35 يوماً من لعبة التحدي.. الإغلاق الحكومي الأمريكي يكبد الاقتصاد مليارات يومياً – شاشوف

35 يوماً من لعبة التحدي الإغلاق الحكومي الأمريكي يكبد الاقتصاد


بدأ الإغلاق الحكومي الأمريكي في 1 أكتوبر، ليكون الأطول في تاريخ البلاد، ناجماً عن فشل الكونغرس في تمرير قوانين التمويل. التكلفة اليومية للخسائر تقدر بحوالي مليار دولار، مع شلل في المؤسسات الفيدرالية وإجازات غير مدفوعة لمئات الآلاف من الموظفين. تحت ضغط الأزمة، تسعى الإدارة الأمريكية لتأمين التمويل لبرامج المساعدة الغذائية، بينما تستمر الخلافات السياسية حول أولويات الإنفاق، خصوصاً بين الجمهوريين والديمقراطيين بشأن ‘أوباما كير’. وسط محاولات متكررة للوفاق، لا تزال مؤشرات الانهيار الاقتصادي والاجتماعي تتزايد دون وجود حل قريب.

تقارير | شاشوف

ابتدأ الإغلاق الحكومي الأمريكي في 01 أكتوبر، ليصبح الأطول في تاريخ البلاد، وسط حالة من عدم الاستقرار الإداري والانقسام السياسي الواضح بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي. التقديرات تشير إلى خسائر يومية تقارب المليار دولار.

الإغلاق جاء نتيجة فشل الكونغرس في إقرار قوانين التمويل الجديدة، ما أثر سلباً على المؤسسات الفيدرالية وتسبب في توقف الخدمات الأساسية، مما أجبر مئات الآلاف من الموظفين الحكوميين على أخذ إجازات غير مدفوعة. بينما واصل العاملون في القطاعات الحيوية مثل الأمن والنقل والجيش أداء مهامهم دون تلقي رواتبهم في انتظار انتهاء الأزمة.

واليوم، أعلنت إدارة ترامب أنها ستقوم بتمويل جزئي لبرنامج المساعدات الغذائية SNAP بعد بدء الإغلاق، وفقاً لأوامر من محاكم فيدرالية. ولم يتضح بعد، حسب ما ورد في تقارير شاشوف، حجم المبالغ التي سيستفيد منها المستفيدون أو متى ستُودع الأموال في بطاقات الدعم الإلكترونية الخاصة بهم.

وبحسب متابعة شاشوف، فإن جذور الأزمة تعود إلى اختلافات عميقة حول أولويات الإنفاق الفيدرالي. حيث يتمسك الجمهوريون بقيادة ترامب برفض تمديد برامج الإنفاق الاجتماعي، ولا سيما إعانات التأمين الصحي ضمن قانون الرعاية الميسّرة المعروف بـ”أوباما كير”، بينما يتمسك الديمقراطيون بضرورة تضمين هذه الإعانات ضمن حزمة التمويل الجديدة نظرًا لأثرها المباشر على حياة أكثر من 20 مليون أمريكي.

هذا الصراع الحاد جعل الكونغرس عاجزًا عن تمرير أي تمويل مؤقت، رغم أن مجلس النواب أقرّ مشروعاً أولياً في 19 سبتمبر، إلا أن فشل مجلس الشيوخ في تمريره أدخل البلاد في أطول إغلاق في تاريخها.

ذكرت شبكة CBS News أن المجلس فشل في تمرير قرارات التمويل المؤقت 13 مرة خلال شهر أكتوبر، مما زاد من تعقيد الأزمة وأدى إلى حالة شلل تشريعي غير مسبوقة. وبينما تحاول الإدارة التقليل من حجم الكارثة، تكشف التقارير التي تتبَّعها شاشوف عن أضرار اقتصادية واجتماعية متزايدة تؤثر على مختلف قطاعات المجتمع الأمريكي.

بعد 13 جولة تصويت فاشلة في مجلس الشيوخ على مشروع قانون التمويل المؤقت الذي قدمه الجمهوريون، يستعد المجلس اليوم (4 نوفمبر) لجولة تصويت جديدة، في محاولة لكسر الجمود السياسي. قال زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ، جون ثيون: “أنا متفائل، أشعر أننا نقترب من حل للأزمة.”

