منشأة آراك هي واحدة من أكبر المرافق النووية الإيرانية، تضم محطة لإنتاج الماء الثقيل ومفاعل بحثي بقدرة 40 ميغاواطا. رغم التأكيدات الإيرانية حول الاستخدام السلمي، تثير المنشأة قلق المواطنون الدولي، خاصًة أمريكا وإسرائيل، بسبب إمكانية إنتاج البلوتونيوم. في يونيو 2025، استهدفت إسرائيل المفاعل خلال عملية عسكرية. بدأت الأعمال في المفاعل عام 2004، وواجه المشروع معارضة دولية، لكن إيران أتمت بناءه رغم الضغوط. بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي في 2018، بدأت إيران تقليص التزاماتها، ولم تعد تسمح بإشراف الوكالة الدولية بشكل كامل، مما زاد المخاوف حول مستقبل البرنامج النووي الإيراني.
تُعتبر منشأة آراك واحدة من أكبر المنشآت النووية الإيرانية، حيث تشتمل على محطة لإنتاج الماء الثقيل مع مفاعل بحثي تحت الإنشاء، مصمم للعمل بقدرة تصل إلى 40 ميغاواطا، بهدف استخدامها في الأبحاث العلمية وإنتاج النظائر المشعة للأغراض الطبية والصناعية.
وبرغم تأكيدات إيران المتكررة بأن المفاعل مخصص للأغراض السلمية، إلا أن المنشأة تُعَد مصدر قلق دائم للمجتمع الدولي، خصوصاً الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، بسبب إمكانية استخلاص البلوتونيوم من الوقود المستهلك بها، وهي مادة يمكن استخدامها في تصنيع قنابل انشطارية.
في إطار سعيها للتخلص من البرنامج النووي الإيراني، قامت إسرائيل بقصف مفاعل أراك في 19 يونيو/حزيران 2025 ضمن عملية “الأسد الصاعد”، التي استهدفت مناطق شاسعة داخل الأراضي الإيرانية.
وقد استهدف الهجوم هيكل الاحتواء المطلوب لإنتاج البلوتونيوم في المفاعل، من أجل منع أي استخدام محتمل في صناعة أسلحة نووية.
الموقع والبنية الهيكلية والإنتاجية
تقع منشأة آراك النووية، والمعروفة أيضاً بمفاعل خُنداب، على بعد حوالي 250 كيلومتراً جنوب غرب طهران، في منطقة خُنداب القريبة من مدينة آراك.
تدير منظمة الطاقة الذرية الإيرانية هذه المنشأة، التي تضم مفاعل آراك البحثي (آي آر-40) (IR-40)، بالإضافة إلى محطة مجاورة لإنتاج الماء الثقيل.
محطة إنتاج الماء الثقيل
تم تصميم هذه المحطة لإنتاج الماء الثقيل لأغراض الاستخدام النووي، وظلت في البداية سرية حتى أغسطس/آب 2002، عندما تكشف عنها المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية.
في ديسمبر من نفس السنة، نشر معهد العلوم والاستقرار الدولي صوراً للمنشأة التقطتها الأقمار الصناعية، مما أثار شكوكا دولية حول الغرض من إنشائها.
بدأت أعمال البناء في عام 2003، واعترفت إيران رسمياً بوجود المنشأة لكن نفت حينها استخدام الماء الثقيل في المفاعل، إلا أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية تلقت تقريراً بعد أشهر بأن الماء الثقيل المنتَج مخصص للاستخدام في مفاعل آراك.
تم تشغيل المحطة في نوفمبر/تشرين الثاني 2004، وتم تدشينها رسمياً في أغسطس/آب 2006، حيث صرح رئيس هيئة الطاقة الذرية الإيرانية آنذاك، غلام رضا آغا زاده، أن المصنع سينتج 17 طناً سنوياً من الماء الثقيل بدرجة نقاء 15%، بالإضافة إلى 80 طناً بدرجة نقاء تبلغ حوالي 80%.
وفقاً للضمانات التقليدية، فإن منشآت إنتاج الماء الثقيل في إيران لا تخضع لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، على الرغم من أن إيران سمحت للمفتشين بزيارة المحطة في عام 2011، لكنها رفضت منحهم عينات من الماء الثقيل.
في أكتوبر/تشرين الأول 2020، تحقق الوكالة الدولية للطاقة الذرية من أن المحطة كانت قيد التشغيل، وأبلغت إيران الوكالة بمخزونها من الماء الثقيل، الذي بلغ حينها 128 طناً مترياً.
في بداية السنة 2021، امتنعت إيران عن تقديم المعلومات لوكالة الطاقة الدولية بحجم مخزونها من الماء الثقيل، ورغم ذلك تمكنت الوكالة من مراقبة أنشطة المحطة بشكل جزئي عبر صور الأقمار الصناعية.
