نهاية عصر ‘التمويل السهل’… البنوك السعودية تستعد لمواجهة تحديات تريليونية مع تقدم مشاريع الرؤية – شاشوف

نهاية عصر التمويل السهل البنوك السعودية تستعد لمواجهة تحديات تريليونية


تواجه المنظومة المصرفية في السعودية تحديات جديدة مع اقتراب مشاريع ‘رؤية 2030’ من مراحل التشغيل، حيث يتراجع الاعتماد على الإنفاق الحكومي المباشر. تشير تقارير ‘فيتش ريتينغز’ إلى أن البنوك المحلية لا تزال تعتبر التمويل مبدئيًا آمنًا، لكن التحديات ستزداد مع الحاجة لتمويل هائل. صندوق الاستثمارات العامة قد تحمل نسبة كبيرة من التمويل حتى الآن، ولكن انتقال المسؤوليات إلى البنوك سيؤدي لزيادة المخاطر. تحتاج المؤسسات المالية إلى استراتيجيات مبتكرة مثل التوريق لتخفيف الضغط على ميزانياتها، مع تصاعد مقلق في نسبة القروض إلى الودائع.

الاقتصاد العربي | شاشوف

تدخل المؤسسات المصرفية في المملكة العربية السعودية مرحلة جديدة ومهمة تزامناً مع مشاريع “رؤية 2030″، حيث تبرز التحليلات المالية أن الاعتماد الكلي على الإنفاق الحكومي المباشر يقترب من نهايته، لتبدأ فترة جديدة من الانكشاف المصرفي الحقيقي.

وفقاً لأحدث التقارير الصادرة عن وكالة “فيتش ريتينغز” والتي تمت مراجعتها من قبل “شاشوف”، ورغم أن مساهمة البنوك المحلية في تمويل المشاريع الكبرى لا تزال عند مستويات “التحوط”، إلا أن اقتراب هذه المشاريع من مرحلة التشغيل الفعلي سيفرض واقعاً جديداً يستدعي ضخ مبالغ هائلة من السيولة مدعومة بتدفقات نقدية تشغيلية، مما سيضع الميزانيات العمومية للبنوك تحت اختبار خلال السنوات القادمة.

يوضح التحليل المتعمق للبيانات أن الانكشاف الحالي للبنوك على هذه المشاريع لا يزال عند مستويات آمنة، حيث تتراوح نسبة التمويل المباشر بين 5% و7% فقط من إجمالي القروض، في حين لم تتجاوز المخاطر الائتمانية المجمعة -بما في ذلك الضمانات والالتزامات غير المباشرة- حاجز الـ 10%.

هذه الأرقام تعكس استراتيجية “التأني” التي اتبعتها البنوك، حيث تركت المخاطر الأولية لفترة الإنشاء تحت مسؤولية صندوق الاستثمارات العامة. إلا أن الوكالة تحذر من أن أي تعثر مستقبلي أو إعادة هيكلة في المشاريع قد يؤثر سلباً على جودة الأصول البنكية على المدى الطويل، رغم أن التوقعات تستبعد حدوث قفزات في الديون المشكوك في تحصيلها خلال عامي 2026 و2027 بسبب محدودية التورط الحالي.

وعلى صعيد الاقتصاد العام، لا يمكن تجاهل تأثير التقرير على التحركات الحكومية لإعادة تقييم أولويات المشاريع، أو ما يُعرف بـ”الضبط المالي”، والذي أثر على مشاريع بارزة مثل “المكعب” و”ذا لاين” في نيوم. وتلاحظ “فيتش” أن هذا المشهد المعقد، الذي تتجاوز فيه القيمة المتوقعة لخمسة مشاريع كبرى (نيوم، القدية، البحر الأحمر، روشن، الدرعية) حاجز التريليون دولار، يقابله واقع تعاقدي فعلي بلغ 115 مليار دولار فقط منذ عام 2019. هذه الفجوة الكبيرة تشير بوضوح إلى أن القطاع المصرفي سيصبح اللاعب الاحتياطي المطلوب لاستكمال التمويل مع اكتمال البنية التحتية وبدء التشغيل التجاري.

من “مخاطر الإنشاء” إلى “استنزاف رأس المال”

لقد مثل صندوق الاستثمارات العامة (PIF) دور “الكاسحة المالية” في السنوات الماضية، حيث تشير التقديرات إلى أنه تحمل مسؤولية تمويل حوالي 50% من إجمالي الاحتياجات الرأسمالية والديون للمشاريع الضخمة، مما أعطى للبنوك التجارية حماية من مخاطر مرحلة التأسيس العالية. ومع ذلك، فإن الانتقال المتوقع نحو التمويل المصرفي مع اقتراب التشغيل يحمل تحديات محاسبية معقدة، حيث تُصنف هذه التمويلات ضمن فئات المخاطر العالية التي تتطلب أوزاناً ترجيحية بين 80% و130%، مما يعني أنها ستؤثر على جزء كبير من حقوق البنوك وسنضغط بشدة على هوامش كفاية رأس المال التي لطالما تميزت بها المصارف السعودية.

