ما هي الأسرار وراء التهدئة بين طهران وتل أبيب؟

ما الذي يخفيه وقف النار بين طهران وتل أبيب؟


بعد حرب استمرت 12 يومًا، حاول كل من إيران وإسرائيل تقديم سرديات انتصار للحفاظ على شرعيتهما السياسية. صرحت إسرائيل تحقيق أهداف عسكرية وسياسية، بما في ذلك تدمير منشآت نووية وإغتيال قيادات إيرانية. إيران، من جهتها، ادعت نجاحها في الردع وضرب أهداف إسرائيلية، مما أظهر ضعف النظام الحاكم الإسرائيلي. بعد الحرب، تبدو إيران في حالة تراجع داخل المنطقة، مع توقع تحولات سياسية كبيرة، خاصة في لبنان والعراق واليمن. بينما تتجه إسرائيل نحو تصعيد في الضفة الغربية وتبني سياسات جديدة، مما قد يزيد من التوترات في العلاقات الإقليمية.

بعد مرور اثني عشر يومًا على اندلاعها، انتهت الحرب الإيرانية الإسرائيلية، حيث يسعى كل طرف لتقديم رواية تحقق له انتصارات تُعزز شرعيته السياسية وتضمن بقائه في السلطة.

فقد أفاد الكيان الصهيوني بأنه قد أنهى بنك أهدافه العسكرية في إيران، بينما زعمت إيران تحقيق نصر في التصدي للهجوم الإسرائيلي – الأميركي، مُعتبرةً أنها تمكنت من ردع اعتداءات أميركا وإسرائيل، ووجهت ضربة مؤلمة للكيان لم يشهدها منذ تأسيسه.

1- مكاسب وخسائر طرفي الحرب

بعد أن ألحق الكيان الصهيوني ضربات موجعة بأذرع إيران وشركائها في المنطقة، وتحقيق العديد من المكاسب العسكرية والسياسية، رأت إسرائيل أن الفرصة مناسبة أكثر من أي وقت مضى لتوجيه ضربات لإيران وتحقيق أهداف تعيد ترتيب المنطقة لصالحها لعقود قادمة.

نجحت إسرائيل في تحقيق هدف حيوي بإنهاء البرنامج النووي الإيراني أو تأخيره لعشرات السنين، من خلال استهداف المنشآت النووية الخاصة بتخصيب اليورانيوم وصناعة أجهزة الطرد المركزي، بعد التدخل الأمريكي الحاسم الذي مهّد لإنهاء القتال.

كما نفذت إسرائيل حملة اغتيالات ضد كبار القادة العسكريين، مستهدفة علماء التصنيع النووي الإيراني، إذ تجاوز عدد المغتالين عشرة علماء كما لفت رئيس وزراء الكيان الصهيوني.

بحسب الأهداف الإسرائيلية، كان من الأهمية بمكان مهاجمة الدفاعات الجوية الإيرانية روسية الصنع مثل “إس-300″، حيث كانت إيران تمتلك أربعة أنظمة. ومع ذلك، تمكنت إسرائيل من تدمير أحدها في أبريل/ نيسان الماضي، وفي هذه الحرب تمكنت من تدمير كافة الأنظمة المتبقية، وفقًا للكيان.

لكن يبقى الغموض حول عدد الصواريخ الباليستية التي تمتلكها إيران، إذ يقدر سلاح الجو الأمريكي أن إيران تمتلك 3000 صاروخ، بينما تدعي إسرائيل أنها دمرت 40٪ من منصات الإطلاق خلال حربها الأخيرة.

كما استخدمت الولايات المتحدة القنبلة GBU-57 على الطائرة B-2H، مما حسم الوضع العسكري بالنسبة للبرنامج النووي، محققة ما لم تتمكن إسرائيل من تحقيقه في استهداف وتدمير المنشآت النووية في فوردو، نطنز، وأصفهان.

