تتجه العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وأمريكا نحو التوتر بعد تهديدات ترامب بفرض رسوم جمركية على الدول الأوروبية دعمًا لغرينلاند، مما أثار ردودًا سياسية حادة. وصفت بعض القيادات الأوروبية سلوك ترامب بالابتزاز والترهيب، مشيرين إلى أن هذا يتجاوز الأعراف الدبلوماسية. التوترات تهدد اتفاق التجارة الذي كان يُعتقد أنه سيخفف الصراعات، وظهرت دعوات لتعليقه. وزراء في ألمانيا وفرنسا وهولندا أبدوا مواقف صارمة، مؤكدين عدم الخضوع للضغوط الأمريكية. التحذيرات من بروكسل تشير إلى إمكانية وقوع أزمة أكبر قد تؤثر بشكل دائم على العلاقات الأوروبية-الأمريكية.
تقارير | شاشوف
العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة تتجه نحو مرحلة من التوتر الشديد، بعد أن أثارت تهديدات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية مشددة على الدول الأوروبية التي تدعم غرينلاند موجة غير مسبوقة من ردود الفعل السياسية الحادة في العديد من العواصم الأوروبية. لم تعد القضية مجرد خلاف تجاري أو مفاوضات اقتصادية، بل تحولت إلى مواجهة واضحة بشأن مبدأ السيادة وحدود الضغط الأمريكي على حلفائه.
الجدير بالذكر أن رد الفعل من الجانب الأوروبي جاء هذه المرة بلهجة نسبية موحدة، اتسمت بشفافية غير مألوفة في وصف سلوك الولايات المتحدة. حيث استخدم عدد من القادة والوزراء الأوروبيين كلمات مثل “ابتزاز” و”ترهيب”، مشيرين بوضوح إلى أن تصرفات ترامب تتجاوز الأعراف الدبلوماسية التقليدية، مما يهدد أسس الشراكة عبر الأطلسي.
في هذا الإطار، أصبح الاتفاق التجاري بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، الذي أبرمته المفوضية الأوروبية مع ترامب الصيف الماضي، رهينة لهذا التصعيد السياسي. الاتفاق الذي كان يُنظر إليه كوسيلة لتخفيف التوتر التجاري، أصبح اليوم أداة ضغط في يد الأوروبيين، خاصة مع تزايد الدعوات داخل البرلمان الأوروبي لتعليقه أو تعطيله.
قضية غرينلاند، المنطقة الدنماركية ذات الحكم الذاتي، أصبحت رمزا لمواجهة أوسع بين أوروبا وإدارة ترامب، مواجهة لا تتعلق فقط بجزيرة في القطب الشمالي، ولكن بمستقبل العلاقات بين الحلفاء، وحدود استخدام الاقتصاد كسلاح سياسي.
اتهامات مباشرة: “لن نخضع للابتزاز”
كانت أشد التصريحات الأوروبية من برلين، حيث أعلن وزير المالية الألماني ونائب المستشار لارس كلينغبايل بوضوح أن ألمانيا وشركاءها الأوروبيين “لن يخضعوا لابتزاز ترامب”. هذا الموقف جاء كرسالة سياسية مباشرة تعكس حجم الغضب داخل أكبر اقتصاد في أوروبا.
كلينغبايل أكد أن بلاده ستظل منفتحة على الحوار مع الولايات المتحدة وإيجاد حلول مشتركة، غير أنه رسم خطا فاصلا عند الحديث عن استخدام الرسوم الجمركية كوسيلة ضغط مرتبطة بقضايا سيادية. الرسالة كانت واضحة: الشراكة لا تعني الخضوع، والتحالف لا يبرر القبول بالإملاءات.
من جهته، جاء موقف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بتصريحات لا تقل حدة، حيث وصف تهديدات ترامب بخصوص غرينلاند بأنها “غير مقبولة”، مؤكدًا أن أوروبا لن تستسلم لأي ترهيب، سواء كان يتعلق بأوكرانيا أو غرينلاند أو أي موضوع سيادي آخر. وبيّن أن رد الفعل الأوروبي، في حال تأكيد تلك التهديدات، سيكون موحدًا ومنسقًا.
هذا الخطاب الفرنسي يعكس قناعة متزايدة داخل أوروبا بأن التهاون مع هذا النوع من الضغوط قد يفتح المجال لمطالب أمريكية أكثر تطرفاً في المستقبل، ويقوض فكرة الاستقلالية في القرار الأوروبي.
هولندا وغرينلاند: وصف مباشر للضغط الأمريكي
في أمستردام، تجاوز وزير الخارجية الهولندي ديفيد فان فيل ذلك، واصفًا تصرفات ترامب بشكل مباشر بأنها “ابتزاز”. وأكد أن ربط قضية غرينلاند بالتجارة لا يخدم مصالح الناتو ولا استقرار المنطقة، بل يضعف الثقة بين الشركاء الغربيين.
أوضح الوزير الهولندي أن الوجود الأوروبي في غرينلاند، بما في ذلك المشاركة في تدريبات الناتو، كان يهدف لإظهار الاستعداد الجماعي للدفاع عن هذا الإقليم، وليس لاستفزاز الولايات المتحدة. واعتبر استخدام الرسوم الجمركية كرد على هذا الدعم أمرًا يعكس منطقًا تصعيديًا خطيرًا.