المفاعل النووي
بدأت أعمال البناء في مفاعل آراك في يونيو/حزيران 2004، وتم تصميمه محلياً بسبب عدم قدرة إيران على شراء مفاعل من الخارج، ويُعتقد أنها تلقت مساعدات من روسيا خلال تلك الفترة.
المفاعل صُمم بقدرة حرارية تبلغ 40 ميغاواطا، ويعتمد على اليورانيوم الطبيعي المحلي في شكل وقود ثاني أكسيد اليورانيوم، ويستخدم الماء الثقيل للتبريد.
الهدف من إنشاء المفاعل، بحسب التصريحات الإيرانية، هو البحث العلمي وتطويره، بالإضافة إلى إنتاج النظائر المشعة للأغراض الطبية والصناعية. في بداية الخطط، كان من المفترض أن يتضمن الموقع إعادة معالجة الوقود المستهلك، لكن تم إلغاؤه في مرحلة مبكرة من البناء.
وفقاً لتقديرات معهد العلوم والاستقرار الدولي، فإن مفاعل آراك يمتلك القدرة على إنتاج كميات كبيرة من البلوتونيوم المستخلص من الوقود النووي المستهلك، تُقدَّر بنحو 9 إلى 10 كيلوغرامات سنوياً، وهو ما يكفي لصنع قنبلتين نوويتين تقريباً كل عام.
تحديات الرقابة الدولية
واجه مفاعل آراك اعتراضات مبكرة من القوى الدولية، ففي عام 2006، أصدر مجلس الاستقرار الدولي التابع للأمم المتحدة القرار رقم 1737، الذي دعا إيران إلى تعليق جميع الأنشطة المتعلقة بإنتاج الماء الثقيل، بما في ذلك وقف بناء مفاعل آراك.
منذ ذلك السنة، توقفت إيران عن تقديم المعلومات الحديثة حول تصميم مفاعل آراك، على الرغم من المدعا المتكررة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لكنها واصلت تنفيذ المشروع.
في تقريرها الصادر في نوفمبر/تشرين الثاني 2007، ذكرت الوكالة الدولية أن البناء في مفاعل آراك لا يزال جارياً، مؤكدة استمرارية تشغيل محطة إنتاج الماء الثقيل، وأفادت أنها اضطرت للاعتماد على صور الأقمار الصناعية لمراقبة المحطة، لعدم السماح لها بدخول المنشأة بشكل منتظم.

بعد زيارة أجرتها الوكالة إلى الموقع في أغسطس/آب 2008، مُنعت إيران المفتشين من الوصول إلى المفاعل، ومع ذلك، وبسبب الضغوط والاستفسارات المتكررة، أُعيد السماح لوكالة الطاقة بزيارة الموقع في أغسطس/آب 2009، وتمكن المفتشون من التحقق من معلومات التصميم، ونوّهت الوكالة أن بناء المنشأة كان متماشياً مع ما قدمته إيران من معلومات في بداية عام 2007.
بعد زيارة قامت بها الوكالة لمحطة إنتاج الماء الثقيل في أغسطس/آب 2011، مُنعت الوكالة من الوصول إليها مجدداً، مما أجبرها على الاعتماد بالكامل على صور الأقمار الصناعية لرصد حالة المنشأة، ومع استكمال بناء هيكل الاحتواء المقبب لمبنى المفاعل، فقدت الوكالة القدرة على مراقبة تقدم البناء عبر الأقمار الصناعية.
وفقاً لتقرير الوكالة الصادر في نوفمبر/تشرين الثاني 2013، استمرت إيران في أنشطتها المتعلقة بالماء الثقيل، بما في ذلك بناء مفاعل آراك الخاضع لضمانات الوكالة، وإنتاج الماء الثقيل في المحطة غير الخاضعة لتلك الضمانات، مما يعد انتهاكًا للقرارات الصادرة عن مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومجلس الاستقرار الدولي.
الاتفاقيات النووية
كان مفاعل آراك على وشك الاكتمال عندما بدأت المحادثات النووية بين إيران ومجموعة الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الاستقرار (الصين، فرنسا، روسيا، المملكة المتحدة، والولايات المتحدة)، بالإضافة إلى ألمانيا، المعروفة بمجموعة “5+1″، وهي الدول الست المعنية بالملف النووي الإيراني.
في عام 2013، وقعت إيران مع المجموعة اتفاق “خطة العمل المشتركة”، الذي شمل تعليق إيران لأعمال البناء في مفاعل آراك لمدة ستة أشهر، وتقديم معلومات دورية للوكالة الدولية للطاقة الذرية، والسماح بتفتيش موسع للمنشأة، والتعهد بعدم استخلاص البلوتونيوم.
في فبراير 2014، صرحت منظمة الطاقة الذرية الإيرانية أن مفاعل آراك لم يتم تصميمه بالأساس لإنتاج البلوتونيوم، وأن الإنتاج السنوي البالغ نحو 9 كيلوغرامات غير صالح للاستخدام في صنع الأسلحة، فضلًا عن أن إيران لا تمتلك تقنيات إعادة المعالجة اللازمة لاستخراج البلوتونيوم من الوقود المستهلك.
