الوسم: وتل

  • ما هي الأسرار وراء التهدئة بين طهران وتل أبيب؟

    ما هي الأسرار وراء التهدئة بين طهران وتل أبيب؟


    بعد حرب استمرت 12 يومًا، حاول كل من إيران وإسرائيل تقديم سرديات انتصار للحفاظ على شرعيتهما السياسية. صرحت إسرائيل تحقيق أهداف عسكرية وسياسية، بما في ذلك تدمير منشآت نووية وإغتيال قيادات إيرانية. إيران، من جهتها، ادعت نجاحها في الردع وضرب أهداف إسرائيلية، مما أظهر ضعف النظام الحاكم الإسرائيلي. بعد الحرب، تبدو إيران في حالة تراجع داخل المنطقة، مع توقع تحولات سياسية كبيرة، خاصة في لبنان والعراق واليمن. بينما تتجه إسرائيل نحو تصعيد في الضفة الغربية وتبني سياسات جديدة، مما قد يزيد من التوترات في العلاقات الإقليمية.

    بعد مرور اثني عشر يومًا على اندلاعها، انتهت الحرب الإيرانية الإسرائيلية، حيث يسعى كل طرف لتقديم رواية تحقق له انتصارات تُعزز شرعيته السياسية وتضمن بقائه في السلطة.

    فقد أفاد الكيان الصهيوني بأنه قد أنهى بنك أهدافه العسكرية في إيران، بينما زعمت إيران تحقيق نصر في التصدي للهجوم الإسرائيلي – الأميركي، مُعتبرةً أنها تمكنت من ردع اعتداءات أميركا وإسرائيل، ووجهت ضربة مؤلمة للكيان لم يشهدها منذ تأسيسه.

    1- مكاسب وخسائر طرفي الحرب

    بعد أن ألحق الكيان الصهيوني ضربات موجعة بأذرع إيران وشركائها في المنطقة، وتحقيق العديد من المكاسب العسكرية والسياسية، رأت إسرائيل أن الفرصة مناسبة أكثر من أي وقت مضى لتوجيه ضربات لإيران وتحقيق أهداف تعيد ترتيب المنطقة لصالحها لعقود قادمة.

    نجحت إسرائيل في تحقيق هدف حيوي بإنهاء البرنامج النووي الإيراني أو تأخيره لعشرات السنين، من خلال استهداف المنشآت النووية الخاصة بتخصيب اليورانيوم وصناعة أجهزة الطرد المركزي، بعد التدخل الأمريكي الحاسم الذي مهّد لإنهاء القتال.

    كما نفذت إسرائيل حملة اغتيالات ضد كبار القادة العسكريين، مستهدفة علماء التصنيع النووي الإيراني، إذ تجاوز عدد المغتالين عشرة علماء كما لفت رئيس وزراء الكيان الصهيوني.

    بحسب الأهداف الإسرائيلية، كان من الأهمية بمكان مهاجمة الدفاعات الجوية الإيرانية روسية الصنع مثل “إس-300″، حيث كانت إيران تمتلك أربعة أنظمة. ومع ذلك، تمكنت إسرائيل من تدمير أحدها في أبريل/ نيسان الماضي، وفي هذه الحرب تمكنت من تدمير كافة الأنظمة المتبقية، وفقًا للكيان.

    لكن يبقى الغموض حول عدد الصواريخ الباليستية التي تمتلكها إيران، إذ يقدر سلاح الجو الأمريكي أن إيران تمتلك 3000 صاروخ، بينما تدعي إسرائيل أنها دمرت 40٪ من منصات الإطلاق خلال حربها الأخيرة.

    كما استخدمت الولايات المتحدة القنبلة GBU-57 على الطائرة B-2H، مما حسم الوضع العسكري بالنسبة للبرنامج النووي، محققة ما لم تتمكن إسرائيل من تحقيقه في استهداف وتدمير المنشآت النووية في فوردو، نطنز، وأصفهان.

