في عام 2023، أقر القائد الروسي بوتين إدخال تصميم واستخدام الطائرات المسيّرة في المناهج الدراسية، بينما سعى الناتو لإنشاء جدار مسيّرات على النطاق الجغرافي. هذا الاقتراب يعكس العلاقة بين الحرب في أوكرانيا واستراتيجية موسكو في تطوير هذه التقنية. ترى التقارير أن هذا الجدار يُعتبر رادعاً استراتيجياً، واستجابة لتطورات الحرب الحديثة. أثبتت الطائرات المسيّرة فعاليتها في النزاع الأوكراني، مما أدى إلى زيادة تصنيعها في أوروبا، حيث تخطط أوكرانيا لتصنيع ملايين منها سنوياً. تتنافس الدول على تكنولوجيا الطائرات المسيّرة، التي أصبحت متاحة بشكل أكبر، حتى للدول ذات الموارد المحدودة.
في عام 2023، أصدر القائد الروسي فلاديمير بوتين مرسوماً يُلزم إدراج مهارات تصميم الطائرات المسيّرة وكيفية استخدامها في المناهج الدراسية، بينما صرح حلف شمال الأطلسي (الناتو) بعد عام عن خططه لتأسيس شبكة من المسيّرات تمتد من النرويج إلى بولندا.
رغم الأهداف العسكرية والدعائية الطويلة الأمد لقرار الكرملين، فإن تحليلات الخبراء تشير إلى وجود صلة وثيقة بين تطورات الحرب في أوكرانيا واستراتيجية موسكو لتوسيع استخدام الطائرات المسيّرة التكتيكية في المواجهةات المستقبلية، بالاعتماد على جيل جديد متمكن في هذه التقنية.
من جهة أخرى، أفادت تقارير صحفية منذ عام تقريباً عن مشاورات داخل الناتو لإنشاء جدار رقابي يتكون من طائرات مسيّرة، يمتد من النرويج إلى بولندا.
وفقاً لما ذكرته صحيفة “نيوزويك” الأميركية، سيكون هذا الجدار جاهزاً لرصد أي توغل عدائي، أو ما يُعرف بأساليب الحرب غير التقليدية، في مناطق نفوذ الحلف، مع استراتيجية للردع والدفاع باستخدام أحدث التقنيات في أنظمة الذكاء الاصطناعي، مدعومة بشبكة من أجهزة الاستشعار.

رادع إستراتيجي
تُعد هذه الخطة الطموحة، التي تقودها ألمانيا بمشاركة ست دول من الناتو، واحدة من أكبر عمليات نشر أنظمة المراقبة الذاتية ومكافحة الطائرات المسيّرة في التاريخ الحديث، ويصفها القادة بأنها رادع إستراتيجي يستجيب للتطور السريع للحروب الحديثة.
لشرح أكثر حول استخدام “جدار الطائرات المسيّرة”، يُحلّل تقرير نيوزويك أنه سيكون بمثابة شبكة دائمة للإنذار المبكر والاستطلاع على طول الجناح الشرقي للناتو، خاصةً في المناطق المعرضة للخطر على النطاق الجغرافي مع روسيا.
إلى جانب أهميته الإستراتيجية، ترى الصحيفة الأميركية أن هذا الجدار يمثل محاولة فعلية ورمزية لتعزيز دفاعات أوروبا، وفرض السيطرة الإقليمية على تقنيات المراقبة ومواجهة صراعات المنطقة الرمادية التي شكلت ساستراتيجيات روسيا الأخيرة في أوكرانيا وغيرها.
في ختام تقديراتها، تعكس المبادرة بشكل نهائي تحولاً متزايداً في استراتيجية الدفاع الأوروبية نحو الاعتماد على الذات، في وقت يبدو فيه التزام الولايات المتحدة تجاه الناتو أقل وضوحًا، خصوصاً مع ضغوط القائد دونالد ترامب على الدول الأوروبية لزيادة إنفاقها الدفاعي.
