في أبريل 2023، أبرمت أمريكا والصين هدنة بعد مفاوضات في لندن، حيث أظهر كل منهما إمكانية الضغط للحصول على تنازلات. الاتفاق المبدئي يسمح لأمريكا بفرض 55% رسومًا على الواردات الصينية ويخفف بعض القيود على الصادرات الأمريكية. تُعد الصين بحاجة لعلاقات مع الغرب لتقوية صناعاتها، رغم استخدامها تكنولوجيا معتمدة على الاستيراد. قبول الصين بالرسوم المرتفعة قد يقلل التجارة الثنائية، بينما تفكر في بدائل مثل استيراد الطائرات من إيرباص. التجارة بين الصين والاتحاد الأوروبي تتفوق على التجارة مع أمريكا، مما يعكس عدم الاستقرار في العلاقة الأمريكية الصينية.
في أبريل الماضي، دخلت أميركا والصين في هدنة نتيجة جولة من المفاوضات لإنهاء الحرب الماليةية. ومع ذلك، يلوح كل طرف، بين الحين والآخر، بإمكانات الضغط بوسائله للحصول على المزيد من التنازلات أو على الأقل تقليل خسائره.
استضافت لندن جولة المفاوضات، والتي انتهت مؤخرًا باتفاق مبدئي، وفقًا لتغريدة القائد الأميركي دونالد ترامب.
لفت ترامب إلى أن الاتفاق ينتظر توقيع كل من القائدين الأميركي والصيني، وأنه يتيح لأميركا فرض رسوم تصل إلى 55% على الواردات من الصين، بينما يسمح للصين بفرض 10% فقط.
حسب الاتفاق، ترفع أميركا بعض القيود عن الصادرات الحساسة، وتسمح للطلاب الصينيين بالدراسة في الجامعات الأميركية، وتستأنف الصين تصدير المواد النادرة لأميركا.
نظرًا لتشابه المصالح والمصائب، وجدت الصين والاتحاد الأوروبي نفسيهما في خندق واحد تجاه سياسات ترامب، سواء فيما يخص الرسوم الجمركية أو دفع الفاتورة الدفاعية الأميركية من قبل الاتحاد الأوروبي.
بينما يحاول ترامب الضغط من خلال القطاع التجاري الواسعة وإمكانية إغلاقها في وجه السلع الصينية، الصين أيضًا تمتلك أوراق ضغط تعيد أميركا للتفكير في خطواتها التي تسعى من خلالها لتقليص مصالح الصين.
تمتلك الصين معادن نادرة لا يمكن لأميركا الاستغناء عنها، وقررت الصين اتخاذ خطوات مؤقتة بحجب هذه المواد. وأخيرًا، صرح مسؤولون صينيون أنهم يدرسون إبرام صفقة مع شركة إيرباص، التي قد تكون الأكبر في تاريخ الطيران، باستيراد ما بين 200 و500 طائرة.
خلال تصاعد الحرب التجارية مع أميركا، أجلت الصين استلام صفقة طائرات من شركة بوينغ الأميركية، وهو ما يحتاج إلى مزيد من التحليل. على الرغم من أن هذا يمثل ورقة ضغط للصين، إلا أنه نقطة ضعف أيضًا، إذ لا تمتلك الصين ميزة إنتاج الطائرات المدنية بالكامل، ولا تزال خياراتها محصورة في الاستيراد من أميركا أو الاتحاد الأوروبي.
العجز التكنولوجي
في عام 2023، بدأت الصين تشغيل رحلات داخلية بواسطة طائراتها المدنية. لكن، لا تزال تحتاج إلى وارداتها من الطائرات من أميركا والاتحاد الأوروبي، إذ يعتمد الإنتاج الصيني بشكل كبير على مكونات مستوردة تصل نسبتها إلى 60% من إجمالي مكونات الطائرة.
لذا، نجد حرص الصين على الحفاظ على علاقتها مع أميركا، في ضوء الاتفاق المبدئي الذي لفت إليه ترامب، حيث وافقت الصين على علاقة غير متكافئة في الرسوم الجمركية مقابل رفع القيود الأميركية على الصادرات الحساسة والسماح للطلاب الصينيين بالدراسة في الجامعات الأميركية.