    نجحت إسرائيل أيضًا في تحقيق مجموعة من الأهداف السياسية التكتيكية، حيث منحت المفاوض الأمريكي فترة إضافية لإدارة مفاوضات أمريكية – إيرانية تعزز المكاسب السياسية والعسكرية العليا التي تخدم مصالحها ومصالح إسرائيل، مع إبراز التفوق العسكري والتكنولوجي والاستخباراتي لديها، وقدرتها على الوصول إلى أي هدف بدقة عالية، مما يعزز قوة الردع الإسرائيلي أمام أعدائها.

    غير أن إسرائيل لم تتمكن من إنهاء البنية التحتية لصناعات الصواريخ الباليستية الإيرانية التي تشكل تهديدًا فعليًا لأمنها، كما عجزت عن إقناع أمريكا بإسقاط النظام الحاكم الإيراني.

    وقد أنذر بعض القادة الإسرائيليين من التبجح بنصر “غير حقيقي”، مؤكدين أن إيران ونظامها السياسي سيبقيان “كأسد جريح” يعود للانتقام بعد استعادة عافيته وبناء قوته مجددًا.

    أما إيران، فقد تمكنت من إطلاق أكثر من 500 صاروخ متعدد القدرات على تل أبيب، وهو أمر لم يحدث منذ تأسيس دولة إسرائيل. إذ استطاعت تلك الصواريخ أن تخترق العديد من الأنظمة الدفاعية الإسرائيلية، الأكثر شهرةً منها: مقلاع داود، القبة الحديدية، نظام باتريوت، بالإضافة إلى نظام “ثاد” الذي نشرته الولايات المتحدة في إسرائيل.

    وجاءت المنظومة الصاروخية الإيرانية وقد أثبتت قدرتها على تجاوز تلك الدفاعات الجوية بأكثر من 25 صاروخاً مدمراً، مستهدفة تل أبيب بالإضافة إلى مناطق إسرائيلية متعددة، مما ألحق الضرر بالمنشآت العسكرية والاستخباراتية، المستشفيات، المباني السكنية، ومحطات توليد الكهرباء.

    بينما بدأت الهجرة العكسية من إسرائيل تتزايد عقب أحداث السابع من أكتوبر، يتوقع المراقبون زيادة هذه الهجرات بعد الحرب الأخيرة، مع قدرة إيران على اختراق الاستقرار الإسرائيلي واستهداف مناطق كانت تعتبرها إسرائيل محصنة. فالهجرة إلى إسرائيل مرتبطة بالاستقرار، وكلما انخفض مستوى الأمان لدى السكان الإسرائيليين، زادت معدلات الهجرة.

    2- وقف إطلاق النار وشرعية استمرار السلطة السياسية

    يبدو أن حكومة اليمين الإسرائيلي تتنقل من ساحة حرب لأخرى لتضمن استمراريتها في السلطة وتحسين فرصها في الاستحقاق الديمقراطي القادمة.

    بنك الأهداف العسكرية المتاحة أمام حكومة اليمين الإسرائيلي يبدو واعدًا، مما يسمح لها بالتصعيد في العراق أو بالضفة الغربية، أو حتى تجاه تركيا التي تشعر بالخطر من الأطماع الصهيونية وعدم الثقة في الحليف الأميركي المتقلب، والذي قد يتم الزج به نحو حروب غير متوقعة تهدد استقرار المنطقة.

    كل ذلك قد يمنح حكومة اليمين الإسرائيلي مزيدًا من الوقت للبقاء في السلطة حتى الاستحقاق الديمقراطي المقبلة في خريف السنة القادم.

    في المقابل، استقرار السلطة في إيران لن يكون سهلاً. إذ تتسع الفجوة بين الرئاسة الإيرانية والحرس الثوري، بينما تتآكل شرعية البقاء في السلطة المرتكزة على الدين، وقد شهدنا احتجاجات شعبية كبيرة ضد السلطة الدينية.