أوكرانيا وخطط مستقبلية
في هذا السياق، أصبحت أوروبا مركزاً رئيسياً لتصنيع “الطائرات المسيّرة”، حيث تحولت أوكرانيا في غضون سنوات قليلة لتصبح أكبر دولة مصنعة لهذه الطائرات، مع طاقة إنتاجية تصل إلى 4.5 مليون طائرة مسيّرة بحلول عام 2025، وخطط مستقبلية لتصنيع 10 ملايين طائرة سنوياً، حسب وزارة الدفاع الأوكرانية.
يلخص فياتشيسلاف، أحد أعضاء مجموعة “فيلد هورنست” المطورة للطائرات المسيّرة الأوكرانية، هذا التحول الكبير في التكتيكات الحربية، حيث دعا إلى إعادة النظر في أدوار الأسلحة التقليدية مثل الدبابات التي يمكن تدميرها بواسطة مسيّرات منخفضة التكلفة.
حتى الآن، تُظهر الحرب الروسية في أوكرانيا والنزاع بين إسرائيل وإيران نماذج طبيعية لهذه التقديرات، حيث أعادت تعريف دور “الدرون” كأسلحة حاسمة في الحروب، وفتحت الأبواب نحو تصنيع هذا النوع من التقنية بشكل مكثف وبكفاءة عالية في الاستخدامات الهجومية والدفاعية على حد سواء.
ثورة عسكرية
قبل اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا في عام 2022، كانت هناك أرقام مثيرة للاهتمام عن حرب ناغورنو كارباخ التي كانت من بين أكثر الحروب استخداماً للطائرات المسيّرة، حيث أدت هذه التقنية إلى تدمير 45% من إجمالي عدد المدرعات والمركبات وقطع المدفعية وبطاريات الدفاع الجوي.
لكن ما حدث في عملية “شبكة العنكبوت” مطلع يونيو 2025 قد يدفع إلى مراجعات أوسع لأسلحة الحروب التقليدية، بعد نجاح 117 طائرة مسيّرة في ضرب 4 مطارات وقواعد جوية في عمق روسيا، مما ألحق أضراراً جسيمة بـ41 طائرة عسكرية روسية كانت رابضة على المدرجات، وفقًا لهيئة الأركان الأوكرانية.
يرى المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية “إيفري” أن استخدام الطائرات المسيّرة في أوكرانيا، بهذا الحجم الواسع من الأساطيل المنتشرة في كلا الجانبين، يهيئ الظروف لـ”ثورة عسكرية” حقيقية.
تشير إحصائيات المنصة الأميركية “بيانات ومواقع وأحداث النزاعات المسلحة” إلى بعض معالم هذه الثورة، مع امتلاك 48 جيشاً في العالم للطائرات المسيّرة الحربية في عام 2024، مقارنةً بـ4 جيوش فقط قبل عام 2014. على سبيل المثال، تم استخدام الطائرات المسيّرة في 34 نزاعاً عسكرياً في عام 2023، مما يعكس سباقاً دولياً متسارعاً في الحصول على هذا السلاح.
نظرًا لأهمية هذا الاستخدام المتزايد، يعتقد المعهد الفرنسي في ورقة تحليلة أنه لا يمكن اعتبار الطائرات المسيّرة مجرد ابتكار تقني أو مجموعة أجهزة محددة، بل تعادل التحول إلى استخدام المحركات والآليات في القرن الماضي، كما تجسد في تقديره أحد مظاهر “الحرب التشاركية” في “قتال متعدد النيران والجبهات”.

تصنيع روسي مكثف
نظرًا للفجوة الكبيرة التي واجهتها، قامت روسيا بتوجيه جهودها نحو تصنيع مكثف لطائراتها المسيّرة الخاصة، بعد استخدام طائرات درون إيرانية الصنع “شاهد” في الحرب مع أوكرانيا، وهي خطوة تستند إلى اقتصاد الحرب بغرض تقليص التفوق الأوكراني في هذا المجال.
وفقًا لتقرير لصحيفة “واشنطن بوست” في أغسطس 2023، استناداً إلى وثائق مسربة، فإن خطط روسيا تشمل إنتاج 6 آلاف طائرة مسيّرة بحلول عام 2025 داخل أراضيها، مع استثمار يصل إلى حوالي مليار دولار، في شراكة مع إيران.
