ناقلات النفط السعودية تحت التهديد في البحر الأحمر.. والهجمات تؤثر على استراتيجيات أسواق الطاقة – شاشوف
قامت قوات صنعاء، بعد إعلانها عن حظر بحري، باستهداف ناقلتي نفط سعوديتين في البحر الأحمر، مما أدى إلى تصعيد الأزمات البحرية والتهديدات الأمنية. الهجوم، الذي استخدمت فيه صواريخ وطائرات مسيّرة، يعد تحولا كبيرا في الصراع، وله تأثيرات على شركات الشحن وأسواق الطاقة. بعد الاستهداف، غيّرت تسع سفن مسارها، مما زاد من الضغوط على الاقتصاد السعودي. بينما أدانت دول عربية والاتحاد الأوروبي الهجوم، وحذرت الولايات المتحدة إيران من أي تدخل. تدل هذه الأحداث على تصاعد التوترات بما قد يدفع الأطراف نحو مواجهات عسكرية أو جهد دبلوماسي لحل الأزمات اليمنية.
أخبار الشحن | شاشوف
قبل إعلان قوات صنعاء، بعد منتصف ليل الخميس، عن استهداف ناقلتي نفط سعوديتين في البحر الأحمر بالصواريخ والطائرات المسيّرة، كانت التحليلات محصورة في نطاق ‘التهديدات’ المحتملة. لكن بعد الإعلان عن الهجوم الأول منذ تطبيق ‘الحظر البحري’ على السفن المرتبطة بالموانئ السعودية، تبدل الوضع كلياً على جميع الأصعدة.
إن استهداف السفينتين، وتنفيذ التهديدات عملياً في حال خرق السفن للإنذارات التي صدرت عن الحوثيين، يمثل تحولاً مهماً في مسار الأزمة البحرية في البحر الأحمر، لأنه يحمل أبعاداً تتجاوز الاستهداف لتضرب أيضاً حسابات شركات الشحن وأسواق الطاقة والتوازنات الأمنية في المنطقة.
منذ إعلان الحوثيين فرض حظر على السفن المرتبطة بالموانئ السعودية في 20 يوليو، كان السؤال الأكثر تداولا وفقاً لتتبُّع “شاشوف” هو ما إذا كانت قوات صنعاء ستكتفي بالتحذيرات أم ستنفذ تهديداتها فعلياً، مما جاء استهداف الناقلتين ليكون دليلاً على أن القرارات تشكل قواعد اشتباك جديدة تُفرض ميدانياً، وليست مجرد رسائل سياسية أو إعلامية، مما يجعل التهديدات اللاحقة تأخذ وزناً أكبر من الجدية في نظر السعودية ودول المنطقة وشركات الملاحة.
وقد اندلعت حالة من الفوضى في البحر الأحمر إثر استهداف ناقلتي النفط “ENCELIA” و”LAYLA”، بدعوى مخالفتهما قرار الحظر الصادر عن الحوثيين الذين وصفوا العملية بأنها نوعية، من خلال عدد من الصواريخ الباليستية والمجنحة والطائرات المسيّرة، مما أدى إلى نشوب حريق كبير على متنهما.
وباطلاع “شاشوف” على بيانات تتبع السفن، فإن “ENCELIA” هي ناقلة منتجات نفطية ترفع العلم السعودي، وتمتلك حمولة سكنية تقدر بنحو 109 آلاف طن، وكانت في طريقها إلى منطقة الشقيق بعد مغادرتها مرسى جدة في 21 يوليو، وهو ما يتقاطع جغرافياً مع موقع الحادث الذي أشارت إليه الهيئة البريطانية، مبينة أن الحادث وقع على بعد 70 ميلاً بحرياً من الشقيق، ونقلت عن قبطان السفينة أن الناقلة تعرضت لضربة صاروخية أدت إلى اندلاع حريق على متنها.
وذكر ناشطون أن الاستهداف وقع في شمال البحر الأحمر داخل المياه الإقليمية السعودية وليس في باب المندب أو المياه الدولية، مما يشير إلى تصعيد خطير مباشر.
أما “LAYLA”، فهي ناقلة نفط خام عملاقة ترفع أيضًا العلم السعودي، وتبلغ حمولتها نحو 317 ألف طن، وكان آخر مسار معلن لها في البحر الأحمر من ميناء ينبع إلى جيزان، قبل توقف تحديث بيانات موقعها قبل نحو أسبوع.