نجحت إسرائيل أيضًا في تحقيق مجموعة من الأهداف السياسية التكتيكية، حيث منحت المفاوض الأمريكي فترة إضافية لإدارة مفاوضات أمريكية – إيرانية تعزز المكاسب السياسية والعسكرية العليا التي تخدم مصالحها ومصالح إسرائيل، مع إبراز التفوق العسكري والتكنولوجي والاستخباراتي لديها، وقدرتها على الوصول إلى أي هدف بدقة عالية، مما يعزز قوة الردع الإسرائيلي أمام أعدائها.

غير أن إسرائيل لم تتمكن من إنهاء البنية التحتية لصناعات الصواريخ الباليستية الإيرانية التي تشكل تهديدًا فعليًا لأمنها، كما عجزت عن إقناع أمريكا بإسقاط النظام الحاكم الإيراني.

وقد أنذر بعض القادة الإسرائيليين من التبجح بنصر “غير حقيقي”، مؤكدين أن إيران ونظامها السياسي سيبقيان “كأسد جريح” يعود للانتقام بعد استعادة عافيته وبناء قوته مجددًا.

أما إيران، فقد تمكنت من إطلاق أكثر من 500 صاروخ متعدد القدرات على تل أبيب، وهو أمر لم يحدث منذ تأسيس دولة إسرائيل. إذ استطاعت تلك الصواريخ أن تخترق العديد من الأنظمة الدفاعية الإسرائيلية، الأكثر شهرةً منها: مقلاع داود، القبة الحديدية، نظام باتريوت، بالإضافة إلى نظام “ثاد” الذي نشرته الولايات المتحدة في إسرائيل.

وجاءت المنظومة الصاروخية الإيرانية وقد أثبتت قدرتها على تجاوز تلك الدفاعات الجوية بأكثر من 25 صاروخاً مدمراً، مستهدفة تل أبيب بالإضافة إلى مناطق إسرائيلية متعددة، مما ألحق الضرر بالمنشآت العسكرية والاستخباراتية، المستشفيات، المباني السكنية، ومحطات توليد الكهرباء.

بينما بدأت الهجرة العكسية من إسرائيل تتزايد عقب أحداث السابع من أكتوبر، يتوقع المراقبون زيادة هذه الهجرات بعد الحرب الأخيرة، مع قدرة إيران على اختراق الاستقرار الإسرائيلي واستهداف مناطق كانت تعتبرها إسرائيل محصنة. فالهجرة إلى إسرائيل مرتبطة بالاستقرار، وكلما انخفض مستوى الأمان لدى السكان الإسرائيليين، زادت معدلات الهجرة.

2- وقف إطلاق النار وشرعية استمرار السلطة السياسية

يبدو أن حكومة اليمين الإسرائيلي تتنقل من ساحة حرب لأخرى لتضمن استمراريتها في السلطة وتحسين فرصها في الاستحقاق الديمقراطي القادمة.

بنك الأهداف العسكرية المتاحة أمام حكومة اليمين الإسرائيلي يبدو واعدًا، مما يسمح لها بالتصعيد في العراق أو بالضفة الغربية، أو حتى تجاه تركيا التي تشعر بالخطر من الأطماع الصهيونية وعدم الثقة في الحليف الأميركي المتقلب، والذي قد يتم الزج به نحو حروب غير متوقعة تهدد استقرار المنطقة.

كل ذلك قد يمنح حكومة اليمين الإسرائيلي مزيدًا من الوقت للبقاء في السلطة حتى الاستحقاق الديمقراطي المقبلة في خريف السنة القادم.

في المقابل، استقرار السلطة في إيران لن يكون سهلاً. إذ تتسع الفجوة بين الرئاسة الإيرانية والحرس الثوري، بينما تتآكل شرعية البقاء في السلطة المرتكزة على الدين، وقد شهدنا احتجاجات شعبية كبيرة ضد السلطة الدينية.

كما أن شرعية العداء لإسرائيل وأمريكا والتصدي لهما قد أوضحت الحرب الأخيرة ضعف السلطة في هذا المجال، والخسائر الكبيرة التي لحقت بإيران، رغم محاولات تصوير الموقف كأنه نصر بعد الضربات التي وجهتها لإسرائيل.