على الرغم من أن أوكرانيا لا تمتلك نفس القدرات الإنتاجية التي تتفوق بها روسيا، إلا أنها تعتمد على الابتكار وتطوير نماذجها الخاصة، التي أثبتت فعاليتها في عملية “شبكة العنكبوت”، كما يمكنها إعادة استخدام الأسراب التي شنتها موسكو ضدها.
حتى الآن، تميل كفة الفعالية إلى أوكرانيا، حيث تشير التقارير العسكرية إلى أن الطائرات المسيّرة الأوكرانية هي المسؤولة عن 70% من عمليات التدمير التي لحقت بالأهداف الروسية.
علاوة على ذلك، كييف تنتظر قريباً دعماً قوياً من الشركات الفرنسية، حيث صرح وزير القوات المسلحة الفرنسي سيباستيان ليكورنو عن خطط باريس لتصنيع طائرات مسيّرة على الأراضي الأوكرانية.
شراكة رابح رابح
صرحت فرنسا عن شراكة مع أوكرانيا عبر مشروع يهدف إلى تصنيع طائرات مسيّرة على الأراضي الأوكرانية تحت شعار “رابح-رابح”، حيث ستشارك شركة صناعة السيارات الفرنسية “رينو” في هذا المشروع بالتعاون مع مصنع عسكري فرنسي.
بحسب محطة “فرانس إنفو”، فمن المتوقع أن تبدأ الشركتان قريبًا في تجهيز خطوط الإنتاج على بُعد عشرات أو مئات الكيلومترات من الخطوط الأمامية، مما سيوفر دفعة قوية للجيش الأوكراني في نزاعه مع روسيا، كما سيمكن فرنسا من معالجة نقصها في المجال.
وفقًا لجان بول بيروش، الجنرال المتقاعد والمدير السنة السابق لهيئة الأركان العسكرية للاتحاد الأوروبي، فإن فرنسا كانت حتى الآن غير مستعدة بشكل كافٍ لهذا التحول في أساليب الحرب، مقارنةً بالولايات المتحدة والصين، على الرغم من أن موضوع الطائرات المسيّرة قيد النقاش منذ ثمانينيات القرن الماضي.
في حديثه مع محطة “إل سي إي” الفرنسية، اعترف بوجود تأخير كبير في تطوير هذه الطائرات، وهو ما اتفق عليه أيضاً وزير الدفاع الفرنسي سيباستيان لوكورنو، الذي أقر بنقص كبير في إمدادت الطائرات المسيّرة للجيش الفرنسي.
فرنسا تلحق بالركب
يمتلك القوات المسلحة الفرنسي نحو 3000 طائرة مسيّرة، وهو الهدف الذي وضعته وزارة الدفاع لتحقيقه بحلول عام 2025، بعد أن كان العدد حوالي ألفي طائرة في الربع الأول من عام 2024، وهو رقم لا يمكن مقارنته بقدرات أوكرانيا التي تتجاوز 4.5 مليون طائرة مسيّرة بحلول عام 2025.
على الرغم من أن أوكرانيا تحقق تقدمًا كبيرًا نحو الاكتفاء الذاتي في تصنيع الطائرات المسيّرة، إلا أن الاعتماد على المكونات الأجنبية في التصنيع، مثل المحركات وأجهزة التحكم في الطيران، يمثل تحديًا مستمرًا لتغطية جميع مراحل التصنيع محليًا.
تتركز فكرة التعاون الآن -كما لخصها الوزير الفرنسي- على الإمداد المستمر المكثف لأوكرانيا بالطائرات المسيّرة، مع تخصيص جزء من التصنيع للجيش الفرنسي، وكذلك الاستفادة من التدريب التكتيكي واستخدام الطائرات المسيّرة في المعركة ضد روسيا.
<pأما فيما يتعلق بمعايير التصنيع، فإن الخيار الفرنسي يقوم على أن يكون كل شيء بأيادي أوكرانية، بهدف أقصى للاستفادة من خبرات الأوكرانيين المتقدمة في التصميم وفي "تطوير العقيدة ذات الصلة".
