بدأت الولايات المتحدة رئاستها لمجموعة العشرين في وقت مليء بالتوترات السياسية والاقتصادية، مع تصاعد الخلافات مع جنوب أفريقيا. تسعى واشنطن لتعزيز النمو العالمي من خلال تحرير الإجراءات التنظيمية وتنشيط سلاسل الإمداد والطاقة والابتكار. ومع ذلك، فقد أدت الانتقادات المتبادلة بين ترامب ورامابوسا إلى توتر العلاقات، مما يهدد وحدة المجموعة. ويرى المراقبون أن هذا التوتر قد يعيق التنسيق الضروري لمواجهة التحديات الاقتصادية الراهنة. ورغم وجود رؤية أمريكية قوية، تبقى إمكانية تحقيق توافق عالمي محل شك، مع استمرار الخلافات بخصوص قضايا رئيسية مثل التجارة والمناخ.
الاقتصاد العالمي | شاشوف
دخلت الولايات المتحدة عامها كرئيسة لمجموعة العشرين في وقت سياسي حسّاس، حيث تتقاطع التوترات الدبلوماسية مع قضايا اقتصادية معقدة. بينما كان يُفترض أن تمثل الرئاسة الأمريكية مرحلة مهمة لإعادة تنشيط التنسيق الدولي، بدأت الأمور بتوترات حادة مع جنوب أفريقيا التي أنهت ولايتها وسط سجال غير مسبوق مع واشنطن.
تعمل الإدارة الأمريكية على تقديم رؤيتها الخاصة لقيادة المجموعة، مركّزة –وفق بيان وزارة الخارجية الذي اطلعت عليه شاشوف– على استعادة “جوهر مهمة العشرين”، والذي يتمثل في دفع النمو الاقتصادي العالمي وتعزيز الازدهار. وتؤكد واشنطن على ضرورة إنهاء سنوات الفوضى السياسية، وضرورة تنفيذ “إصلاحات جوهرية” لإعادة توجيه المجموعة نحو القضايا الاقتصادية والتقنية والطاقة.
لكن خلف هذا الخطاب الاقتصادي، تنشأ مواجهة دبلوماسية متزايدة بين الولايات المتحدة وجنوب أفريقيا. وبعد مقاطعة واشنطن لقمة بريتوريا الشهر الماضي، وتصعيد لهجة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه حكومة سيريل رامابوسا، دخلت العلاقات بين الدولتين مرحلة من التوتر العلني، مما يهدد وحدة أكبر تكتل اقتصادي في العالم.
تتزامن هذه التطورات مع الاستعدادات لعقد القمة المقبلة في ميامي، داخل منتجع يمتلكه ترامب، مما يضيف بعداً سياسياً حساساً لهذه الدورة التي من المتوقع أن تركز على النمو الاقتصادي، لكنها تنطلق من أرضية خلافية لم تشهدها مجموعة العشرين منذ سنوات.
واشنطن تعلن أجندتها… “إطلاق النمو وإزالة الأعباء التنظيمية”
حدد وزارة الخارجية الأمريكية ثلاثة محاور رئيسية لرئاستها وفق ما أشار إليه مرصد “شاشوف”: “تحرير النمو الاقتصادي من الأعباء التنظيمية”، “إعادة إنعاش سلاسل إمدادات الطاقة”، و”قيادة الابتكار والتقنيات الناشئة”.
ترى واشنطن أن البيئة التنظيمية العالمية أصبحت خانقة للنشاط الاقتصادي، وأن تقليل هذه القيود يمثل مدخلاً لتسريع الاستثمارات عبر الاقتصادات الكبرى. كما تضع الولايات المتحدة ملف الطاقة في مقدمة أولوياتها، مع التركيز على توفير إمدادات “آمنة وبأسعار معقولة”، في مسعى لاحتواء الاضطرابات الناتجة عن تقلبات الأسواق العالمية خلال العامين الماضيين.
تعتبر الإدارة الأمريكية أن الابتكار والتقنيات الحديثة –من الذكاء الاصطناعي إلى سلاسل التوريد الرقمية– ستكون المحرك الرئيس للنمو، وأن مجموعة العشرين تحتاج إلى رؤية موحدة حول كيفية تنظيم هذه القطاعات دون إعاقة تطورها.