وقد أرسل الحوثيون رسائل مباشرة إلى السفن في المنطقة بعد إعلانهم فرض الحصار البحري، وهو ما أكدته الغرفة الدولية للشحن. وفي الرسالة الإلكترونية المؤرخة بتاريخ 20 يوليو، أُبلغت شركات الشحن بعدم تحميل أو تفريغ البضائع في أي ميناء سعودي، محذرة من أن السفن التي تخالف ذلك قد تتعرض للاستهداف. وجاء في الرسالة: “ننصح شركتكم بشدة بممارسة أقصى درجات الحيطة والحذر في جميع تعاملاتها”.
بالنظر إلى بيانات الشحن أمس الأربعاء، فقد غيرت ما لا يقل عن تسع سفن تجارية مسارها أو عادت أدراجها قرب مضيق باب المندب أو في البحر الأحمر، قبل أن تستأنف عددٌ منها رحلتها لاحقًا. وقد أعلنت سفينتان أن وجهتهما الجديدة أصبحت قناة السويس، بعدما تلقت السفن تحذيرات من الحوثيين بشأن التوجه إلى الموانئ السعودية. واعتبرت شركة الوساطة البحرية “كلاركسون” في مذكرة رصدها “شاشوف” أنّ “تهديدات الحوثيين العدائية ضد السعودية بدأت تؤثر فعليًا في حركة ناقلات النفط”.
يبدو أن التهديدات كانت كافية لدفع عدد من السفن إلى تغيير مسارها قبل دخول المياه المقابلة لليمن وفقًا لشركة “كبلر” لتتبع الملاحة البحرية، رغم أن نحو 30 سفينة عبرت مضيق باب المندب يوم الثلاثاء 21 يوليو.
في ردود الفعل الدولية، أدانت دول عربية مثل قطر والكويت الهجوم، وطالب الاتحاد الأوروبي الحوثيين بوقف جميع الأنشطة التي تهدد الملاحة الدولية وأرواح البحارة، معتبرًا التهديدات بأنها تهديد مباشر للاستقرار وتصعيد خطير في المنطقة.
الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، أشار إلى أن واشنطن ستقوم بتحميل إيران المسؤولية المباشرة عن هجمات الحوثيين في البحر الأحمر، وستفرض عقوبات عسكرية كبيرة على الطرفين إذا تكررت الهجمات على السفن السعودية.
عمليات أخرى قادمة.. والمنفذ النفطي الوحيد نقطة ضعف
قوات صنعاء أعلنت في بيانها العسكري أنها أجبرت حوالي عشر سفن على التراجع والعودة، وأكدت مواصلة العمليات البحرية ضد السفن المرتبطة بالمملكة، كما لوّحت بتنفيذ هجمات داخل الأراضي السعودية في حال تعرض مناطق سيطرتهم لأي هجمات جديدة.
تُعد التحذيرات وحدها وسيلة ردع نفسي، أما تنفيذ الهجمات فيعني بدء دورة جديدة من الفعل ورد الفعل، مما قد يدفع الأطراف الأخرى إلى تعزيز وجودها العسكري أو اتخاذ تدابير لحماية السفن، مما يزيد من احتمالات التصعيد.
تحليلات تشير إلى أن فرض الحظر البحري يمثل سلاحاً اقتصادياً يهدد بتغيير حسابات التأمين البحري ومسارات الناقلات. كما أنه يطرح تساؤلات حول قدرة البنية التحتية النفطية السعودية على تفادي الاضطرابات، فالرياض تعتمد بشكل مكثف على خط أنابيب شرق-غرب (بترولاين) لنقل الخام براً إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، لتجنب إغلاق مضيق هرمز، مما جعل الخط شريان الحياة الوحيد لصادراتها النفطية.
هذا الاعتماد المطلق يُبرز نقطة ضعف استراتيجية، حيث يقع الميناء والناقلات المغادرة منه ضمن مدى الصواريخ من جانب قوات صنعاء. وقد أشارت شركة الوساطة البحرية “Braemar” إلى أن الحصار يثير تساؤلات جدية حول جدوى المسارات المتجهة شرقًا انطلاقًا من ميناء ينبع السعودي، الذي يُعتبر المنفذ البحري لخط الأنابيب الممتد من شرق المملكة إلى غربها.
تشير بيانات تتبع السفن إلى أن شحنات الخام اليومية في ميناء ينبع بلغت نحو 4.7 ملايين برميل يومياً، مما يقترب من الحدود التشغيلية القصوى للميناء، ويعني ذلك غياب أي قدرة احتياطية لاستيعاب أي اضطرابات لوجستية جديدة، حسب تقدير اطلعت عليه “شاشوف” من منصة مودرن دبلوماسي.
