تواجه الأمم المتحدة أزمة مالية خطيرة، حيث حذر الأمين العام أنطونيو غوتيريش من احتمال الإفلاس إذا لم تُسدد الدول الأعضاء التزاماتها المالية. تراجع الثقة بين الأمانة العامة والدول الممولة أدى إلى تخفيض الميزانية المقترحة لعام 2026 إلى 3.238 مليارات دولار، مما يعكس انخفاضًا كبيرًا. لم تسدد إلا 136 دولة من أصل 193 مساهماتها كاملةً، مما زاد من الأزمة. التخفيضات تشمل تقليص عدد الموظفين بنسبة 18.8%، مما يؤثر على الأنشطة الميدانية ويهدد قدرة المنظمة على تنفيذ مهامها. استمرار التأخيرات قد يؤدي إلى عجز يتجاوز 600 مليون دولار بحلول 2027، مما يدعو للقلق حول مستقبل الأمم المتحدة.
تقارير | شاشوف
تواجه الأمم المتحدة أزمة مالية تعتبر من الأخطر منذ تأسيسها في 1945، حيث حذر أمينها العام أنطونيو غوتيريش من احتمال دخول المنظمة ‘سباق الإفلاس’ في حال عدم سداد الدول الأعضاء لالتزاماتها المالية في المواعيد المحددة.
بعد سنوات من التحذيرات حول تزايد المتأخرات، أصبحت الأزمة أكثر حدة اليوم، حيث تراجعت الثقة بين الأمانة العامة والدول الممولة، وتقلصت الموارد التشغيلية بوتيرة تهدد قدرة المنظمة على أداء مهامها الأساسية.
تعكس الميزانية المقترحة لعام 2026 هذا الانحدار المالي الملحوظ، حيث بلغت 3.238 مليارات دولار فقط، بتقليص كبير عن المبلغ المطلوب سابقاً من غوتيريش والبالغ 3.715 مليارات دولار، وفقاً لمتابعات مرصد ‘شاشوف’، وهو ما يمثل تراجعاً يقارب 15.1% مقارنة بميزانية عام 2025.
في حين يصف الأمين العام هذا التخفيض بأنه ‘ضرورة مؤلمة’، يحذر الخبراء من أن هذا الانخفاض قد يعطل عمل الإدارات الأساسية ويضعف مكانة الأمم المتحدة كجهة تنفيذية للنظام الدولي.
ولكن الخطر الأكبر لا ينحصر في حجم التخفيض فحسب، بل في عدم انتظام الدول الأعضاء في دفع الالتزامات المالية. فنهاية سبتمبر 2025، لم تسدد سوى 136 دولة من أصل 193 مساهماتها المحددة بالكامل، بينما تأخرت قوى كبرى مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا والمكسيك، مما جعل الأزمة تتحول من مسألة إدارية إلى أزمة ثقة بين الأمم المتحدة وأعضائها.
نزيف مالي متسارع: ميزانية تقلّ وتصاعد في العجز
أمام اللجنة الخامسة للجمعية العامة، المعنية بالشؤون المالية والإدارية، قدم غوتيريش صورة قاتمة عن الوضع المالي. فمع تزايد المتأخرات، تأخر المساهمات، وإعادة ‘الاعتمادات’ لبعض الدول، أُنفقت السيولة النقدية ودُفعت الأمانة العامة إلى حافة العجز.
بلغت متأخرات المساهمات نهاية العام الماضي 760 مليون دولار، بالإضافة إلى إعادة 300 مليون دولار إلى الدول الأعضاء في بداية عام 2026، ما يعني استنزاف نحو 10% من السيولة المتاحة.
وفي حالة استمرارية التأخر في التحصيل، حذر غوتيريش من إمكانية أن تضطر المنظمة لإعادة 600 مليون دولار إضافية في 2027، وهو ما يعادل خُمس ميزانيتها تقريباً.