هذا الضغط المرتقب يدفع البنوك السعودية للتحول من الإقراض التقليدي والبحث عن حلول مالية مبتكرة لتخفيف العبء عن ميزانياتها. من المتوقع أن تلجأ المؤسسات المالية إلى تفعيل أدوات “توريق الرهون العقارية” بشكل متزايد، ونقل المخاطر الأساسية لطرف ثالث، أو إعادة التفكير في سياسات توزيع الأرباح المحتفظ بها لضمان السيولة. تأتي هذه الخطوات الاستباقية كضرورة ملحّة، خاصة مع التوقعات التي تشير إلى تسارع عمليات التوريق بحلول عام 2026، مع انخفاض متوقع في أسعار الفائدة، مما يحرر بعض السيولة المجمدة لتدويرها في المشاريع التنموية.

وعلى الرغم من التوقعات بتباطؤ نمو الائتمان المصرفي بشكل طفيف إلى 10% في عام 2026 مقارنة بـ 11.5% في 2025، نتيجة لتقليل وتيرة عقود جديدة، إلا أن مشاريع البنية التحتية المساندة -التي لا تُصنف ضمن “العملاقة”- ستبقى المحرك الرئيسي لطلب الشركات على الائتمان.

هذا التوازن بين تمويل الكيانات العملاقة ودعم الشركات التقليدية يمثل التحدي الأكبر لمدراء المخاطر في البنوك، الذين عليهم محاولة الموازنة بين واجبهم الوطني في دعم الرؤية مع الحفاظ على سلامة مراكزهم المالية أمام المساهمين والودائع.

أزمة السيولة والبحث عن مخارج غير تقليدية

يشهد القطاع المصرفي السعودي ضغوطاً متزايدة على مستويات السيولة المحلية، وهو ما يتضح من الأرقام، حيث ارتفعت نسبة القروض إلى الودائع لتصل إلى 113% بنهاية عام 2025، مقارنةً بـ 110% في العام السابق. هذا المؤشر الحساس يُنذر بضرورة تنويع مصادر التمويل بعيداً عن الودائع التقليدية التي لم تعد كافية لمواكبة الطلب الهائل على الإقراض. في هذا السياق، بدأت بنوك كبرى مثل البنك الأهلي السعودي في استكشاف أدوات غير تقليدية، منها دراسة خيارات التأمين على المحافظ الائتمانية لتحرير السيولة، في خطوة تعكس جدية الوضع وحاجة السوق لابتكارات تمويلية عاجلة.

ولم تقف البنوك مكتوفة الأيدي في وجه شح السيولة، بل زادت من لجوئها إلى أسواق الدين العالمية والمحلية من خلال إصدارات الصكوك والسندات، لتعزيز الفجوة التمويلية دون تعريض ميزانياتها لمخاطر إضافية.

تأتي هذه التحركات تزامناً مع النمو الملحوظ في قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة، الذي ارتفعت حصته من التمويل إلى 11% بنهاية الربع الثالث من 2025. يُعزى هذا النمو، وفقاً لقراءات “شاشوف”، إلى انخفاض التكلفة الرأسمالية لهذه القروض مقارنةً بتمويل المشاريع الكبرى، مما يجعله خياراً جذاباً للبنوك لتنوع محافظها وتقليل مخاطر التركيز.

تفرض معادلة السيولة الحالية واقعاً جديداً يتطلب تعميق أسواق الدين في المملكة، وجذب الاستثمارات الأجنبية ليس فقط في الأسهم، بل للمساهمة في تحمل أعباء الديون السيادية وشبه السيادية. فمع استمرار الحكومة في ضخ مشاريع بمليارات الدولارات، وتوجه البنوك نحو الحذر، يصبح الخيار الأمثل هو إرساء سوق ثانوية نشطة للديون، تتيح للبنوك تسييل أصولها وإعادة إقراضها، لضمان استمرار حركة “رؤية 2030” بدون أن تتعرض المؤسسات المصرفية للاختناق.


تم نسخ الرابط

(function(d, s, id){
var js, fjs = d.getElementsByTagName(s)[0];
if (d.getElementById(id)) return;
js = d.createElement(s); js.id = id;
js.src = ‘//connect.facebook.net/ar/sdk.js#xfbml=1&version=v3.2’;
fjs.parentNode.insertBefore(js, fjs);
}(document, ‘script’, ‘facebook-jssdk’));