بهذه الطريقة، قد يضاعف الحصار البحري الضغوط على اقتصاد السعودية، مما سيدفعها سريعاً إلى إيجاد حل من بين خيارين: إما المواجهة العسكرية واتخاذ ردود فعل مباشرة، أو اللجوء إلى القنوات الدبلوماسية وحلحلة ملفات الأزمة اليمنية العالقة.
هذه الرؤية تدعمها التوقعات بعدم انغماس الولايات المتحدة الأمريكية في مواجهة فعلية مع الحوثيين نظرًا لوجود جبهة مفتوحة بالفعل ضد إيران تستنزف القدرات الأمريكية.
تم استهداف الناقلتين السعوديتين في وقت كان الجيش الأمريكي يُكمل موجة جديدة من الضربات على إيران لليلة الثانية عشرة على التوالي، بعد انهيار الاتفاق الأمريكي الإيراني. تقول رويترز إن التصدي لقوات صنعاء سيؤدي إلى تقسيم الموارد الأمريكية واستنزافها بين جبهتين نشطتين، مما يعزز المشاكل السياسية ويؤدي إلى نقص في مخزونات الذخيرة وصواريخ الدفاع الجوي.
على الرغم من أن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، أشار إلى أنه يمكن التعامل مع تهديدات الحوثيين إذا تم تنفيذها بالفعل، مذكراً بأن واشنطن تعاملت معهم العام الماضي لمدة 45 يوماً قبل أن يتوقف أي توتر من جانبهم.
تواجه القوات المسلحة الأمريكية قيودًا فعلية على الموارد على الرغم من ضخامة وجودها، حيث تتواجد أكثر من 20 سفينة حربية ومئات الطائرات في الشرق الأوسط، مما يجعل السفن تقضي وقتاً أطول في البحر، ويضغط على الأفراد ويؤخر عمليات الصيانة.
حسابات الشحن تتغير بالكامل
إذا تحولت الهجمات إلى نمط متكرر، فإن ذلك سيرفع تكلفة تصدير النفط، حتى لو استمرت الصادرات دون انقطاع، نظراً لزيادة تكاليف التأمين والحماية والمرافقة البحرية. إن تكرار الهجمات، رغم الوجود البحري الدولي تحت مبررات حماية السفن، قد يثير تساؤلات لدى شركات الملاحة حول مدى الحماية المتاحة، وقد يدفع بعض الشركات إلى اتخاذ قرارات أكثر تحفظًا بشأن المرور في المنطقة.
ففي ميدان الشحن البحري، يكفي ارتفاع مستوى المخاطر لتعزيز إعادة تقييم الشركات لمساراتها، حتى قبل التأكد من حجم الأضرار، وفقًا للمحلل الاقتصادي “أحمد الحمادي”.
يشير الحمادي في تعليق لـ”شاشوف” إلى أنه إذا أصبح احتمال التعرض لهجوم قائماً، قد تتجه الشركات لتعليق بعض الرحلات مؤقتاً، تغيير مواعيد الإبحار، إعادة رسم خطوط الملاحة، رفع أقساط التأمين البحري، وفرض رسوم مخاطر إضافية على الشحن، كما فعلت شركات الشحن الكبرى مؤخرًا كـ”ميرسك” الدنماركية و”هاباغ لويد” الألمانية، وغالبًا ما تكون هذه التداعيات الاقتصادية أسرع من أي آثار عسكرية مباشرة.
يضيف بأن الأسواق تتفاعل مع حجم الأضرار الفعلية، لكنها تركز أيضًا على احتمالية اتساع المخاطر، لذا فإن استهداف ناقلات النفط السعودية قد يعزز حالة الحذر في أسواق النفط والنقل البحري، خاصة إذا تكررت الحوادث أو استهدفت ناقلات أكبر أو مواقع أكثر حساسية، حسب الحمادي.
استهداف ناقلتي النفط يُعتبر تطورًا منح الحظر البحري بُعدًا عمليًا، وإذا استمرت العمليات أو توسعت، فإن التداعيات ستطال جميع الجوانب العسكرية والأمنية والتجارية، مما يجعل البحر الأحمر أمام واقع متوتر جديد تعتقد حكومة صنعاء أنه لن ينتهي إلا بتحقيق مطالب رفع الحصار التي تعتبرها مشروعة.