تتسبب الحرب على إيران في تداعيات اقتصادية واسعة، تؤثر على التجارة العالمية وأسواق الطاقة والغذاء، مع تصاعد التوتر في الخليج العربي وتعطل الملاحة في مضيق هرمز. ارتفعت أسعار الطاقة والنقل، وتظهر الشركات مخاطر متزايدة بسبب نقص المكونات الأساسية. كما تواجه صناعة الأسمدة تهديداً كبيراً، حيث يعتمد الإنتاج الزراعي على الإمدادات المتوقفة. تشير التقارير إلى زيادة حادة في أسعار كغذاء، خصوصًا اليوريا التي ارتفعت أسعارها بنسبة 37%. إذا استمر الصراع، فإنه قد يعمق تقلبات اقتصاد عالمي مثقل بالفعل بالديون وضغوط التضخم.
الاقتصاد العالمي | شاشوف
تتوسع العواقب الاقتصادية الناتجة عن الحرب على إيران، حيث بدأت تأثيراتها المباشرة تبرز في التجارة العالمية وسلاسل الإمداد وأسواق الطاقة والغذاء. وبسبب تصاعد التوتر، أصبح الخليج العربي محورًا للتوتر الاقتصادي العالمي، خصوصًا مع تعطل الملاحة في مضيق هرمز الذي يُعتبر من أهم الممرات التجارية العالمية.
وفقًا لتقرير نشرته وكالة “بلومبيرغ” واطلعت عليه “شاشوف”، بدأت آثار الصراع تظهر بوضوح على حركة التجارة الدولية، حيث ارتفعت أسعار الطاقة وتكاليف النقل بشكل ملحوظ. تواجه الشركات حول العالم مخاطر متزايدة تتعلق بنقص المكونات الأساسية وارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع هوامش الأرباح. يُعتبر مضيق هرمز ذا أهمية استراتيجية كبيرة، إذ يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية بالإضافة إلى كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال، مما يجعل أي اضطراب في الملاحة فيه يؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد العالمي.
أدى تعطل الملاحة في المضيق إلى ارتفاع حاد في تكاليف الوقود والشحن البحري، كما توقفت حركة الشحن الجوي في المنطقة لمدة أسبوع، مما تسبب في تراكم الطلبات وتأخير عمليات النقل. تشير بلومبيرغ إلى أن المخاطر الاقتصادية لا تقتصر على قطاع الطاقة، بل تشمل مجموعة من السلع الأساسية، حيث تمر عبر موانئ الخليج نحو 7% من صادرات “الأسمدة” العالمية، و6% من “المعادن الثمينة”، و5.3% من “الألومنيوم” ومنتجاته، بالإضافة إلى 4.4% من “الإسمنت والمعادن غير المعدنية”.
كما طالت الاضطرابات قطاع الشحن الجوي، حيث أشار نيال فان دي ووو، كبير مسؤولي الشحن الجوي في شركة “زينيتا” لأخبار الشحن الرقمي، إلى أن أسعار الشحن الجوي قد تتضاعف ثلاث مرات قريبًا للرحلات التي تمر عبر مراكز الشحن في الشرق الأوسط. ولفت إلى أن توقف عدد كبير من الطائرات أدى إلى اختفاء نحو 18% من سعة الشحن العالمية خلال أسبوع واحد فقط.
وفي مجال النقل البحري، كشفت بيانات شركة “فيزيون” المتخصصة في تتبع سلاسل الإمداد عن انخفاض الحجوزات اليومية لنقل الحاويات إلى الموانئ شرق مضيق هرمز بنسبة 81% خلال يومين فقط. وقدّرت مصادر شاشوف أن هناك نحو 100 سفينة حاويات داخل الخليج غير قادرة على المغادرة بسبب المخاطر الأمنية، بينما اضطرّت سفن أخرى لتغيير مساراتها نحو موانئ بديلة.
تجسد هذه التحولات بسرعة في حركة الموانئ العالمية، حيث ارتفعت نسبة الازدحام في ميناء نافا شيفا، أكبر موانئ الحاويات في الهند، إلى 64% بعدما كانت نحو 10% في بداية مارس. كما بدأت موانئ سنغافورة وكولومبو تشهد زيادة في مستويات الازدحام نتيجة إعادة توجيه السفن.
في الأسواق المالية، أدت المخاوف من التضخم واضطراب سلاسل الإمداد إلى تقلبات في الأسهم والسندات والعملات، وسط قلق متزايد بشأن تأثير الحرب على المستهلكين والشركات في ظل الضغوط الاقتصادية العالمية القائمة. صرحت كريستالينا جورجيفا، المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، أن الاقتصاد العالمي أظهر مرونة أمام الصدمات المتكررة في السنوات الأخيرة، لكنه الآن يواجه ‘اختبارًا جديدًا’، خصوصًا أن العديد من الدول تدخل هذه المرحلة بمستويات مرتفعة من الديون وهوامش مالية ضيقة.