تأتي هذه الخطوة وفقًا لتقارير أوروبية، بعد مناقشات موعد إجراء في 5 حزيران/يونيو ببروكسل بين وزيري الدفاع الأوكراني والفرنسي حول التعاون في تصنيع الأسلحة لتلبية احتياجات الدفاع الأوكرانية، وكذلك بعد الاجتماع الثامن والعشرين في “رامشتاين” بألمانيا، المقر القائدي للناتو، بين أوكرانيا والدول الشريكة لتحديد آلية إنتاج الأسلحة.
تُعتبر الشراكة الفرنسية الأوكرانية ليست الأولى من نوعها في أوروبا، إذ أسست فنلندا أيضًا منشأة لتصنيع الطائرات المسيّرة بالتعاون مع الشركاء الأوكرانيين لإنتاج طائرات مسيّرة لأوكرانيا والاتحاد الأوروبي، مع خطط للبدء بالإنتاج المكثف السنة 2025.
كما صرحت وزارة الدفاع الأوكرانية عبر موقعها الرسمي عن توقيع عقود مع هولندا بقيمة إجمالية تزيد عن 675 مليون يورو لإنتاج 600000 طائرة مسيّرة للقوات المسلحة الأوكرانية، في إطار مبادرة “خط الطائرات المسيرة”، ومن المفترض أن تبدأ عمليات التسليم في السنة 2025.
وحسب المعلومات الواردة من الوزارة، فإن هذه العقود جزء من حزمة مساعدات هولندية تضمنت أيضًا تسليم 100 نظام رادار إضافي للكشف عن الطائرات المسيرة، وكذلك معدات لإجلاء الجرحى.
<pصرحت السلطة التنفيذية البريطانية عبر موقعها عن استثمارات قياسية بقيمة 350 مليون جنيه إسترليني (حوالي 480 مليون دولار أميركي) هذا السنة لزيادة إمدادات الطائرات المسيرة لأوكرانيا، مستهدفة بإنتاج 10 آلاف طائرة بحلول عام 2024 وزيادة العدد إلى 100 ألف طائرة في عام 2025.
كما خصصت حكومة النرويج حوالي 644 مليون دولار أميركي لتمويل إنتاج الطائرات المسيّرة من شركات أوكرانية وأوروبية، كما ورد في بيان رسمي لها.
فيما تهدف هذه الخطوة -كما صرح بذلك رئيس الوزراء يوناس غار ستوره- إلى تعزيز قدرات أوكرانيا في حماية البنية التحتية الحيوية واستخدام الطائرات المسيّرة في الخطوط الأمامية، وفي عمليات المراقبة والجميع العمليات اللازمة.
سلاح الفقراء
بالنسبة لحجم التصنيع الدولي للطائرات المسيّرة، تكشف بيانات نشرتها صحيفة “لوموند” عن قيمة معاملات تُقدّر بـ 4.3 مليارات دولار لسوق الطائرات المسيرة في السنة 2024، مع توقعات بارتفاع الرقم إلى 5.2 مليارات دولار في عام 2025، وإلى حوالي 14 مليار دولار في عام 2033.
تتصدر الصين قائمة الدول من حيث حجم صادرات الطائرات المسيّرة في عام 2023، حيث بلغت قيمة صادراتها 1.83 مليار دولار، تليها هونغ كونغ بمبيعات تساوي 408 ملايين دولار، ثم تركيا بـ231 مليون دولار، والولايات المتحدة في المرتبة الرابعة بـ212 مليون دولار.
بينما في مجال الواردات، تُعتبر أوكرانيا الأولى عالميًا بقيمة 464 مليون دولار في عام 2023، تتبعها الولايات المتحدة بـ423 مليون دولار، ثم هولندا الثالثة بـ223 مليون دولار، وألمانيا رابعة بـ211 مليون دولار.
بشكل عام، توفر هذه الطائرات قدرات جوية متقدمة متاحة للجميع، بما في ذلك الدول ذات الإمكانيات المحدودة، في وقت كانت فيه هذه القدرات حكراً على القوى العسكرية الكبرى.
اليوم، يمكن شراء طائرة مسيّرة صينية الصنع بسعر لا يتجاوز 130 دولاراً، مستوحاة من طائرة “بلاك هورنت” الأميركية، بنفس الأداء والفاعلية، مما يجعلها “سلاحاً للفقراء” بجدارة.
