مغامرة شتوية فاشلة: أوروبا تواجه أزمة ‘قبضة’ الغاز المسال بين إغلاق هرمز والمنافسة الآسيوية – بقلم شاشوف


تواجه أوروبا أزمة طاقة معقدة، حيث تراجعت وارداتها من الغاز المسال بنسبة 27%، والمخزونات لا تتجاوز 54%، مما يشكل عجزًا شديدًا. الآمال في استئناف تدفقات الغاز القطري عبر مضيق هرمز تلاشت بسبب التوترات الجيوسياسية بين أمريكا وإيران. في المقابل، تستحوذ آسياء، وخاصة الصين، على حصة أوروبا من شحنات الغاز بأسعار مرتفعة. الأزمة قد تؤدي إلى انكماش اقتصادي في دول كبرى مثل المملكة المتحدة وألمانيا. كما أن عدم وجود خطة بديلة لأمن الطاقة يزيد من المخاطر، ويهدد الاستقرار المالي والصناعي في القارة.

تقارير | شاشوف

تواجه القارة الأوروبية حالياً أزمة طاقة معقدة، تتمثل في مواجهة تحديات جيوسياسية واقتصادية قد تتحول إلى كابوس خلال الشتاء القادم. بينما كانت العواصم الأوروبية تأمل في تحسن دبلوماسي يعيد فتح مضيق هرمز ويستأنف تدفقات الغاز القطري، جاءت النتائج على غير المتوقع مع انسداد شرايين الإمداد الحيوية وارتفاع لافت في التهديدات العسكرية بين أمريكا وإيران.

هذا الارتباك الأوروبي في اختيار توقيت الشراء المبكر لم يكن مجرد قرار خاطئ، بل تحول إلى أزمة استراتيجية استغلتها القوى الآسيوية التي لم تتردد في دفع تكاليف مرتفعة لتأمين احتياجاتها، مما جعل أوروبا تتأخر في المنافسة للحصول على شحنات الغاز المسال الفورية.

الأرقام التي رصدها “شاشوف” من تقارير السفن والوكالات الدولية تُظهر واقعاً صعباً؛ حيث المخزونات الأوروبية لم تتجاوز 54%، وهو مستوى أقل بكثير من متوسط السنوات الخمس الماضية البالغ 70%.

هذا الانخفاض يأتي في وقت تراجعت فيه واردات القارة من الغاز المسال بنسبة 27% مقارنة بالعام الماضي، مما يعكس فشل استراتيجية “التريث” التي اعتمدتها بروكسل وبرلين، ومع اقتراب موسم التدفئة، لم يعد الأمر يتعلق فقط بتوفر الغاز، بل أيضاً بالقدرة على دفع تكاليفه المرتفعة ما يهدد استقرار الصناعات الثقيلة والأسر الأوروبية.

في ظل هذه الظروف المتوترة، يبرز شبح “صدمة الأسعار” كأحد أكبر التهديدات للاقتصاد الأوروبي، حيث تشير التقديرات إلى أن استمرار إغلاق مضيق هرمز قد يؤدي إلى انكماش اقتصادي في دول كبرى مثل المملكة المتحدة وألمانيا بنهاية العام الجاري.

تتسع الفجوة بين الأهداف السياسية والواقع اللوجستي يومًا بعد يوم، خاصة مع صعوبة الاستغناء عن الغاز الروسي الذي ما زال يمثل 17% من الإمدادات، وأمام هذا التقاطع المعقد بين أحداث الشرق الأوسط واحتياجات التدفئة في الشمال، تبدو خيارات أوروبا محدودة وغير آمنة.

رهان “هرمز” الخاسر: واشنطن وطهران على حافة الصدام المباشر

الهجوم الأخير على ناقلة الغاز القطرية قبل أسبوعين أدّى إلى شل حركة التصدير عبر مضيق هرمز، مما أجهض الآمال في استئناف تدفقات الغاز التي تمثل خُمس الإمدادات العالمية.

هذا الإغلاق لم يكن مجرد عائق لوجستي، بل فجر أزمة دبلوماسية، خاصة مع إعلان شركة “قطر للطاقة” تمديد حالة القوة القاهرة لعملائها في أوروبا حتى منتصف أكتوبر، مما يحرر القارة من أهم مصادرها البديلة في وقت عصيب.

في واشنطن، لم يقتصر الأمر على إدانة إدارة ترامب، بل قامت بزيادة التهديدات بشكل غير مسبوق، حيث لوح ترامب بالرد العسكري على أي اعتداء جديد على السفن.