ضرب صناعة الأسمدة الفوسفاتية.. تهديد للغذاء العالمي
بالتزامن مع اضطرابات الطاقة والتجارة، بدأت تداعيات الحرب تؤثر على الأمن الغذائي العالمي. ذكرت صحيفة نيويورك تايمز، في تقرير اطلع عليه شاشوف، أن إغلاق مضيق هرمز لا يُشكل فقط تهديدًا لإمدادات النفط، بل يمثل أيضًا عائقًا رئيسيًا أمام تدفق الأسمدة والمواد الأساسية للزراعة إلى الأسواق العالمية.
تُعد دول الخليج مركزًا رئيسيًا لصناعة الأسمدة النيتروجينية المعتمدة على الغاز الطبيعي، حيث تعتمد السعودية وقطر والإمارات وإيران والبحرين على مضيق هرمز في تصدير جزء كبير من إنتاجها. تشير بيانات الاتحاد الدولي للأسمدة إلى أن هذه المنطقة تُساهم بنحو ثلث إمدادات اليوريا العالمية، وربع تجارة الأمونيا الدولية، وخُمس إنتاج الأسمدة الفوسفاتية.
تسبب تعطل الملاحة في توقف بعض خطوط الإنتاج، حيث أعلنت شركة قطر للطاقة عن توقف إنتاجها من اليوريا بسبب تعطل إمدادات الغاز نتيجة الهجمات العسكرية، بينما تتكدس المخزونات في موانئ أخرى داخل سفن عالقة. وقدّمت أسعار اليوريا في مصر، التي تُعتبر مؤشرًا عالميًا مهمًا، ارتفاعًا من 485 دولارًا إلى 665 دولارًا للطن خلال أسبوع واحد، بزيادة تصل إلى 37%. ورغم أن الأسعار لم تصل بعد إلى المستويات القياسية التي سُجلت خلال الحرب الروسية الأوكرانية، إلا أن محللين في مؤسسة “أرغوس ميديا” يحذرون من أن الأزمة الحالية قد تكون أشد نطاقًا نظرًا لتأثر عدة دول منتجة في الوقت ذاته.
تُعتبر الهند من بين الدول الأكثر عرضة لتداعيات هذه الأزمة، حيث تستورد حوالي 40% من احتياجاتها من اليوريا والفوسفات من الشرق الأوسط، بينما تواجه دول أفريقية عديدة مخاطر مماثلة، خاصة أن العديد من المزارعين الصغار يعتمدون على الأسمدة المستوردة للحفاظ على إنتاجهم الزراعي.
امتدت الأزمة أيضًا لتطال تجارة الكبريت، وهو عنصر أساسي في صناعة الأسمدة الفوسفاتية والمعادن، حيث تُشير تقديرات السوق التي تتبعها شاشوف إلى أن نحو نصف تجارة الكبريت العالمية باتت عالقة فعليًا على الجانب الآخر من مضيق هرمز بسبب تعطل الملاحة، مما قد يؤثر على صناعة الفوسفات في المغرب وإنتاج النيكل في إندونيسيا وصناعة الأسمدة في الصين.
يرى الخبراء أن توقيت الأزمة يزيد من خطورتها، إذ يتزامن مع استعداد مزارعي نصف الكرة الشمالي لموسم الربيع الزراعي. نقلت نيويورك تايمز عن متحدث في الهندسة الكيميائية بجامعة ‘لايدن’ الهولندية، ‘يان فيليم إيريسمان’، قوله إن النتيجة المتوقعة هي ارتفاع أسعار الغذاء عالميًا، موضحًا أن عدم قدرة المزارعين على شراء الأسمدة سيؤدي إلى انخفاض إنتاجية الأراضي الزراعية، مما يعني أن نقص الأسمدة الحالي قد يتحول إلى نقص في الغذاء والمحاصيل في مستقبل قريب.
بينما يرى بعض الاقتصاديين أن تأثير الحرب على النمو العالمي قد يبقى محدودًا في المدى القصير، إلا أن استمرار الصراع أو اتساعه قد يحدث اضطرابات أعمق في أسواق الطاقة والتجارة والغذاء، مما يعادل وضع الاقتصاد العالمي أمام مرحلة جديدة من عدم اليقين والتقلبات.
تم نسخ الرابط

اترك تعليقاً إلغاء الرد