في عام 2015، تم توقيع اتفاق نووي جديد يُعرف بـ”خطة العمل الشاملة المشتركة”، والذي فرض قيودًا صارمة على البرنامج النووي الإيراني وأخضعه لضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مقابل رفع العقوبات المفروضة من قبل مجلس الاستقرار الدولي والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على إيران.
بموجب الاتفاق، توقفت أعمال البناء في منشأة آراك، وتم إغلاق قلب المفاعل وملؤه بالخرسانة، مما يجعله غير قابل للتشغيل لإنتاج البلوتونيوم، والتزمت إيران بإعادة تصميم مفاعل أراك وتحويله إلى مفاعل بحثي بحيث يبقى إنتاجه من البلوتونيوم دون المستوى المطلوب للأسلحة النووية.
نص الاتفاق أيضاً على أن يقتصر وقود المفاعل على يورانيوم منخفض التخصيب بنسبة لا تتجاوز 3.67% وبكتلة لا تزيد عن 350 كيلوغراماً، وسُمح لإيران بتصدير الفائض من الماء الثقيل لمدة 15 عاماً، مع إخضاع عمليات التخزين والإنتاج لمراقبة الوكالة الدولية لضمان تطبيق بنود الاتفاق.
تضمن الاتفاق أيضاً إلزام إيران بشحن الوقود المستهلك خارج البلاد، لضمان عدم استخدامه لاحقاً لاستخلاص البلوتونيوم.
في 14 يناير/كانون الثاني 2016، نوّه مسؤول نووي أن إيران أزالت الوعاء الأساسي لمفاعل آراك، متماشياً مع التزاماتها بموجب الاتفاق، وتقوم الوكالة الدولية لاحقاً بإصدار تقارير دورية تؤكد امتثال إيران لبنود الاتفاق.
في فبراير/شباط 2016، تجاوزت إيران الحد المسموح به من مخزون الماء الثقيل، ولتخفيض ذلك المخزون إلى أقل من 130 طناً مترياً، قامت بشحن 20 طناً مترياً من الماء الثقيل إلى خارج البلاد تحت مراقبة الوكالة، وفي نوفمبر من نفس السنة، شحنت إيران مرة أخرى 6 أطنان من الماء الثقيل إلى الخارج.
في إطار الاتفاق، كانت مهمة تعديل مفاعل آراك موكلة إلى خبراء أميركيين وصينيين، وفي أبريل/نيسان 2017، وقعت شركات إيرانية وصينية عقوداً لإعادة تصميم المفاعل، واعتبرت مصادر رسمية صينية هذه العقود جزءًا بالغ الأهمية من تنفيذ الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015.

استئناف البرنامج النووي
صرح القائد الأميركي دونالد ترامب في 8 مايو/أيار 2018 انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني، مبرراً ذلك بـ “افتقار إيران للشفافية” بشأن أنشطتها النووية السابقة، وبعد الانسحاب أعادت واشنطن فرض العقوبات على طهران، واتخذت إجراءات للحد من مبيعات النفط الإيرانية.
رداً على ذلك، صرحت إيران في مايو/أيار 2019 عن البدء في تقليص التزاماتها المتعلقة بالاتفاق النووي، وفي السنة نفسه، بدأت تشغيل الدائرة الثانوية لمفاعل الماء الثقيل في منشأة آراك.
وفقاً لبيانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بدأت إيران تدريجياً بالتراجع عن تنفيذ التزاماتها النووية بموجب خطة العمل الشاملة المشتركة بدءًا من مايو/أيار 2019، حتى توقفت بالكامل في 23 فبراير/شباط 2021، ونتيجة لذلك لم تعد تسمح للوكالة بإجراء عمليات الرصد والتحقق المتعلقة بإنتاج الماء الثقيل ومخزونه.
في تقريرها الصادر في مارس/آذار 2022، ذكرت الوكالة أنها لم ترصد لأي مخالفات تتعلق ببناء أو تشغيل مفاعل آراك حتى فبراير/شباط 2022، لكن إيران توقفت منذ ذلك الحين عن تقديم أي بيانات تتعلق بمخزونها من الماء الثقيل أو حجم إنتاجها منه، ولم تسمح أيضاً للوكالة برصده.
نوّه تقرير الوكالة لشهر مايو/أيار 2025 أن الوضع قد تفاقم في يونيو/حزيران 2022 بسبب القرار الذي اتخذته إيران بإزالة جميع معدات المراقبة والرصد التابعة للوكالة والمترابطة بخطة العمل الشاملة المشتركة.
كما لفت التقرير إلى أن أعمال البناء في المفاعل مستمرة وأن إيران أبلغت الوكالة أنه من المتوقع أن يبدأ تشغيل مفاعل آراك في عام 2026.