صحيح أن أمريكا صرحت أنها ليست بصدد إسقاط النظام الحاكم، لكن الخسائر الواضحة التي تعرضت لها إيران في الحرب، إضافةً إلى المعارضة الداخلية والخارجية المتزايدة، قد تؤدي إلى تطورات غير متوقعة.

وقد نشهد تغييرات سياسية مهمة داخل النظام الحاكم الإيراني، قد تشمل إعادة هيكلة النظام الحاكم القديم لصالح حكم مدني مع تقليص من السلطة الدينوية. فإيران قد تكون على أعتاب أحداث داخلية تعزز من اضطرابات سياسية وأمنية.

3- ما بعد الحرب.. كيف يبدو وجه المنطقة؟

لا شك أن السابع من أكتوبر كان نقطة تحول سياسية ملحوظة، لكن الحرب الإيرانية- الإسرائيلية وما نتج عنها قد تُعتبر الحدث الأهم في المنطقة منذ بداية القرن، حيث ستتوالى تبعاته السياسية مع ملامح تتشكل كالتالي:

  • انكفاء إيراني داخلي: حيث ستعود إيران إلى الحالة التي كانت عليها قبل عام 2003. فالتمدد الذي شهدته منذ سقوط النظام الحاكم العراقي السابق قد انتهى مع نتائج هذه الحرب.

ونحن الآن أمام عدّ تنازلي؛ إذ من المتوقع أن نشهد تراجعًا كبيرًا في لبنان، مما سينعكس سلبًا على حزب الله، وهو الفرع العسكري لإيران في لبنان، وبالتالي سيؤدي ذلك إلى صراعات سياسية عميقة حول نزع سلاحه وتحويله إلى حزب سياسي.

  • في الساحة العراقية: سيحظى استمرارية المليشيات العراقية بتحديات كبيرة، ومن المتوقع أن ينخفض تأثير الأحزاب الشيعية، باستثناء التيار الصدري الذي له علاقات أقل مع إيران.

كما ستشهد التحالفات السياسية تحولات ملحوظة، ما قد يؤدي إلى تغيير النظام الحاكم السياسي لصالح دولة مدنية تحرر العراق من السيطرة الإيرانية وتدخلاتها.

  • في اليمن: يبدو أن اليمن مقبل على فترة سياسية جديدة قد تعيد الوضع إلى ما قبل الربيع العربي، حيث قد تبدأ حالة الجمود الحوثي في الانفراج، مما سيؤدي إلى تغييرات عسكرية وأمنية وسياسية جسيمة، خصوصًا بعد التقارب الذي أبداه القائد الإيراني مع دول الخليج.
  • الساحة السورية: ستشهد استقرارًا أكبر، خاصة في ما يتعلق بمحاولات انفصال مدن الساحل المثيرة للجدل، إذ إن تراجع الدور الإيراني سيقطع الطريق على تلك المحاولات.
  • في الأراضي الفلسطينية: ستبرز مشكلة كبيرة مع صعود حكومة اليمين الإسرائيلي، مما سيعني تصعيدًا كبيرًا في الضفة الغربية، وسيسعى الكيان الإسرائيلي لضم المنطقة (ج) التي تشكل 61٪ من الضفة الغربية.

سيتجدد الحديث حول التهجير من غزة، وستكون الأردن في مرمى الأحداث، فيما يشهد المواجهة تصعيدًا ملحوظًا.

كما ستدخل القضية الفلسطينية مرحلة جديدة تتعارض مع مصالح الشعب الفلسطيني، في وقت تسعى فيه إسرائيل نحو تطبيع جديد مع الدول العربية رغم ملامح موقف عربي موحد الذي يدعو للاعتراف بدولة فلسطينية.

ومدينة الدبلوماسية العربية ستلعب دورًا رئيسيًا في تحقيق تقدم مع أمريكا لوقف الأطماع الإسرائيلية المتطرفة. ونتوقع أن تحدث احتكاكات سياسية بين تركيا وحكومة اليمين الإسرائيلي.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


رابط المصدر

Exit mobile version