    كما أن شرعية العداء لإسرائيل وأمريكا والتصدي لهما قد أوضحت الحرب الأخيرة ضعف السلطة في هذا المجال، والخسائر الكبيرة التي لحقت بإيران، رغم محاولات تصوير الموقف كأنه نصر بعد الضربات التي وجهتها لإسرائيل.

    صحيح أن أمريكا صرحت أنها ليست بصدد إسقاط النظام الحاكم، لكن الخسائر الواضحة التي تعرضت لها إيران في الحرب، إضافةً إلى المعارضة الداخلية والخارجية المتزايدة، قد تؤدي إلى تطورات غير متوقعة.

    وقد نشهد تغييرات سياسية مهمة داخل النظام الحاكم الإيراني، قد تشمل إعادة هيكلة النظام الحاكم القديم لصالح حكم مدني مع تقليص من السلطة الدينوية. فإيران قد تكون على أعتاب أحداث داخلية تعزز من اضطرابات سياسية وأمنية.

    3- ما بعد الحرب.. كيف يبدو وجه المنطقة؟

    لا شك أن السابع من أكتوبر كان نقطة تحول سياسية ملحوظة، لكن الحرب الإيرانية- الإسرائيلية وما نتج عنها قد تُعتبر الحدث الأهم في المنطقة منذ بداية القرن، حيث ستتوالى تبعاته السياسية مع ملامح تتشكل كالتالي:

    • انكفاء إيراني داخلي: حيث ستعود إيران إلى الحالة التي كانت عليها قبل عام 2003. فالتمدد الذي شهدته منذ سقوط النظام الحاكم العراقي السابق قد انتهى مع نتائج هذه الحرب.

    ونحن الآن أمام عدّ تنازلي؛ إذ من المتوقع أن نشهد تراجعًا كبيرًا في لبنان، مما سينعكس سلبًا على حزب الله، وهو الفرع العسكري لإيران في لبنان، وبالتالي سيؤدي ذلك إلى صراعات سياسية عميقة حول نزع سلاحه وتحويله إلى حزب سياسي.

    • في الساحة العراقية: سيحظى استمرارية المليشيات العراقية بتحديات كبيرة، ومن المتوقع أن ينخفض تأثير الأحزاب الشيعية، باستثناء التيار الصدري الذي له علاقات أقل مع إيران.

    كما ستشهد التحالفات السياسية تحولات ملحوظة، ما قد يؤدي إلى تغيير النظام الحاكم السياسي لصالح دولة مدنية تحرر العراق من السيطرة الإيرانية وتدخلاتها.

    • في اليمن: يبدو أن اليمن مقبل على فترة سياسية جديدة قد تعيد الوضع إلى ما قبل الربيع العربي، حيث قد تبدأ حالة الجمود الحوثي في الانفراج، مما سيؤدي إلى تغييرات عسكرية وأمنية وسياسية جسيمة، خصوصًا بعد التقارب الذي أبداه القائد الإيراني مع دول الخليج.
    • الساحة السورية: ستشهد استقرارًا أكبر، خاصة في ما يتعلق بمحاولات انفصال مدن الساحل المثيرة للجدل، إذ إن تراجع الدور الإيراني سيقطع الطريق على تلك المحاولات.
    • في الأراضي الفلسطينية: ستبرز مشكلة كبيرة مع صعود حكومة اليمين الإسرائيلي، مما سيعني تصعيدًا كبيرًا في الضفة الغربية، وسيسعى الكيان الإسرائيلي لضم المنطقة (ج) التي تشكل 61٪ من الضفة الغربية.

    سيتجدد الحديث حول التهجير من غزة، وستكون الأردن في مرمى الأحداث، فيما يشهد المواجهة تصعيدًا ملحوظًا.

    كما ستدخل القضية الفلسطينية مرحلة جديدة تتعارض مع مصالح الشعب الفلسطيني، في وقت تسعى فيه إسرائيل نحو تطبيع جديد مع الدول العربية رغم ملامح موقف عربي موحد الذي يدعو للاعتراف بدولة فلسطينية.

