لماذا لم يعد المليون دولار كافياً لتحقيق الثراء في الوقت الحالي؟ – شاشوف

لماذا لم يعد المليون دولار كافياً لتحقيق الثراء في الوقت


Over the past century, the term ‘millionaire’ has lost its significance as wealth and its sources have evolved. Today, a million dollars often becomes illiquid assets like real estate or retirement funds, making it insufficient for an affluent lifestyle. With over 24 million millionaire households in the U.S. as of 2023, financial freedom is a mirage for many, as most wealth is tied up in non-liquid forms. Rising inflation and interest rates exacerbate this, making liquidity scarce and borrowing costly. Millennials and younger generations also face a different financial landscape, where managing assets and understanding financial efficiency are crucial for real wealth.

منوعات | شاشوف

قبل مئة عام، كان لقب ‘مليونير’ يعكس الثراء المبين والمكانة المرموقة في قمة السلم الاقتصادي. ومع ذلك، فقد فقد هذا اللقب الكثير من بريقه اليوم، بعد أن تغيرت طبيعة الثروة ومصادرها، حيث أصبحت المليون دولار في العديد من الحالات مجرد رصيد غير سائل، محجوز في عقارات أو خطط تقاعد يصعب تحويلها إلى سيولة فورية.

في ظل ارتفاع الأسعار والفوائد المصرفية والتضخم المتزايد، تغير تماماً مفهوم الثراء في الولايات المتحدة. لم يعد المليون دولار يمثل تذكرة دخول إلى طبقة الأغنياء، بل أصبح في أحسن الأحوال كافياً لتوفير حياة متوسطة المستوى.

قبل أكثر من 130 عاماً، في عام 1892، أحصت صحيفة ‘نيويورك تريبيون’ حوالي 4047 مليونيراً فقط في الولايات المتحدة. أما اليوم، فقد طال عدد الأسر المليونيرة الأمريكية 24 مليون أسرة (أي أسرة من كل خمس أسر أمريكية) وفق تحليل اطلع عليه ‘شاشوف’ لوكالة ‘بلومبيرغ’ لبيانات عام 2023.

لكن المفارقة هي أن هذا الارتفاع الهائل في عدد أصحاب الملايين لم ينعكس على شعورهم بالثراء الحقيقي. يعود ذلك إلى طبيعة هذه الثروات، فمنها ما هو محجوز في أصول غير سائلة مثل المنازل أو حسابات التقاعد المقيدة بعمر معين لا يمكن الوصول إليها بسهولة.

ساهمت الطفرة في أسعار العقارات والأسهم منذ عام 2017 في تضاعف أعداد المليونيرات، لكنها لم تضمن لهم بالضرورة حرية مالية، فالكمية الاسمية للثروة لا تعني السيولة الفعلية. بعبارة أخرى، ‘المليونير الأمريكي اليوم هو مليونير على الورق فقط’.

أموال محبوسة في الطوب والتقاعد

تشير بيانات عام 2023 إلى أن نحو 66% من ثروات الأسر المليونيرة في الولايات المتحدة مجمدة في منازلهم أو في حسابات التقاعد. هذه النسبة شهدت زيادة بمقدار 8 نقاط مئوية مقارنة بعام 2017، مما يعني أن الجزء الأكبر من هذه الثروات لا يمكن استخدامه بسهولة لتغطية النفقات أو الاستثمار.

يقول المستشار المالي أشتون لورانس من شركة ‘مارينر ويلث أدفايزرز’ إن لقب المليونير فقد معناه القديم، حيث كانت كلمة مليونير تعني سابقاً الثراء التلقائي، أما اليوم فهي إنجاز رمزي لا يكفي لمعظم الناس لتأمين حياة مريحة.

حتى بعد خصم الديون، نادراً ما يمتلك المليونير الأمريكي مليون دولار نقداً يمكنه التصرف فيه بحرية. بينما أولئك الذين يمتلكون ثروات تتراوح بين مليون ومليوني دولار، فإن معظم أموالهم عالقة في حسابات تقاعدية أو منازل رئيسية يصعب تسييلها دون تكاليف أو ضرائب باهظة.

يشير تحليل ‘بلومبيرغ’ إلى أن المليونيرات القادرين على الإنفاق بحرية هم فقط من تتجاوز ثرواتهم 5 ملايين دولار، حيث تبلغ نسبة الأصول السائلة لديهم نحو 24%، مقارنة بـ17% فقط لمن تقترب ثروتهم من المليون دولار.

هذه الأرقام تبين أن الفجوة بين الثراء الاسمي والثراء الحقيقي أصبحت واسعة، وأن الحرية المالية في زمن التضخم المرتفع تتطلب مضاعفة رأس المال عدة مرات لتأمين نفس مستوى المعيشة الذي كان متاحاً قبل عقدين.

وفقاً لبيانات مكتب الإحصاء الأمريكي، فإن متوسط الدخل السنوي للأسرة في الولايات المتحدة عام 2024 بلغ 83,730 دولاراً، بينما بلغ متوسط رصيد حسابات التقاعد 38,000 دولار فقط. وهذا يعني أن امتلاك مليون دولار لا يعني بالضرورة القدرة على التقاعد الآمن، بل مجرد انتقال إلى طبقة ميسورة متوسطة.