هذه النبرة التصعيدية، التي شملت التهديد بضرب حقول الغاز، جعلت الأسواق في حالة تأهب، مما دفع بأسعار الغاز إلى الارتفاع، بينما غياب أي أفق لمحادثات دبلوماسية يعني أن التضييق على الممرات البحرية سيستمر لفترة، مما يجبر المشترين على البحث عن بدائل باهظة.

هذا التوتر الجيوسياسي وضع الحكومات الأوروبية في مأزق؛ فهي ملزومة بدعم الجهود الأمنية ولكن عاجزة عن ضمان أمن طاقتها.

تشير تقديرات خبراء ‘شاشوف’ إلى أن السوق تجاهلت المخاطر لفترة طويلة، مما أدى إلى تفجر الأسعار. إن الرهان على أن “الدبلوماسية ستنجح” أثبت أنه رهان غير حكيم، حيث تدفع أوروبا الآن ثمن غياب “خطة بديلة”.

حمى الشراء في الشرق: آسيا تلتهم حصص أوروبا “المترددة”

بينما كانت أوروبا تتردد في توقيع صفقات بأسعار مرتفعة، سارع العملاق الصيني والمشترون من اليابان وكوريا الجنوبية لاقتناص الشحنات المتاحة. وكانت واردات الصين من الغاز المسال قد قفزت بنسبة 8.3% في يونيو الماضي لتعويض النقص.

هذا التحرك الآسيوي جاء نتيجة لموجات الحر التي فرضت ارتفاع الطلب على الكهرباء، مما جعل المشترين في آسيا مستعدين لدفع أسعار تفوق قدرة الشركات الأوروبية.

المنافسة الآسيوية امتدت إلى سرعة استجابة السوق. فقد نظمت الدول الآسيوية مناقصات لتأمين احتياجاتها، بينما كانت أوروبا مشغولة بالمشاورات الخاصة بالتدخل الحكومي.

هذا التأخير أدى إلى تحويل مسار الناقلات إلى المحيط الهادئ، مما قلص الخيارات أمام بروكسل، ويؤكد محللون أن الوقت يداهم الاتحاد الأوروبي، وأي مسعى للحاق بالمنافسة الآن سيتطلب تكاليف ضخمة.

من جهة أخرى، عادت اليابان إلى سوق الغاز المسال بعد الاعتماد السابق على الفحم، مما أدى لارتفاع أسعار الكهرباء لأعلى مستوى في ثلاث سنوات.

هذا الضغط الآسيوي يعني أن أي شحنة غاز مسال تخرج من الولايات المتحدة أو نيجيريا أو أستراليا تجد مزايدين شرسين، مما يضع أوروبا أمام خيار مشؤوم: إما دفع أسعار باهظة أو المخاطرة بنقص حاد في الإمدادات.

استنزاف المخزونات وشبح الانكماش: التكلفة الباهظة للانتظار

الوضعية الحالية لمخزونات الغاز الأوروبية تعتبر بمثابة ناقوس خطر قد يتسبب بانهيار نظام الطاقة في القارة. وصول التخزين إلى 54% فقط يعني أن الاتحاد الأوروبي بعيد عن هدفه بملء 80% أو أكثر بحلول نوفمبر.

هذا العجز ليس مجرد رقم، بل يدل على فشل السياسات التي اعتمدت على افتراض شتاء دافئ آخر. بحسب تقرير “آسير” (ACER)، تحتاج أوروبا زيادة وارداتها بنسبة 13% فوق مستويات 2025 لضمان الحد الأدنى من الأمان، وهو ما يبدو معقدًا جدًا.

التداعيات الاقتصادية بدأت تظهر في أسواق المال، حيث تحذر شركات مثل “بارينغا بارتنرز” من أن الارتفاع الكبير في تكاليف الطاقة سيؤدي إلى تآكل القوة الشرائية وتراجع الإنتاج الصناعي، مما يعني أن الانكماش الاقتصادي يهدد المملكة المتحدة وأوروبا في حال استمر إغلاق مضيق هرمز.

تُ remindedّ هذه الأزمة بمصاعب 2022، ولكن مع فارق أن أوروبا اليوم استنفدت مواردها المالية، مما يقلل من قدرتها على مواجهة معاناة فواتير الطاقة.

الالتزام الأوروبي بوقف واردات الغاز الروسي بحلول 2027 يزيد تعقيد الأمور، حيث أن الفشل في تأمين بدائل دائمة للغاز يترك القارة عرضة للصدمات المناخية.

رؤساء شركات الطاقة مثل “سنتريكا” يحذرون من أن الاعتماد على “شتاء دافئ” كاستراتيجية هو مقامرة قد تقود لكوارث إنسانية واقتصادية. الواقع المأساوي هو أن أوروبا تدفع اليوم ثمن تأخيرها في الاستثمار في أمن الطاقة وفضلت المكاسب السياسية على الاستقرار.