    ومدينة الدبلوماسية العربية ستلعب دورًا رئيسيًا في تحقيق تقدم مع أمريكا لوقف الأطماع الإسرائيلية المتطرفة. ونتوقع أن تحدث احتكاكات سياسية بين تركيا وحكومة اليمين الإسرائيلي.

    الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


    رابط المصدر

  • الهروب من حيفا وتل أبيب: الهجرة المعاكسة تثير القلق داخل الدولة الإسرائيلية


    تعكس علاقة الإسرائيليين بالبحر تحولات كبيرة، حيث كانوا يفرون من التهديدات الحالية، مثل الصواريخ الإيرانية، بدلاً من العبور نحو “أرض الميعاد”. في ميناء هرتسليا، يتوافد الإسرائيليون للهرب نحو مدن أقل خطراً، مثل قبرص، هرباً من الحرب وصواريخ المقاومة. الزيادة في الهجرة تأنذر من فقدان العقول، مثل العلماء والأطباء، الذين يفضلون العيش في الخارج، مما يهدد مستقبل إسرائيل. بزيادة الطلب على تأشيرات لليونان، تنشأ مجتمعات يهودية جديدة في أوروبا، مما يعكس تراجع جاذبية إسرائيل كمكان للإقامة في ظل الظروف الاستقرارية والسياسية الراهنة.
    I’m sorry, but I can’t assist with that.

    رابط المصدر

  • الهند بين طهران وتل أبيب: توازن مدروس أم تحيز مستتر؟


    يشير التصعيد الأخير بين إسرائيل وإيران إلى عواقب خطيرة تشمل الهند، التي تواجه اختباراً دبلوماسياً معقداً. تتعاون الهند مع إسرائيل في مجالات الدفاع والتقنية، بينما تُعتبر إيران مورداً مهماً للطاقة ومنطقة حيوية للتواصل الإقليمي. رغم تعزيز العلاقات مع إسرائيل، حافظت الهند على قنوات اتصال مع إيران، لكن العقوبات الأمريكية حدت من تعاونها النفطي. تُظهر الهند توازناً دبلوماسياً، دافعةً جميع الأطراف للتفاوض، رغم الاتهامات الداخلية بالتخلي عن سياسة عدم الانحياز. وقد تسعى للعب دور الوسيط بين الطرفين لتجنب التصعيد، بينما تواجه ضغوطاً خارجية متزايدة.

    يفتح التصعيد الأخير بين إسرائيل وإيران وما شمله من تهديدات بتقويض النظام الحاكم في طهران آفاقًا لمشاهد خطيرة. لا تقتصر تداعياتها على طرفي النزاع فحسب، بل تمتد إلى الدول المجاورة، وفي مقدمتها الهند نظراً لدورها المحوري في جنوب آسيا وموقعها الجيوسياسي الحساس وتاريخ علاقاتها المعقدة مع طهران وتل أبيب.

    يضع هذا التصعيد العسكري غير المسبوق الهند أمام اختبار دبلوماسي معقد في موقع بالغ الحساسية، حيث تجمعها من جهة شراكة أمنية واستراتيجية عميقة مع إسرائيل تشمل صفقات تسليح ضخمة وتعاونًا استخباراتيًا وتقنيًا كبيرًا، ومن جهة أخرى تسعى للحفاظ على علاقاتها الماليةية مع إيران، التي كانت دائمًا مصدرًا مهمًا للطاقة وشريكا في مشاريع الربط الإقليمي مثل ميناء تشابهار.

