تتناول دراسة “صنعانيون، ولكن من دمشق” للباحث عبد العزيز الصغير دخان ظاهرة علماء ينسبون إلى “صنعاء” رغم اقامتهم في دمشق. تعكس هذه الظاهرة نظام النسبة في الثقافة الإسلامية، حيث كانت الهويات العلمية تعتمد على العلم والسند وليس فقط على المكان الجغرافي أو الميلاد. يتضح من الدراسة أن هذه النسب كانت شائعة، وتبرز العلاقة العميقة بين الشام واليمن في تداخل هوياتهما الثقافية والعلمية. تشير الدراسة إلى أهمية الفهم العابر للجغرافيا في الهوية الإسلامية، مما يعكس شبكة علمية مترابطة بين الأقاليم تحقق الوحدة الحضارية.
تتسم الهويات في التاريخ الإسلامي بالتعقيد، إذ لا تسير وفق خطوط مستقيمة ولا تُحدد الانتماءات بالجغرافيا أو الأماكن التي ولد فيها الأفراد كما هو الحال في الجنسيات الحديثة. فقد نرى عالماً كبيراً يُنسب لمدينة ليست مكان مولده، أو يُعرف باسم بلد لم يقض فيه سوى فترة قصيرة من حياته. هذه الظاهرة تعكس علاقة الإنسان بالمكان في الحضارة الإسلامية، حيث كانت العلاقة تتجاوز مجرد النشأة أو الإقامة لتُعبّر عن علم ومرجعية ومدرسة معينة.
كان نظام النسبة في الإسلام أحد أبرز الملامح الثقافية والعلمية، إذ لم تقتصر الأنساب على الدم وإنما كانت تعكُس ارتباطات علمية ومناهج ودروس. فالعالم قد يُنسب إلى بلده الأصلي أو موطن آبائه أو حتى المكان الذي عُرف فيه، مما يضعه ضمن سلسلة علمية مُعتمدة.
تأتي دراسة بعنوان “صنعانيون، ولكن من دمشق” للأستاذ الدكتور عبد العزيز الصغير دخان، المنشورة في مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة والدراسات الإسلامية عام 1431هـ/2010م، لتلقي الضوء على ظاهرة ثقافية علمية مدهشة؛ تتعلق بعلماء يُنسبون إلى صنعاء بينما عاشوا في دمشق، مستفيدين من علمها ومجالسها.
هذا التوجه لا يعكس أي خطأ في كتب التراجم، بل يمثل امتداداً لنظام النسبة في الثقافة الإسلامية، حيث يُنظر إلى المكان كرمز لهوية علمية وتراثية، وليس كموقع ميلاد فقط.

“صنعاء دمشق” هجرة الأسماء وإقامة الذاكرة
تكشف الدراسة عن مفارقة تاريخية نادرة تتعلق بموضعين يحملان الاسم نفسه “صنعاء”، أحدهما في اليمن والآخر في غوطة دمشق. هذه المفارقة تمتد إلى الالتباسات الثقافية والعلمية في كتب التراجم، حيث قد تُخطئ النسبة بين صنعاء اليمن وصنعاء الشام، مما يؤدي إلى إسناد بعض العلماء إلى صنعاء اليمن رغم أنهم في الأصل من بلاد الشام، خصوصًا من قرية “صنعاء دمشق” التي اندثرت لاحقاً.
صنعاء اليمن كانت ولا تزال العاصمة التاريخية، المرتبطة بكبار العلماء، مثل الإمام عبد الرزاق بن همام الصنعاني (ت 211هـ)، الذي يُعد من أعلام المحدثين في القرون الأولى. وقد سجلت هذه النسبة المعرفية استمرارًا لنظام النسبة القائم على مسألة السند والمرجعية الفكرية.
أما صنعاء دمشق، فهي قرية صغيرة في غوطة دمشق، استوطنتها قبائل يمنية قديمة كتعويض عن فقدان موطنهم، وكانت تعبيرًا عن الحنين والانتماء. وقد لفت الباحثون إلى أنها كانت معروفة بعنايتها بعلم الحديث.
كما أفاد المحقق محمد أحمد دهمان أن القرية انقلبت إلى مزرعة في القرن السادس الهجري، ولم يبق من آثارها سوى بساتين.
لفت ياقوت الحموي في معجم بلاده إلى أن غوطة دمشق كانت تضم العديد من القرى التي اندثرت أسماؤها، بما في ذلك “صنعاء” التي لم يحدد موقعها بدقة.