بينما أشار زعيم الديمقراطيين في المجلس، ديك دوربين، أنه يشارك هذا الشعور الحذر، لكنه أضاف: “ما زلنا عالقين عند نقطة الخلاف الأساسية حول تكاليف الرعاية الصحية.”

وأكدت رئيسة لجنة الاعتمادات بمجلس الشيوخ، سوزان كولينز، أن الجانبين حققوا بعض التقدم خلال عطلة نهاية الأسبوع، لكنها حذّرت قائلة: “كل شيء يمكن أن ينهار مجدداً، لا يوجد اتفاق بعد” وفق قراءة شاشوف للتصريحات.

في مجلس النواب، اقترحت مجموعة ثنائية من النواب المعتدلين، تضم ثلاثة جمهوريين وديمقراطي واحد، خطة تسوية تمتد لعامين، تقضي بتمديد الإعفاءات الضريبية لبرنامج التأمين الصحي (Affordable Care Act) مع وضع حدود جديدة للدخل المؤهل.

ترامب في مواجهة الديمقراطيين

منذ اللحظة الأولى، تبنّى الرئيس ترامب خطاباً تصعيدياً وحمّل الديمقراطيين المسؤولية الكاملة عن الإغلاق، قائلاً في مقابلة مع شبكة CBS إن خصومه السياسيين “فقدوا صوابهم” وإن الإغلاق لن ينتهي إلا حين “يرضخون” لمطالبه.

لكن اللافت في موقف ترامب هو أنه لم يقدّم أي خطة بديلة أو رؤية عملية لتجاوز الخلاف حول الرعاية الصحية، مُكتفياً بانتقاد “أوباما كير” واصفًا إياه بأنه “نظام فاشل ومكلف”.

كما تزايدت حدة الأزمة حين دعا ترامب الجمهوريين في مجلس الشيوخ عبر منصته “تروث سوشيال” إلى إلغاء قاعدة التعطيل التشريعي (الفيليبستر) بما يسمح بتمرير حزمة التمويل دون الحاجة إلى أصوات الديمقراطيين، وهي خطوة سياسية شبه مستحيلة في ظل توازن القوى داخل المجلس.

وقد نقلت صحيفة الغارديان البريطانية عن مصادر مقربة من البيت الأبيض أن ترامب لوّح بعدم ضمان صرف الأجور المتأخرة للموظفين المسرّحين مؤقتًا، فيما تحدث عن “إمكان تسريح دائم لعدد من الموظفين الحكوميين إذا استمر الإغلاق”، وفق اطلاع شاشوف، مؤكداً أن “الكثير من تلك الوظائف لن تعود أبداً”، مما أثار موجة من الغضب واتهامات له باستغلال معاناة المواطنين كوسيلة ضغط سياسية.

قرارات استثنائية وإجراءات مثيرة للجدل

مع استمرار الإغلاق وتزايد تداعياته، لجأت إدارة ترامب إلى إجراءات استثنائية وصفت بأنها “سابقة تاريخية”. ففي 11 أكتوبر، بدأ تسريح موظفين فيدراليين بشكل دائم، وهو أول تسريح واسع النطاق خلال فترة انقطاع التمويل في العصر الحديث، قبل أن تصدر محكمة فيدرالية قراراً بتجميد عمليات التسريح مؤقتاً بعد طعون قانونية.

وفي نفس اليوم، وجه ترامب وزارة الدفاع بدفع رواتب العسكريين، بعدما كان متوقعًا حرمانهم من رواتب منتصف الشهر، ثم أعلن في 25 أكتوبر عن تبرّع خاص بقيمة 130 مليون دولار من رجل أعمال مجهول، اتضح لاحقاً أنه رجل الأعمال تيموثي ميلون، لتغطية رواتب الجيش الأمريكي، وفق متابعة شاشوف. القرار أثار جدلاً واسعاً حول مشروعيته القانونية وملاءمته الأخلاقية، باعتباره خرقاً لقانون مكافحة العجز الذي يمنع تمويل الأنشطة الحكومية عبر تبرعات خاصة.

في المقابل، أعلنت وزارة الزراعة الأمريكية في 27 أكتوبر أنها ستوقف مساعدات برنامج الغذاء التكميلي (SNAP) لشهر نوفمبر، مما هدد حياة 42 مليون أمريكي، إذ يحصل واحد من كل ثمانية أمريكيين تقريبًا على هذه المساعدات.