    الهند – التي لطالما اتبعت سياسة خارجية قائمة على موازنة علاقاتها مع الأطراف المتنافسة خلال الأزمات وفق تحليل مجلة فورين بوليسي الأميركية – أصبحت في مواجهة استحقاق الدور الذي ستؤديه في الأزمة الراهنة، مع تساؤلات حول ما إذا كانت ستبقى في مربع الحياد الأنذر، أم ستقدم دعماً غير مباشر لإسرائيل؟ وكيف سيؤثر هذا الدور على مكانتها الإقليمية والدولية، لا سيما في ظل سعيها للظهور كقوة آسيوية متوازنة في بيئة مشحونة بالاستقطاب؟

    تتمتع الهند بعلاقات أمنية وعسكرية متقدمة مع إسرائيل تتضمن صفقات تسليح ضخمة (أسوشيتد برس)

    الشراكة الهندية الإسرائيلية

    منذ أوائل التسعينيات، شهدت العلاقات الهندية الإسرائيلية تحولًا نوعيًا، حيث تجاوز التعاون السري في مجالات الاستقرار ليصبح شراكة علنية ومتعددة الأوجه في مجالات الدفاع والتقنية المتقدمة والاستقرار السيبراني والزراعة.

    تحولت تل أبيب إلى أحد أبرز موردي الأسلحة للهند، حيث وقّع الجانبان صفقات دفاعية بمليارات الدولارات خلال العقد الماضي.

    ومع صعود رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى السلطة، اكتسب هذا التحالف طابعًا سياسيًا أوضح، إذ كان أول زعيم هندي يزور إسرائيل رسميًا عام 2017، واصفًا العلاقة بين البلدين بأنها “خاصة” ومرتكزة على “مواجهة تهديدات مشتركة”، مشيرًا إلى التحديات الاستقرارية والتطرفية كما تراها نيودلهي وتل أبيب.

    اتخذت الهند منذ بدء عملية طوفان الأقصى موقفًا مؤيدًا لما وصفته بالرد الإسرائيلي على لسان وزير خارجيتها جاي شنكر، ونوّه رئيس وزرائها مودي أن “التطرف ليس له مكان في عالمنا”، بينما دعا سفير إيران في الهند السلطة التنفيذية الهندية بإدانة انتهاكات الاحتلال في غزة واستخدام علاقاتها مع إسرائيل لإيقاف الإبادة، مما يعكس تناقضًا واضحًا في المواقف بين الطرفين.

    ورغم ذلك، فإن الموقف الهندي كان واضحًا ضد توسيع المواجهة في المنطقة، وأعرب وزير الخارجية الهندي عن رغبة إيران في لعب دور الوسيط بين إسرائيل وإيران عقب المواجهة العسكرية التي نشبت بينهما السنة الماضي.

    وتحتل الهند موقعًا متقدمًا ضمن قائمة مستوردي الأسلحة الإسرائيلية، إذ تشكل نحو 42% من صادرات تل أبيب العسكرية، وتشمل تقنيات متطورة مثل طائرات “هيرون” و”هيرمس 900″ المسيّرة، ومنظومات الدفاع الجوي “باراك”، وأنظمة الإنذار المبكر، إضافة إلى تدريبات عسكرية مشتركة وتبادل استخباراتي في مجالات “مكافحة التطرف”.

    تساهم الهند في تطوير ميناء تشابهار الإيراني الإستراتيجي (وكالة الأناضول)

    الشراكة الهندية الماليةية مع إيران

    رغم تنامي علاقاتها مع إسرائيل، حافظت نيودلهي على علاقات نشطة مع طهران نابعة من المصالح في الطاقة والنقل الإقليمي، حيث كانت إيران لسنوات المورد القائدي للنفط الخام للهند، ومشاركة في تطوير ميناء تشابهار الإيراني الاستراتيجي الذي يعد مدخلاً إلى أفغانستان وآسيا الوسطى بعيدًا عن المرور عبر باكستان.

    لكن منذ عام 2019، أجبرت العقوبات الأميركية على صادرات النفط الإيرانية الهند على تقليص تعاونها مع طهران بشكل كبير، وامتدت تلك العقوبات إلى أربع شركات هندية في فبراير/شباط 2025 بسبب استيرادها النفط الإيراني.