وذكر الحافظ برهان الدين سبط ابن العجمي في كتابه أن “صنعاء” ليست حكراً على اليمن، بل تُطلق أيضًا على من سكن القرية الشامية، مما يشير لنمط عميق من الانتماءات الثقافية والاجتماعية.
عند التخوم الغربية لدمشق، يقف حي البرامكة اليوم كحي نابض، إذ يحتفظ في ذاكرتنا باسم “صنعاء دمشق”. مرت القرون ولم يُعرف هذا الاسم إلا كقرية صغيرة، استعادها القادمون من اليمن، محاولين تثبيت هويتهم في ميدان غريب.
ومع مرور الوقت، تغير الاسم إلى “تل الثعالب”، لكن ذاكرته لا تزال حاضرة في المصادر التاريخية.
تدون كتب التاريخ أن هذه المنطقة كانت تُعرف باسم “صنعاء دمشق” نتيجة استيطان اليمانيين، ومع مرور الزمن، تشتت الاسم القديم لكن أثره لا يزال موجودًا في الكتابات التاريخية.
فمن الناحية الجغرافية، تعرف المنطقة اليوم بحي البرامكة، بينما كانت تاريخياً تُعرف بـ”صنعاء دمشق”. ومعنى ذلك أن النسبة إلى “صنعاء” تتجاوز النطاق الجغرافي السياسية وتبقى شاهداً على الحضور الثقافي.
هذه الرحلة ليست مجرد انتقال اسم، بل تعبّر عن ذاكرة حية تخرج من الجغرافيا لتلامس عمق الفهم الثقافي.

علماء “صنعانيون” في الشام.. شواهد من التاريخ
تشير الدراسة إلى مجموعة من العلماء الذين يحملون نسبة “صنعاء” رغم أن نشأتهم كانت في بلاد الشام، وهذا يعكس فكرة “النسبة العابرة للجغرافيا”.
- حفص بن عمر بن ميمون العدني: المعروف بالفرخ، أصله من عدن، واستقر في دمشق، وبرز فيها كراوي ومحدث.
- أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن الصنعاني الدمشقي: المعروف بأنه أخذ عن الإمام الدارقطني في بيئة علمية دمشقية رغم النسبة “الصنعانية”.
- أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد الصنعاني: محدث معروف ترتبط نسبته بأسرة يمنية الأصل.
- أبو العباس أحمد بن عبد الله الصنعاني: من مشايخ دمشق المعروفين في مواضيع الحديث.
- أبو بكر محمد بن إسماعيل الصنعاني: مُعزز لحضور الفقه في مجتمع الشام، مما يعزز امتصاص الثقافات المختلفة.
كذلك أوردت الدراسة مجموعة من الرواة الذين يحملون النسبة إلى “صنعاء”، ومنهم:
- إبراهيم بن عمرو الصنعاني.
- حجاج بن شداد الصنعاني.
- حفص بن ميسرة الصنعاني.
- حنش بن عبد الله الصنعاني.
- راشد بن داود الصنعاني.
- سعيد بن يوسف الرحبي الصنعاني.
- شراحيل بن مرثد الصنعاني.
- عبد الملك بن محمد الصنعاني.
- يحيى بن مبارك الصنعاني.
- يزيد بن يوسف الرحبي الصنعاني.
هؤلاء كانوا رواة حديث معروفين وردت أسماؤهم في مصادر أهل السنة، مما يدل على وجودهم الفعلي في البيئة الشامية رغم النسبة “الصنعانية”.
تكمن أهمية هذه الادلة في أنها تبرهن أن النسبة في التاريخ الإسلامي لا تقتصر على مكان الميلاد، بل تعكس أبعادًا أعمق تتعلق بالسند والمذهب والمعرفة العلمية، وتظهر الحركة الثقافية النشطة بين الأقاليم الإسلامية.

دلالات النماذج.. ما الذي تكشفه؟
تكشف النماذج التي رصدتها دراسة “صنعانيون، ولكن من دمشق” عن أبعاد عميقة تتجاوز توثيق أسماء العلماء إلى التفاعل بين المكان والعلم في الحضارة الإسلامية.
