ) انه( يشترط في صيغة الدعوى عدة شروط منها:عدم التناقض بين الدعوى وبين أمر سبق صدوره من المدعي ، فالمقصود بالتناقض بين الدعوى وبين ماسبق صدوره من المدعي :إن يسبق من المدعى كلام مناف للكلام الذي يقوله في دعواه، كان يقر أمام القاضي بعين في يده لغيره فيأمر القاضي بتسليمها لمن اقر له بها، وبعد ذلك يدعي المقر انه اشترى هذه العين من المقر له بتاريخ سابق على وقت الإقرار، فبذلك يكون المدعي متناقضا، إذ بإقراره الأول يكون معترفاً بملكية غيره في تاريخ إقراره وبدعواه الثانية يكون مدعياً انه هو المالك في ذلك التاريخ،فإذا وجد مثل هذا التناقض فانه يمنع من قبول الدعوى لأنه يعد دليلاً على كذب المدعى في دعواه، إذ انه يستحيلُ الجمع في الصدق بين الشيء ونقيضه )، ومن خلال استقراء ماتقدم يظهر ان التناقض الموجب للدفع بعدم سماع الدعوى لتقدم ما يكذبها محضاً لايظهر الا من جهة المدعي، وان هذا الدفع هو وسيلة المدعى عليه للحيلولة دون سماع الدعوى الكاذبة للمدعي حسبما قضى الحكم محل تعليقنا، والله اعلم.
منقول: أ. اكرم الردماني