من المؤكد أن قبول الصين بهذه الشروط، رغم كونها قد تبدو مجحفة، كان مدفوعًا بالضرورة، حيث لا تمتلك خيارات أخرى، ولا تستطيع المناورة في مجال التقنية حتى تتمكن من تحقيق تفوق تكنولوجي يشمل الاستغناء عن أميركا والغرب.
هنا، يجب الإشارة إلى نقطة هامة تتعلق بتاريخ التجربة الصينية وكيف أصبحت ثاني أكبر قوة اقتصادية في العالم، حيث اعتمدت على ما يسمى بالهندسة العكسية، مما مكنها من تصنيع وتطوير العديد من الآلات، وإنتاج منتجات صينية تنافس المنتجات الأميركية والأوروبية، رغم أن ذلك محصور في بعض المجالات مثل السيارات والآلات والمنتجات الإلكترونية.
قد يكون قبول الصين للاتفاق المبدئي الذي صرح عنه ترامب في 11 يونيو الحالي، في إطار توسيع إنتاج الطائرات المدنية وغيرها من السلع المشابهة.
إذا كانت الصين تستورد 60% من مكونات الطائرات المدنية المحلية الصنع حاليًا، فقد تصل نسبة التصنيع المحلي إلى 100% في غضون 5 إلى 10 سنوات كحد أقصى.
حتى يتحقق ذلك، ستظل التقنية نقطة ضعف في موقف الصين وأداة ضغط أميركية، وسيشهد المواجهة بين القوى الماليةية الكبرى في السنوات القادمة تنافسًا تكنولوجيًا كبيرًا. وقد رأينا كيف تم استخدام التقنية في الحرب الروسية الأوكرانية وكيف اعتمده الكيان الصهيوني في توجيه ضربات لإيران.
مناورة تحويل التجارة
قبول الصين بهذه الرسوم المرتفعة على صادراتها إلى أميركا خلال الفترة المقبلة سيؤدي بلا شك إلى تراجع قيم التجارة بينها، وهو ما يسعى إليه ترامب من خلال إجراءات اتخذها مؤخرًا.
طبقًا للبيانات الأميركية الرسمية، انخفضت واردات السلع الأميركية من الصين في أبريل 2025 إلى 25.3 مليار دولار مقارنة بـ41.6 مليار دولار في يناير من نفس السنة، مما يدل على تأثير رفع الرسوم الجمركية على قيمة الواردات.
إذا حسمت الصين قرارها بشأن الاعتماد على واردات الطائرات المدنية من الاتحاد الأوروبي عبر شركة إيرباص بدلاً من بوينغ الأميركية، فإن ذلك يعني أنها قامت بتحويل تجارتها لتعزيز موقفها بشكلٍ متوازن مع أميركا.
من المؤكد أنه إذا اتخذت الصين هذا القرار، فإن أميركا ستتأثر بشدة، إذ تؤكد التقارير أن صفقة لاستيراد 500 طائرة تعد غير مسبوقة في تاريخ تجارة الطائرات.
يبدو أن الأمور قد اختلفت هذه المرة، حيث يشعر كل من الصين والاتحاد الأوروبي بعدم الاطمئنان تجاه أميركا، بسبب ارتباط سياساتها بشخص القائد.
جدير بالذكر أن قيمة التبادل التجاري بين الاتحاد الأوروبي والصين في نهاية 2024 بلغت 730 مليار يورو (844.5 مليار دولار)، مع فائض تجاري لصالح الصين قدره 304 مليارات يورو (351.68 مليار دولار). بينما بلغت قيمة التبادل التجاري بين أميركا والصين 581 مليار دولار، بفائض تجاري لصالح الصين أيضًا بلغ 295 مليار دولار. وبالتالي، نجد أن قيمة التبادل التجاري للصين مع الاتحاد الأوروبي أكبر من قيمته مع أميركا.