لم تكن النسبة في الثقافة الإسلامية مقيدة بمفهوم “الهوية الجغرافية” أو “الجنسية”. إذ لم تعني النسبة إلى مدينة معينة أن الإنسان وُلِد فيها، بل كانت تشير إلى الانتماء العلمي أو القبلي. لذا، سهل على العلماء أن يحملوا نسبًا تعبّر عن مراحل حياتهم المنظومة التعليميةية.
لقد أثبتت النماذج كيف كانت دمشق مركزًا علميًا مهمًا في القرون الثلاثة الهجرية الأولى، حيث استقطبت طلاب الحديث من مختلف المناطق.
صنعاء ودمشق وتداخل الحواضر العلمية
أدى نظام الإسناد والرحلة إلى تشكيل هويات علمية تتجاوز النطاق الجغرافي. فكان لكل مسجد ومدرسة دور في بناء الفهم والمعرفة، ما يكشف أن هويات العلماء تُحدد من خلال “سلسلة الرواية” وليس مكان الميلاد فقط.
تظهر دراسة “صنعانيون، ولكن من دمشق” مفارقة تاريخية، حيث أن العلماء الذين يُنسبون إلى “صنعاء” توفوا قبل دخول الإمام يحيى إلى اليمن، ما يعكس أن النسبة في تلك الفترة لم تحمل أي دلالات مذهبية، بل كانت تعبر عن بيئة علمية سنية خالصة.
ظلَّت صنعاء مركزًا علميًا حتى ظهور التحولات المذهبية مع قدوم الإمام الهادي، مما أدى إلى تغيير سياقات المعرفة. لذا، تعكس هذه النسبة مرحلة تاريخية لا علاقة لها بالمذهب الزيدي، وإنما بمراحل سابقة متميزة علمياً.

شامنا ويمننا… توأمة الذاكرة والهوية
في عمق دمشق عاش “صنعانيون”، وفي قلب صنعاء كانت الشام حاضرة. الهوية الإسلامية لم تكن يومًا محصورة في الجغرافيا، بل امتدت عبر طرق العلم والسند، مُشكِّلة جسور من الانتماء تتجاوز الحواجز. لم يُعرَف العالم المسلم عبر مكان ميلاده فحسب، بل من خلال رحلته في طلب المعرفة.
أن يُنسب عالم لصنعاء بينما يروي في دمشق، أو يعرف بالبغدادي رغم كونه في الأندلس، لم يكن دليلاً على غموض في التراجم، بل يعكس ديناميكية الهوية الإسلامية التي تعتبر العلم موطناً.
لقد كانت عواصم الإسلام، مثل دمشق، بمثابة ملتقى للعلم، وصنعاء لم تكن مجرد عاصمة يمانية، بل كانت أيضاً مركزًا للمعرفة.
علماء “صنعاء دمشق” هم تجسيد هذا الانصهار الثقافي بين الشام واليمن، وهو ما يمكن تسميته “توأمة الذاكرة والهوية”. هنا تتداخل الأنساب وتزدهر الهويات المعرفية من دون حدود.
إن دعاء النبي ﷺ بين الشام واليمن هو دعوة حضارية تتجاوز الجغرافيا، تمثل وحدة الأمة العلمية والإنسانية.
لقد بارك النبي ﷺ في الشام واليمن لأنهما ليسا فقط موطنين، بل هما رئتان للحضارة الإسلامية، تحويان أنوار العلم ومجالس المنظومة التعليمية.
في الشام وُضعت أسس كبرى لعلوم الحديث، وفي اليمن ازدهرت حلقات السند. وعندما يُنسب علماء لصنعاء في دمشق، فإن ذلك لا يعبر عن التباس، ولكنه يعني تلاقي ثقافات كانت تتجاوز الهويات التقليدية.
هذا التداخل هو مثال حيوي على امتداد العقل المسلم الذي لا يتوقف عند حدود، بل يتجاوزها عبر المعرفة والرحلة في طلب الحكمة.
دعاء النبي ﷺ يمثل مشروعاً حضارياً يحتاج إلى استعادة تلك الروح الواحدة، لنرى المشرق والمغرب كأجزاء من كيان واحد بدلاً من مناطق متنازعة.
فمتى ندرك أن الأمة التي وحدها الحديث والسند لا تفرقها اختلاف ولهجات أو تغير حدود؟
ومتى نعيد الاعتبار لسندنا الممتد بين الشام واليمن لنحيي ذاكرة الأمة الحية؟
—————————————————————————————————-
- مدير مكتب الجزيرة في اليمن