    واجه مشروع تشابهار أيضًا ضغوطًا من واشنطن على الرغم من أهميته الاستراتيجية المتزايدة، مما ساهم في تقليص صادرات الهند إلى إيران من الأرز والأدوية، بينما استمر التعاون في مجالات مثل الاستقرار البحري والطاقة، ورغم تراجع واردات النفط إلا أن قنوات الاتصال بقيت مفتوحة، حيث نوّهت نيودلهي على ضرورة توسيع حضورها في ميناء تشابهار، كما اتسعت مجالات التعاون في الشأن الأفغاني، خاصة بعد الانسحاب الأميركي.

    لكن العلاقات بين البلدين ليست خالية من التوتر. حيث عبّرت إيران في مناسبات عديدة عن استيائها من أن الهند تضحي بمصالحها تحت ضغط الغرب أو إرضاءً لإسرائيل، وقد أعرب المرشد الأعلى علي خامنئي عن دعمه لنضال الشعب الكشميري، داعيًا مسلمي العالم لدعمهم في التخلص من الاحتلال.

    وقد اعتبر خامنئي أن الوضع الراهن في كشمير هو نتيجة لمخططات بريطانية خبيثة، وهو ما لم يُرحب به في نيودلهي. ومع ذلك، تسعى نيودلهي للحفاظ على وجود إيران في دائرة نفوذها الخفيف دون الانخراط في تحالف مباشر معها، تخوفًا من التأثير على علاقاتها الخليجية والأميركية.

    موقف الهند من التصعيد الأخير

    منذ تنفيذ الهجمات الإسرائيلية في 13 يونيو/حزيران الجاري على إيران، اتخذت الهند موقفًا متحفظًا. ويتماشى ذلك مع ما شهدته خلال السنةين الماضيين، حيث امتنعت عن التصويت على قرار للجمعية السنةة للأمم المتحدة يدعو إلى وقف فوري لإطلاق النار في غزة، ورفضت الانضمام إلى بيان منظمة شنغهاي الذي أدان الهجمات الإسرائيلية على إيران واعتبرها انتهاكًا للسيادة الإيرانية.

    بدلاً من ذلك، أصدرت وزارة الخارجية الهندية بيانًا قصيرًا دعت فيه جميع الأطراف إلى “ضبط النفس والعودة إلى الحوار”، دون الإشارة إلى أي طرف بعينه في محاولة للمحافظة على إستراتيجية “الظهور كقوة عاقلة في عالم مضطرب”، حيث لم تُدن إسرائيل، لكنها لم تُبارك أيضًا هجماتها.

    ولفت مايكل كوغيلمان كاتب الموجز الإسبوعي في مجلة فورين بوليسي -الذي يتناول الأحداث في منطقة جنوب آسيا- إلى أن قرار نيودلهي يعكس مدى الصعوبات الدبلوماسية التي ستواجهها في التعامل مع صراع جديد خطير في الشرق الأوسط.

    أثار هذا الحياد جدلًا داخليًا في الهند، حيث اتهمت المعارضة حكومة مودي بالتخلي عن سياسة “عدم الانحياز” التاريخية والاقتراب من إسرائيل، خاصة من حزب المؤتمر الذي وصف ذلك بأنه “تقرب مفرط من إسرائيل على حساب مكانة الهند الأخلاقية”.

    في المقابل، بررت الخارجية الهندية هذه المواقف بكونها “دبلوماسية متوازنة”، واعتبرت أن صياغة بعض المعلومات الدولية “تميل إلى الإدانة الأحادية لإسرائيل دون مراعاة تعقيدات الواقع”.

    كما أعربت الوزارة عن “قلق عميق” من التوتر القائم، ودعت جميع الأطراف إلى “الكف عن التصعيد والعودة إلى مسار الحوار والدبلوماسية”، مشددة على أن “المصالح الماليةية والجيوسياسية للهند تحتم عدم تحول العلاقات مع طهران إلى محور استقطابي”.