توتر يهدد انسجام المجموعة
على الرغم من أن انتقال رئاسة مجموعة العشرين يتم عادة بسلاسة، جاءت نهاية الرئاسة الجنوب أفريقية مشوبة بالسجالات السياسية. فقد رفض ترامب دعوة بريتوريا للمشاركة في القمة المقبلة في ميامي، متهماً حكومة رامابوسا بـ“استغلال رئاسة المجموعة كأداة”، وواصفاً سجلها الداخلي بمزاعم “غير موثقة” أثارت انتقادات دولية.
رد رامابوسا بتأكيد أن جنوب أفريقيا “عضو كامل ونشط وبناء”، رافضاً الاتهامات الأمريكية بوصفها “تضليل صريح”. زادت حدة النزاع بعد اتهام ترامب لبريتوريا بعدم تسليم الرئاسة بصورة لائقة، في حين تقول جنوب أفريقيا إنها نقلت الرئاسة بشكل رسمي لمسؤول في السفارة الأمريكية خلال الحفل الختامي.
ترى مصادر دبلوماسية أن هذا التصعيد قد يضع المجموعة أمام اختبار غير مسبوق، خاصة أن أعضاء رئيسيين –مثل ألمانيا– بدأوا يحاولون إقناع واشنطن بالتراجع عن استبعاد جنوب أفريقيا من قمة ميامي.
الرسائل السياسية وراء المقاطعة الأمريكية
جاءت مقاطعة واشنطن لقمة بريتوريا كامتداد للخطاب المتصاعد من ترامب، الذي يقول إن حكومة جنوب أفريقيا تتبنى سياسات “مناهضة للبيض”، وهي مزاعم مرفوضة دولياً.
بالنسبة للمراقبين، لم تكن المقاطعة مجرد اعتراض سياسي، بل تُعتبر إشارة إلى أن واشنطن تسعى لإعادة تشكيل قواعد التفاعل ضمن مجموعة العشرين بما يتوافق مع رؤيتها للحوكمة الدولية. ويعتقد محللون أن الإدارة الأمريكية تحاول الضغط على بعض الدول التي تراها “متساهلة” في قضايا مثل الأمن، والشفافية، والتجارة.
كما أن تنظيم القمة المقبلة في منتجع مملوك لترامب يعزز الانطباع بأن الدورة القادمة ستكون حساسة سياسياً، مما قد يفتح الباب لاصطفافات جديدة داخل المجموعة.
مجموعة تزداد انقساماً… وتحديات اقتصادية تتطلب تنسيقاً أكبر
يشير المراقبون إلى أن الخلاف بين واشنطن وبريتوريا ليس سوى فصل جديد في سلسلة من الانقسامات داخل مجموعة العشرين، التي تواجه تحديات حول قضايا التجارة، والمناخ، والطاقة، والعقوبات، والحرب في أوكرانيا. ومع تباين مصالح الاقتصادات الكبرى –من الولايات المتحدة إلى الصين والهند والبرازيل– تبدو مهمة إحياء التنسيق العالمي أكثر تعقيداً مما كانت عليه سابقاً. ويخشى مسؤولون أوروبيون أن يؤدي هذا الخلاف الأخير إلى زيادة الجمود في قضايا تتطلب توافقاً واسعاً، مثل إصلاح النظام المالي الدولي أو الحد من اضطرابات سلاسل الإمداد.
ومع ذلك، تراهن واشنطن على أن قوتها الاقتصادية والسياسية ستساعدها على إعادة توجيه أجندة المجموعة حسب ما رصدته شاشوف، خصوصاً مع رغبة بعض الاقتصادات في الخروج من حالة الركود العالمي عبر سياسات محفزة للنمو.
تبدأ رئاسة الولايات المتحدة لمجموعة العشرين بإطلاق رسائل اقتصادية قوية، لكنها تسير في إطار سياق سياسي معقد يهدد بتقويض قدرة المجموعة على العمل بتوافق. في حين تطرح واشنطن رؤية تركز على النمو والابتكار، تواجه أزمة ثقة مع أحد أعضائها الرئيسيين.
لا يزال من المبكر تقييم ما إذا كانت الولايات المتحدة ستتمكن من تحويل هذا العام إلى نقطة انطلاق لتعزيز التنسيق العالمي، أم أن الخلافات السياسية ستطغى على الأجندة الاقتصادية، مما يجعل رئاسة العشرين محطة جديدة من الانقسامات داخل أكبر تكتل اقتصادي على مستوى العالم.
تم نسخ الرابط
