تسببت الحرب في أوكرانيا بتحولات جذرية في خريطة الطاقة العالمية، حيث استفادت الولايات المتحدة بشكل كبير من دفع أوروبا لتقليل اعتمادها على الغاز الروسي الرخيص. ارتفعت شحنات الغاز الأمريكي المسال إلى أوروبا بشكل غير مسبوق، مما أدى إلى أن تصبح واشنطن المورد الرئيسي، مع توقعات بأن تتجاوز نسبة إمدادات الغاز الأمريكي إلى أوروبا 70% بحلول 2029. بينما كان الاعتماد السابق على الغاز الروسي يوفر استقرارًا نسبيًا، أصبح السوق الجديد أكثر تقلبًا، مما زاد التحديات أمام الاتحاد الأوروبي. يتساءل البعض إن كانت أوروبا انتقلت من اعتماد جيوسياسي إلى آخر، مما يضاعف نفوذ واشنطن في المنطقة.
Sure! Here’s a rewritten version of the content while keeping the HTML tags intact:
تقارير | شاشوف
لم تكن الحرب في أوكرانيا مجرد صراع جيوسياسي عند حدود أوروبا، بل جاءت كفرصة لإحداث تغييرات جوهرية في خريطة الطاقة العالمية، حيث كانت الولايات المتحدة من أبرز المستفيدين. فقد تمكنت واشنطن من دفع أوروبا نحو التخلص التدريجي من الغاز الروسي الرخيص، مما أدى إلى تدفق الغاز الأمريكي المسال إلى القارة الأوروبية بكميات ضخمة، ما حقق لواشنطن مكاسب اقتصادية واستراتيجية كبيرة مقابل ارتفاع التكاليف وتقلب الأسعار داخل الاتحاد الأوروبي.
قبل اندلاع الحرب، كانت أوروبا تعتمد بشكل أساسي على الغاز الروسي من خلال خطوط الأنابيب منخفضة التكلفة، مما أدى إلى استقرار نسبي في إمدادات الطاقة على مدى عقود. ولكن مع بداية النزاع في 2022، وبضغط من الولايات المتحدة، تم تقليص واردات الغاز من موسكو، مما غيّر المشهد بشكل جذري.
في عام 2021، كانت شحنات الغاز الطبيعي المسال تمثل 23% فقط من إجمالي إمدادات الغاز الأوروبية، مقارنةً بـ10% قبل عشر سنوات. لكن بحلول عام 2025، من المتوقع أن يصل هذا الرقم إلى نحو 48%، حيث ارتفع عدد السفن المتجهة إلى الموانئ الأوروبية من 660 إلى 820 سفينة في غضون عام واحد فقط، وفقاً لبيانات بحوزة شاشوف من رويترز. فهذا التحول يعني أن أوروبا تعتمد أكثر من أي وقت مضى على الغاز المستورد بحراً، وبشكل خاص من الولايات المتحدة.
يعتقد المحللون أن هذا الاعتماد لم يكن مجرد رد فعل على ظرف طارئ، بل هو جزء من استراتيجية منهجية. فقد دفعت واشنطن أوروبا لتقليل اعتمادها على الطاقة الروسية كوسيلة للضغط على موسكو، وأيضاً لتفتح أسواقاً جديدة أمام صادرات الغاز الأمريكي، مستفيدة من بنيتها التحتية المتطورة في هذا المجال.
تشير التقديرات إلى أن أوروبا ستحتاج لاستيراد ما يصل إلى 160 شحنة إضافية من الغاز الطبيعي المسال هذا الشتاء لتعويض النقص في التخزين وتراجع إمدادات خطوط الأنابيب من روسيا والجزائر. وبالتالي، سيرتفع إجمالي واردات الغاز الطبيعي المسال إلى الاتحاد الأوروبي هذا العام إلى مستوى قياسي يمثل حوالي نصف احتياجات القارة.
كما تُظهر بيانات شركة «Energy Aspects» أن الولايات المتحدة ستزود أوروبا بما يتراوح بين 58% و70% من احتياجاتها من الغاز الطبيعي المسال خلال الفترة 2026 – 2029، وهي زيادة هائلة مقارنة بالسنوات السابقة.
واشنطن: الرابح الاقتصادي والسياسي
هذا يحدث في الوقت الذي يسعى فيه الاتحاد الأوروبي لحظر الغاز الطبيعي المسال الروسي بالكامل بحلول 2027، والغاز الروسي عبر الأنابيب بحلول 2028، بحسب متابعات شاشوف، مما يتيح فرصة لواشنطن لتصبح المورد المهيمن بلا منازع.
قال أحد المسؤولين التنفيذيين في شركة مرافق أوروبية كبرى لرويترز، طلب عدم ذكر اسمه: «اعتمادنا على الولايات المتحدة سيزداد… ليس لدينا بدائل حقيقية». إذ أن إمدادات الجزائر تتناقص، بينما النرويج – المزود المحلي الأكبر لأوروبا – تشهد انخفاضاً تدريجياً في الإنتاج، مما يجعل الغاز الأمريكي هو الخيار الأكثر توافراً.