الاقتراض أصبح مكلفاً والسيولة نادرة

حتى وقت قريب، كان أصحاب المنازل والأصول قادرين على الاستفادة من ثرواتهم عبر الاقتراض بضمان العقار أو المحفظة الاستثمارية. لكن مع الارتفاع الحاد في أسعار الفائدة، أصبحت تكلفة الاقتراض باهظة. فقد بلغ متوسط الفائدة على خطوط ائتمان المنازل 7.89%، وفقاً لمعلومات ‘شاشوف’، مما يعني ضعف ما كانت عليه في عام 2022، بينما تبدأ قروض الهامش لدى شركات الوساطة الكبرى مثل ‘فيديليتي’ و’فانغارد’ و’تشارلز شواب’ من 10% إلى 11%.

تقول المستشارة المالية نيكول غوبويان ويريك من شركة ‘بروسبيريتي ويلث ستراتيجيز’: ‘عندما ترتفع أسعار الفائدة، وبغض النظر عن قيمة أصولنا، نشعر بانخفاض ثروتنا’. إذ أصبحت السيولة نادرة، والاقتراض لم يعد أداة مريحة، ما يجعل كثيراً من أصحاب الملايين ‘أثرياء بلا سيولة’.

قبل عقدين، كان التوسع في الائتمان عاملاً رئيسياً في شعور الأمريكيين بالثراء، أما اليوم، فقد أدت عودة أسعار الفائدة إلى مستوياتها المرتفعة إلى تقليص هذا الشعور بشكل جذري.

جيل جديد من المليونيرات الورقيين

يكشف تحليل ‘بلومبيرغ’ أن توزيع الثروة بين الأجيال المليونيرية ليس متكافئاً. حيث يحتفظ أصحاب الملايين من جيل طفرة المواليد (مواليد 1946 – 1964) بنحو 37% من ثرواتهم في حسابات التقاعد، بينما تبلغ هذه النسبة لدى جيل الألفية نحو 27% فقط، نتيجة دخولهم المتأخر لسوق العمل وضعف فرص الادخار.

يشير المستشارون الماليون إلى أن أصحاب الملايين من الأجيال الشابة نادراً ما يفكرون في التقاعد أو ترك وظائفهم، لأن التضخم وطول العمر وعبء الضرائب تجعل المليون دولار غير كافٍ للعيش على الدخل السلبي.

يضيف لورانس: ‘الناس اليوم بحاجة إلى حوالي عشرة ملايين دولار ليشعروا بنفس الأمان المالي الذي كان يوفّره مليون دولار قبل عشرين عاماً’. هذه الفجوة بين الأجيال تُظهر أن الثراء لم يعد مجرد رقم، بل منظومة مالية واستثمارية متكاملة تتأثر بالعمر والبيئة الاقتصادية وأسعار الفائدة والضرائب.

المليون لم يعد يشتري حياة الرفاه القديمة

قبل عشر سنوات فقط، كان امتلاك منزل كبير في نيويورك، وسيارتين فاخرتين، وتعليم جامعي لطفلين، ومنزل عطلات صغير، وقارب ترفيهي، يتطلب حوالي 1.4 مليون دولار. أما اليوم، فقد زادت التكلفة إلى أكثر من 2.1 مليون دولار، أي بزيادة تفوق 50%.

هذا التحول جعل نمط الحياة المترف الذي ارتبط تاريخياً بلقب ‘المليونير’ بعيد المنال حتى بالنسبة لأصحاب الملايين الجدد. فتكاليف التعليم، والتأمين الصحي، والسكن، والنقل، ارتفعت بوتيرة تفوق نمو الدخل، لتحوّل ‘الثروة المليونية’ إلى مجرد هامش أمان اقتصادي، لا وسيلة للرفاه.

يقول توماس مورفي، كبير المخططين الماليين في شركة ‘مورفي آند سيلفست لإدارة الثروات’، إن ‘الكثير من الشباب اليوم يشعرون بالإحباط لأنهم لا يستطيعون الوصول إلى مستوى المعيشة الذي عاشه آباؤهم، رغم أنهم يجنون مبالغ أكبر. فالمليون دولار لم يعد حلاً، بل نقطة انطلاق لمعادلة مالية معقدة’.

لم يعد مفهوم ‘الثراء’ مرتبطاً بحجم الثروة المسجلة، بل بقدرة الفرد على إدارة أصوله والسيولة المتاحة لديه في مواجهة تغيرات الاقتصاد العالمي. فالتضخم وأسعار الفائدة والضرائب كلها عوامل تجعل من المليون دولار اليوم أقرب إلى ‘ضمان بقاء’ لا إلى ‘رمز رفاه’.

أيضاً إن الارتفاع الكبير في تكاليف المعيشة وقيود تسييل الأصول جعل كثيراً من الأثرياء الجدد أقرب إلى فئة ‘الطبقة المتوسطة العليا’ أكثر من كونهم ضمن النخبة المالية. ومن دون سيولة كافية، تصبح الثروة مجرد رقم في دفتر مصرفي لا يعكس القوة الشرائية الحقيقية لصاحبها.

وفي النهاية، يبدو أن المليون دولار فقد مكانته كحلم ذهبي، وصار مجرد محطة في رحلة أطول نحو ‘ثراء واقعي’ يعتمد على إدارة المال لا على حجمه، مما يعكس بوضوح تحول بنية الاقتصاد العالمي، حيث لم يعد الثراء مسألة أرقام، بل مسألة كفاءة واستدامة.


تم نسخ الرابط