وقد بدأت الأمم المتحدة عام 2025 بعجز قدره 135 مليون دولار، ومع نهاية سبتمبر لم تستلم سوى 66.2% من المساهمات المحددة لهذا العام، مقارنة بـ78.1% للفترة نفسها في 2024.
هذا التراجع المتواصل يشير، كما يقول الأمين العام، إلى أن المنظمة ‘تتحرك بخطى ثابتة نحو الإفلاس ما لم تتخذ إجراءات عاجلة’.
تخفيضات كبرى في الوظائف والبرامج
تحمل ميزانية 2026 بصمتها القاسية على الهيكل الإداري، حيث تم اتخاذ قرار بخفض عدد الموظفين من 13,809 إلى 11,594 وظيفة، أي بنسبة 18.8% مقارنة بعام 2025. وتركز هذه التخفيضات على الإدارات الإدارية والبيروقراطية الكبرى، مع محاولة الاحتفاظ بالبرامج الموجهة مباشرة للدول الأعضاء، خصوصاً الدول الأقل نمواً والجزرية الصغيرة والبلدان النامية غير الساحلية.
وبالرغم من سعي الأمم المتحدة لحماية برامج التنمية والدعم الإقليمي، إلا أن تأثير التقليص بدأ يظهر في تراجع الأنشطة الميدانية، وتأجيل بعض المهام الفنية، وتقليل النفقات التشغيلية في المكاتب الإقليمية. ورغم أن الميزانية العادية تمول من الاشتراكات الإلزامية للدول الأعضاء، فإن استدامتها باتت موضع شك في ظل تزايد العجز المالي.
وبحسب غوتيريش، فإن الخطط البديلة تشمل دمج إدارة الرواتب ضمن هيكل واحد، ونقل بعض الوظائف إلى مراكز ذات تكلفة أقل، وإنشاء منصات إدارية مشتركة في نيويورك وبانكوك. ولكن هذه الخطوات، بالرغم من طابعها الإصلاحي، لا تخفي الحقيقة أن المنظمة تدخل مرحلة ‘ترشيد اضطراري’، هدفها البقاء لا التطوير.
الأزمة تتجاوز عام 2026: شبح الإفلاس يمتد إلى 2027 ومحاولات للإصلاح
وقد حذر الأمين العام بوضوح أن أزمة السيولة لن تتوقف مع العام المقبل. ففي حال استمرار تأخر المساهمات، ستواجه الأمم المتحدة فجوة تمويلية تمتد حتى عام 2027، مما يهدد قدرتها على دفع رواتب الموظفين، وتمويل البعثات السياسية، وإدارة برامج التنمية والمساعدات الإنسانية.
وتظهر الحسابات أن استمرار وتيرة التأخير في السداد الحالية قد يؤدي إلى انخفاض احتياطي النقد بنحو 20% خلال عامين. ويقول غوتيريش: ‘أي تأخير في التحصيل سيجبرنا على خفض الإنفاق أكثر، وسنواجه احتمال إعادة مئات الملايين إلى الدول الأعضاء بدل توجيهها للبرامج الأساسية’.
الأزمة مرشحة للتفاقم مع دخول ميزانية حفظ السلام السنوية في دورتها الجديدة (يوليو 2025 – يونيو 2026)، حيث تتطلب تمويلاً مستقلًا يعتمد بدوره على التزامات الدول، مما يعني أن أي تأخير إضافي سيؤثر مباشرة على عمليات الانتشار الميداني ويهدد استقرار بعض بعثات الأمم المتحدة الأكثر حساسية.
تحت عنوان ‘مبادرة الأمم المتحدة 80’، تسعى الأمانة العامة لإطلاق عملية إعادة هيكلة شاملة لجعل النظام الإداري أكثر مرونة وكفاءة من حيث التكلفة. تشمل الخطة إنشاء فريق عالمي موحد لإدارة الرواتب، وتوسيع نطاق استخدام المنصات المشتركة، وإعادة توزيع الموارد البشرية على مناطق أقل تكلفة.