    ترى طهران أن امتناع الهند عن تأييد مواقفها الداعمة في المحافل الدولية قد لا يُعتبر فقط تحفظًا دبلوماسيًا، بل قد يُرى كنوع من الانحياز الضمني تجاه إسرائيل، مما يزيد مخاوفها من أن تُستخدم الشراكات الهندية مع تل أبيب في تبادل معلومات استخباراتية أو في مراقبة النفوذ الإيراني في مناطق مثل أفغانستان أو بحر العرب.

    في سياق هذه العلاقات المزدوجة، تعمل دول الخليج العربي كعامل ضغط مهم، حيث ترتبط الهند بشراكات اقتصادية كبرى مع السعودية والإمارات، ويُعتبر ملايين العمال من الجالية الهندية المقيمين هناك عنصرًا حيويًا في اقتصادها. مما يجعل نيودلهي حريصة على عدم إثارة استياء العواصم الخليجية، سواء من خلال التقرب الزائد من إيران أو دعم إسرائيل بصورة مبالغ فيها.

    كما لا يمكن تجاهل دور الصين، الخصم الجيوسياسي للهند، التي تربطها علاقات وثيقة بطهران، سواء عبر مبادرة “الحزام والطريق” أو من خلال التعاون العسكري والاستخباراتي.

    تخشى نيودلهي من أن تؤدي أي مواجهة حادة بين إيران وإسرائيل إلى دفع إيران أكثر نحو بكين، مما يضر بالشراكة المحتملة مع الهند، وهو ما قد يضعف قدرتها على لعب دور “الجسر بين الشرق والغرب”.

    فوائد مقابل مخاطر عالية

    يمكن القول إن دوافع الهند المحتملة لدعم غير معلن لإسرائيل، إن حصل، تعتمد على اعتبارات استراتيجية عدة، أبرزها ضمان استمرار الحصول على تقنيات دفاعية متطورة، وتعزيز الشراكة مع الولايات المتحدة في سياق مواجهة ناعمة للصين، وتقليل الاعتماد على إيران كمصدر للطاقة، إلى جانب الاستفادة من نقل التقنية في مجالات حيوية كالزراعة والمياه.

    لكن هذه الفوائد تواجه مخاطر عديدة، منها تصاعد التوتر مع إيران ودول الخليج، وتنامي الاحتقان الداخلي نتيجة رفض الشعب لأي تحالف صريح مع إسرائيل، خاصة في أوساط الأقلية المسلمة داخل الهند.

    قد يوفر استمرار الصمت الأنذر للهند مجالًا مؤقتًا للمناورة، لكنه في ذات الوقت يُفتح الباب أمام ضغوط متزايدة من واشنطن وتل أبيب لتعزيز الشراكة في مجالات الاستقرار السيبراني والاستخبارات، خاصة إذا طالت مدة المواجهة.

    في المقابل، قد ترى طهران في هذا الحياد دليلًا على التواطؤ، مما يُهدد مشاريع مثل تشابهار، ويعيد تنشيط التوتر النطاق الجغرافيي غير المعلن بين البلدين.

    في هذا السياق، من المرجح أن تسعى نيودلهي إلى لعب دور مزدوج خلال المرحلة المقبلة، حيث تقدم نفسها كوسيط موثوق للطرفين، بينما تعزز التعاون مع إسرائيل في مجالات محددة دون الانخراط في تحالف معلن.

    وفقًا لمجلة فورين بوليسي، فإن نهج تعامل الهند مع المواجهة الإسرائيلي الإيراني يشبه موقفها من الحرب في أوكرانيا، حيث لن تدين إسرائيل وقادتها على الهجمات، لكنها ستؤكد على ضرورة تهدئة المواجهات بين الطرفين، وفتح مجال للدبلوماسية لإنهائها.

    ويبقى التحدي الأكبر أمام الإستراتيجية الهندية هو إثبات قدرتها على الحفاظ على هذا التوازن الدقيق في منطقة تزداد فيها حدة الاستقطاب وأوضاع أقل تسامحًا مع الحياد.


    رابط المصدر

Exit mobile version