إن التحول السريع في سوق الطاقة الأوروبية لم يكن بلا فوائد ضخمة للولايات المتحدة. ومع ارتفاع صادرات الغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا منذ 2022، أصبحت الولايات المتحدة أكبر مصدر للغاز للقارة، محققة عوائد مالية هائلة بفعل تفاوت الأسعار الأوروبية مقارنة بالأسعار المحلية الأمريكية المنخفضة.
كما يمنح الاعتماد الأوروبي المتزايد على الغاز الأمريكي واشنطن نفوذاً جيوسياسياً جديداً في القارة خلال فترة حساسة من الصراع مع روسيا. بدلاً من خطوط الغاز القادمة من سيبيريا، بدأت الموانئ الأوروبية باستقبال سفن أمريكية عملاقة تحمل الغاز المسال، مما يعكس انتقال مركز الثقل الطاقوي من الشرق إلى الغرب.
أوروبا تدفع الثمن: تقلبات وأسعار غير مستقرة
تشير البيانات التي حصلت عليها شاشوف إلى أن سعة كل ناقلة غاز حديثة تبلغ نحو 0.1 مليار متر مكعب، ما يعني أن الزيادة في عدد الناقلات تعني فعلياً مئات الملايين من الأمتار المكعبة الإضافية التي تسيطر بها الشركات الأمريكية على السوق الأوروبية.
مع ذلك، لا تأتي هذه التحولات دون تكاليف على أوروبا. فعلى الرغم من أن عقود الغاز الروسي عبر الأنابيب كانت تتميز باستقرار نسبي وأسعار منخفضة، فإن الاعتماد على الغاز المسال – وخاصة الأمريكي – يجعل السوق الأوروبية أكثر عرضة لتقلبات الأسعار العالمية.
تتأثر الأسعار الفورية للغاز الطبيعي المسال بعوامل خارجية مثل الطلب الآسيوي (خصوصاً من الصين)، مما يجعل التخطيط لتخزين الغاز في أوروبا أكثر تعقيداً. يقول آرني لومان راسموسن، رئيس الأبحاث في شركة «Global Risk Management»، إن «توقعات الغاز في أوروبا أصبحت أكثر ارتباطاً بالمخاطر الخارجية، مما يعزز التقلبات ويثني شركات الطاقة عن ملء المخزونات بالوتيرة المطلوبة».
وفقًا لبيانات «Gas Infrastructure Europe»، وصلت مستويات التخزين في الاتحاد الأوروبي إلى 82.75% فقط في 04 أكتوبر 2025، بتراجع ملحوظ عن 94.32% في العام السابق، وهو أدنى مستوى منذ 2021. إذ انخفضت المخزونات في مارس 2025 إلى أقل من 34%، وهو أدنى مستوى منذ 2022. وتشير توقعات «كبلر» إلى أن مستويات التخزين قد تتراجع إلى 29% بحلول مارس 2026، وهو أدنى مستوى في سبع سنوات، مما يزيد من مخاطر الأسعار الأوروبية.
ما بعد روسيا.. أوروبا في قبضة السوق الأمريكية
المعادلة اليوم واضحة: أوروبا التي كانت تعتمد على مورد واحد ثابت وبأسعار منخفضة، وجدت نفسها تعتمد الآن على سوق عالمية متقلبة تتحكم فيها ديناميكيات العرض والطلب الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة. وبينما تروج بروكسل لهذه التحولات كتحرر من النفوذ الروسي، تؤكد الوقائع أنها دخلت ضمن دائرة نفوذ طاقوي جديدة مصدرها واشنطن.
هذا الوضع يمنح الولايات المتحدة أدوات تأثير اقتصادية وسياسية لا تقل أهمية عن أنابيب الغاز الروسية السابقة. في أي أزمة طاقة مقبلة، ستكون القرارات الأمريكية – سواء على مستوى الأسعار أو الكميات – لها تأثير مباشر على اقتصادات الاتحاد الأوروبي وصناعاته الثقيلة.
في الوقت ذاته، يثير هذا الاعتماد نقاشات داخل أوروبا حول جدوى هذه الاستراتيجية طويلة المدى، خاصة وأن البدائل المحلية، مثل الطاقة المتجددة أو إنتاج الغاز من النرويج والجزائر، تواجه عقبات واضحة ولا تستطيع سد الفجوة الحالية.
في غصون ثلاث سنوات فقط، تحولت أوروبا من الاعتماد على الغاز الروسي الرخيص والمستقر إلى الارتهان لأسواق الغاز المسال العالمية التي تقودها الولايات المتحدة. هذا التحول الاستراتيجي جعل واشنطن المستفيد الأكبر من أزمة الطاقة الأوروبية، على الصعيدين المالي والجيوسياسي، بينما وضعت الاتحاد الأوروبي أمام تحديات متعلقة بتقلب الأسعار، تخزين غير مستقر، واعتماد متزايد على مصدر خارجي وحيد.
الولايات المتحدة لم تستغل فقط الفرصة الاقتصادية التي نشأت عن الحرب في أوكرانيا، بل أعادت تشكيل خريطة الطاقة الأوروبية لتعزيز نفوذها لعقود قادمة. بينما تقترب أوروبا من حظر كامل للغاز الروسي، يبقى التساؤل الأهم الذي يلوح في الأفق: هل استبدلت القارة اعتماداً جيوسياسياً بآخر؟.
تم نسخ الرابط
