تتغير العلاقات الاقتصادية العالمية، حيث أصبحت الصين مركز اهتمام العواصم الغربية مثل لندن، التي تسعى لزيادة توازن سياستها التجارية بعيدًا عن الاعتماد على الولايات المتحدة. زيارة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إلى بكين كانت الأولى منذ ثماني سنوات، وركزت على التعاون الاقتصادي مع وفد يضم رجال أعمال. تشير التوقعات إلى تصاعد التجارة مع الصين لتصبح رابع أكبر شريك لبريطانيا. رغم التحديات الأمنية والسياسية، يعتقد ستارمر أن التعاون مع الصين ضروري. ومع ذلك، لا يمكن لبريطانيا التعويض بالكامل عن اعتمادها التاريخي على الولايات المتحدة، مما يظهر الحاجة لسياسة اقتصادية مزدوجة متوازنة.
الاقتصاد العالمي | شاشوف
مع تغير العلاقات الاقتصادية العالمية، لم تعد الصين مجرد شريك للدول النامية أو سوقاً صناعية تزود العالم بالمنتجات، بل أصبحت محور اهتمام العواصم الغربية، بما في ذلك لندن، التي تواجه خيار إعادة التوازن في سياستها التجارية بعيداً عن الاعتماد شبه المطلق على الولايات المتحدة.
زيارة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إلى بكين، التي استمرت أربعة أيام، تُعد الأولى من نوعها لرئيس حكومة بريطاني منذ نحو ثماني سنوات، وقد اتسمت بطابع اقتصادي أكثر من كونه سياسياً. وفقاً لرصد “شاشوف”، رافق ستارمر وفد مكون من حوالي 60 من كبار رجال الأعمال البريطانيين في مجالات المال والسيارات والأدوية والفنون والثقافة، ساعياً إلى خلق توازن بين جذب الاستثمارات الصينية الحيوية وحماية الأمن القومي البريطاني.
تشير البيانات الحكومية البريطانية إلى أن الصين ستصبح بحلول منتصف عام 2025 رابع أكبر شريك تجاري لبريطانيا، بإجمالي تبادل تجاري يقارب 100 مليار جنيه إسترليني (137 مليار دولار). ومع ذلك، يميل الميزان التجاري بشكل واضح لصالح الصين، حيث تتراوح الصادرات البريطانية بين 28 و38 مليار جنيه إسترليني، بينما تتجاوز واردات لندن من الصين 60 إلى 74 ملياراً.
تعكس هذه الفجوة عدم استقرار العلاقات التجارية الناتج عن التوترات السياسية المتراكمة، بدءاً من قضايا التجسس وحقوق الإنسان في هونغ كونغ، مروراً بالجدل حول بناء السفارة الصينية في لندن، وصولاً إلى مخاوف القطاع المالي البريطاني من التقارب المفرط مع بكين على حساب الاتحاد الأوروبي أو واشنطن.
من منظور براغماتي، يرى ستارمر أن العلاقة مع الصين ضرورة اقتصادية لا يمكن تجاهلها، لكنه يؤكد على أهمية التحرك نحو بكين دون المساس بالعلاقات التاريخية مع الولايات المتحدة.
وفي تصريحات صحفية تابعتها “شاشوف”، أوضح: “أنا براغماتي، وعلاقاتنا مع الولايات المتحدة في الدفاع والأمن والاستخبارات والتجارة ضرورية، لكن لا معنى لأن نغفل عن الصين”. وأضاف: “من مصلحتنا الانخراط مع الصين بطريقة متسقة وشاملة، مع حماية مصالحنا الأمنية”.
على الرغم من أهمية الصين المتزايدة، إلا أن الواقع يشير إلى محدودية قدرة بريطانيا على تعويض اعتمادها التاريخي على الولايات المتحدة، حيث تمثل الاستثمارات الصينية نحو 0.2% فقط من الاستثمار الأجنبي المباشر في المملكة المتحدة، فيما تمثل الاستثمارات الأمريكية ثلث هذا الاستثمار.
يرى محللون أن المكاسب الاقتصادية لبريطانيا من علاقتها بالصين حتى الآن محدودة، وأن أي تحرك نحو بكين يظل مقيداً بمخاوف الأمن القومي والسياسة الدولية.
تأتي زيارة ستارمر بالتزامن مع تحركات مماثلة لقادة غربيين آخرين، مثل رئيس الوزراء الكندي مارك كارني والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذين سافروا إلى بكين في الأسابيع الأخيرة بحثاً عن حلول للتوترات الاقتصادية العالمية التي تفاقمت منذ إعادة انتخاب دونالد ترامب في يناير 2025 وفرضه سياسات جمركية صارمة.
تباينت نتائج هذه الزيارات، فقد نجح كارني في التوصل إلى اتفاقيات تجارية محددة، بينما لم تسفر زيارة ماكرون عن الكثير. وفي ذات الوقت، هددت واشنطن بفرض رسوم جمركية تصل إلى 100% على السلع الكندية في حال مضت كندا قدماً في أي اتفاقات مع الصين، مما يوضح الحساسية العالية التي تثيرها هذه التحركات تجاه بكين لدى الولايات المتحدة.
في ظل هذه الديناميكية، تبدو زيارة بريطانيا إلى الصين خطوة استباقية لإعادة ضبط التوازن الاقتصادي العالمي، ولكنها ليست محاولة لإحلال بكين محل واشنطن، بل خطة لتأمين مصالح لندن في مواجهة غموض السياسات الأمريكية.
بمعنى آخر، تتبنى بريطانيا سياسة مزدوجة تجمع بين الحفاظ على تحالفها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة والانفتاح الاقتصادي على الصين، مما يعزز فرص الاستثمار والتنمية دون الإخلال بأمنها القومي أو مصالحها العالمية.
تم نسخ الرابط