وفقًا لمركز سياسة الحزبين (Bipartisan Policy Center)، فإن الإغلاق أجبر نحو 670 ألف موظف فيدرالي على أخذ إجازات قسرية غير مدفوعة، بينما يعمل 730 ألف آخرون دون أجر. بالإضافة إلى 1.3 مليون عسكري و750 ألف من الحرس الوطني والاحتياط يؤدون مهامهم بلا ضمانات مالية.

وحتى مطلع ديسمبر، يُتوقع أن تُحجب أكثر من 10 ملايين راتب مدني وعسكري بقيمة إجمالية تقارب 34 مليار دولار. تشير التقديرات إلى أن مكتب الميزانية في الكونغرس قدّر الخسائر اليومية بنحو 400 مليون دولار، بينما بلغت الخسائر الإجمالية للمجتمعات المحلية المرتبطة بالقواعد العسكرية نحو 6.5 مليارات دولار في ولاية نيوجيرسي وحدها.

بينما حاولت الإدارة إعادة توجيه 8 مليارات دولار لتغطية الرواتب العسكرية مؤقتًا، توقفت رواتب جميع أفرع الجيش الأمريكي في 31 أكتوبر، وهو أمر لم تشهده الولايات المتحدة من قبل.

غياب البيانات وتخبط في السياسات النقدية

من أخطر تداعيات الإغلاق كان شل المؤسسات الإحصائية الرسمية، إذ توقف مكتب إحصاءات العمل عن جمع ونشر التقارير الاقتصادية منذ اليوم الأول للأزمة، ما أدى إلى غياب مؤشرات التضخم والبطالة ومبيعات التجزئة والناتج المحلي الإجمالي.

في ظل هذا الغياب، اتخذ الاحتياطي الفيدرالي خطوة غير مسبوقة بخفض الفائدة ربع نقطة مئوية إلى نطاق 3.75% – 4% في 29 أكتوبر، رغم فقدانه الأدوات التحليلية المعتادة. اعتمد المجلس في قراره على بيانات خاصة صادرة عن مؤسسة ADP التي أشارت إلى خسارة 32 ألف وظيفة في أكتوبر، واستطلاعات معهد إدارة التوريد.

ومع ذلك، حذر المحللون من أن الاعتماد على بيانات الشركات الخاصة يشكل “نظرة من ثقب المفتاح”، وقد يربك الفيدرالي في تقدير توازناته بين التضخم وسوق العمل. كما أشارت وول ستريت جورنال إلى أن المؤسسة نفسها أنهت في أغسطس 2025 تعاونها مع الفيدرالي، مما يجعل بياناتها أقل دقة.

تشير تقديرات تابعها شاشوف لمكتب الميزانية في الكونغرس إلى أن الإغلاق سيتسبب في خسائر دائمة تتراوح بين 7 و14 مليار دولار لن يتمكن الاقتصاد الأمريكي من استعادتها.

كما ذكرت شركة إرنست آند يونغ أن الاقتصاد يخسر 7 مليارات دولار أسبوعياً من الناتج المحلي الإجمالي نتيجة توقف الأنشطة الحكومية.

وفي تقرير لـS&P Global بتاريخ 14 أكتوبر 2025، حذرت الوكالة من أن استمرار الإغلاق يجبر صناع القرار على تعديل أسعار الفائدة دون بيانات دقيقة، مما يؤدي إلى تأجيل رواتب الموظفين وتراجع إنفاق المستهلكين وتعطيل إجراءات المحاكم والتجارة الخاصة، بالإضافة إلى إغلاق المتنزهات العامة وتعطيل تراخيص الأنشطة الاقتصادية، مما يعمق الأثر الاجتماعي للأزمة.

ورغم تصاعد التحذيرات من الانهيار الاقتصادي والاجتماعي، لا تلوح في الأفق بوادر حل قريب. فقد صرح السيناتور الجمهوري جون كينيدي قائلاً: “ما أراه هو عدم وجود مخرج”، بينما يرى المحللون أن الأزمة تتطلب تدخلاً مباشراً من ترامب لإبرام تسوية حول إعانات “أوباما كير”، إلا أن الرئيس ما زال يرفض أي تنازل، ويتمسك الديمقراطيون بعدم التصويت لإعادة فتح الحكومة دون ضمانات لتلك الإعانات.


تم نسخ الرابط