رغم هذه الجهود، يبقى جوهر المشكلة مالياً وليس إدارياً. فالإصلاحات التقنية لا يمكنها تعويض غياب التمويل، كما أنها لا تعالج تأخر الم contributions جوهر الأزمة. بالإضافة إلى ذلك، تقليل النفقات لا يعني بالضرورة تحسين الكفاءة، بل قد يؤدي إلى إنهاك الموظفين وتقليص القدرة التشغيلية للمنظمة.
ومع ذلك، تواصل الأمم المتحدة تمويل أولوياتها الأساسية: 37 بعثة سياسية خاصة، ونظام المنسقين المقيمين بمخصص قدره 53 مليون دولار، وصندوق بناء السلام بقيمة 50 مليون دولار.
كما ستقوم مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان بتوسيع مكاتبها الإقليمية -رغم الضغوط المالية المتزايدة- في أديس أبابا، بانكوك، بيروت، داكار، مدينة بنما، بريتوريا، وفيينا.
المداولات المقبلة: سباق مع الزمن قبل ديسمبر
تستعد اللجنة الخامسة للجمعية العامة خلال الأسابيع المقبلة لمناقشة الميزانية المعدلة مع رؤساء إدارات الأمانة العامة وكبار مديري البرامج. ومن المقرر، بحسب متابعة شاشوف، أن ترفع اللجنة توصياتها إلى الجمعية العامة بكامل هيئتها قبل نهاية ديسمبر لاعتماد الميزانية النهائية لعام 2026.
ومع ذلك، حتى لو تمت الموافقة على الميزانية، لن تنتهي الأزمة ما لم تلتزم الدول الأعضاء بدفع التزاماتها في الوقت المحدد. فالمشكلة لم تعد في إصدار القرارات بقدر ما هي في التنفيذ؛ إذ إن تأخر التمويل يهدد لا فقط مشاريع التنمية، بل أيضاً شرعية المنظمة كمؤسسة قادرة على العمل باسم المجتمع الدولي.
وتتوقع دوائر الأمم المتحدة أن بعض الدول الكبرى ستبدأ بتسديد جزء من التزاماتها مع اقتراب نهاية العام، مما قد يمنح المنظمة متنفساً مؤقتاً، ولكن استمرار هذا النمط من التأخير قد يجعل ‘الإفلاس الإداري’ أمراً واقعاً خلال عامين، ما لم يُعدل سلوك الدول الممولة جذرياً.
ما تواجهه الأمم المتحدة اليوم يتجاوز ‘أزمة السيولة المالية’ ليصبح تحولاً في التوازن المالي والسياسي للمنظمة. فعندما تمتنع دول كبرى -خصوصاً أمريكا- عن تسديد التزاماتها في مواعيدها، فإنها تُرسل رسالة واضحة: أن أولوياتها السياسية لم تعد هي تلك المقررة، وأن دعم النظام الدولي القائم يتراجع أمام مصالحها الوطنية.
إن خفض الميزانية بهذا الشكل يضع المنظمة في موقف دفاعي دائم، مما يضطرها للعمل بنصف طاقتها بينما تتزايد التحديات العالمية، من النزاعات والحروب إلى التغير المناخي وانهيار سلاسل الإمداد. وهذه مفارقة مؤلمة: العالم بحاجة إلى أمم متحدة أقوى، فيما المنظمة نفسها أضعف من أي وقت مضى.
ومع غياب تمويل ثابت، قد يتحول شعار ‘الأمم المتحدة’ إلى مجرد رمزية بدلاً من كونه سلطة تنفيذية فعالة، وسيبقى مستقبلها مرهوناً باستعداد الدول الأعضاء لوضع المصلحة الجماعية فوق حسابات النفوذ الفردية. وحتى يحدث ذلك، ستظل الأمم المتحدة تكافح في سباق شاق مع الإفلاس، تحاول إنقاذ نفسها قبل أن تُطالب بإنقاذ العالم.
تم نسخ الرابط