وفي ذات السياق، عبرت حكومة غرينلاند عن تقديرها العلني للدعم الأوروبي. وذكرت وزيرة الأعمال والطاقة والمعادن في حكومة غرينلاند، نايا ناتانيلسن، أن الإقليم يمر بــ “أوقات استثنائية تستلزم الاحترام والشجاعة”. هذا التصريح يحمل دلالات سياسية واضحة تعكس أن غرينلاند تعتبر الموقف الأوروبي دعماً أساسياً في مواجهة الضغوط الأمريكية.
بينما يصر ترامب على أن أمريكا لن تقبل بأقل من الملكية الكاملة للجزيرة، يستمر قادة الدنمارك وغرينلاند في التأكيد على أن الإقليم ليس للبيع، وأن أي محاولة لفرض هذا الخيار من خلال الضغط الاقتصادي مرفوضة بالكامل.
تحذيرات من بروكسل: “دوامة تراجع خطيرة”
في بروكسل، اتخذت التحذيرات طابعًا مؤسسيًا. فقد حذرت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، بالإضافة إلى رئيس المجلس الأوروبي، من أن تهديدات ترامب قد تقود بالعلاقات عبر الأطلسي إلى “دوامة تراجع خطير”. وأكدا أن الرسوم الجمركية المرتبطة بقضية غرينلاند تقوض الثقة، وتضعف قدرة الجانبيين على التعاون في مسائل دولية أكثر حساسية.
فون دير لاين شددت على أن أوروبا ستظل متحدة ومنسقة في ردها، وأن الدفاع عن سيادة الدول الأعضاء ومناطقها ليس قابلًا للمساومة. هذه المواقف تعكس تحولاً في نبرة المفوضية، التي كانت تفضل سابقًا التهدئة والحلول الوسط في التعامل مع واشنطن.
التحذير الأوروبي لم يكن اقتصاديًا فقط، بل سياسيًا وأمنيًا أيضًا. فبروكسل ترى أن الربط بين التجارة وقضية غرينلاند يهدد أسس التحالف الغربي، خاصة في وقت تواجه فيه أوروبا تحديات أمنية متزايدة على حدودها الشرقية والشمالية.
عقد سفراء دول الاتحاد الأوروبي اجتماعًا طارئًا لمناقشة الرد على التهديدات الأمريكية، مما يعكس إدراكًا جماعيًا بأن الأزمة لم تعد تحتمل التأجيل أو العلاج الجزئي.
اتفاق التجارة في مرمى النيران السياسية
مع هذا التصعيد، بات اتفاق التجارة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة مهددًا بشكل غير مسبوق. تصريحات مانفريد فيبر، رئيس حزب الشعب الأوروبي، بأن الاتفاق “لم يعد ممكنًا في هذه المرحلة”، شكلت نقطة تحول سياسية، حيث تمثل حزبه أكبر كتلة في البرلمان الأوروبي.
فيبر أكد أن دعم حزبه للاتفاق كان قائمًا على مبدأ الشراكة، لكنه تلاشي مع تهديدات ترامب بشأن غرينلاند. وطالب بتعليق خفض الرسوم الجمركية على المنتجات الأمريكية، مما يعكس استعدادًا أوروبيًا لاستخدام الأدوات الاقتصادية كرد على الضغط السياسي.
هذا الموقف يعزز احتمال تشكيل تحالف عريض داخل البرلمان الأوروبي، يجمع بين اليمين واليسار، لعرقلة الاتفاق أو تأجيله إلى أجل غير مسمى. وهو تطور يعكس أن الغضب من سلوك ترامب لم يعد مقتصرًا على تيار سياسي محدد.
مع توسيع الرسوم الأمريكية بنسبة 50% على الصلب والألمنيوم لتشمل مئات المنتجات الأوروبية، أصبح ينظر إلى الاتفاق بشكل واسع باعتباره غير متوازن، بل وربما أداة لاستمرار الضغط الأمريكي بدلاً من احتوائه.
تصريحات القادة الأوروبيين في الأيام الماضية تمثل تحولاً نوعيًا في العلاقات مع أمريكا، حيث انتقل الخطاب من التحفظ الدبلوماسي إلى الوصف الصريح لسلوك ترامب على أنه ابتزاز. هذا التحول يعكس إحساسًا أوروبياً متزايدًا بأن الصمت أو التهدئة لم يعودا خيارين مجديين.
قضية غرينلاند أصبحت اختبارًا لقدرة أوروبا على الدفاع عن سيادتها ومبادئها في مواجهة حليف تاريخي يستخدم أدوات اقتصادية كوسائل ضغط سياسية. والردود الأوروبية تشير إلى أن الاتحاد أصبح أكثر استعدادًا لتحمل كلفة المواجهة، حتى وإن كان ذلك على حساب اتفاق تجاري كبير.
في النهاية، لا تبدو الأزمة مرشحة للحل السريع. فإذا استمرت إدارة ترامب في ربط التجارة بقضايا السيادة، فإن اتفاق التجارة قد يكون مجرد ضحية أولى في مسار تصعيد أوسع، قد يعيد تشكيل طبيعة العلاقة بين أوروبا وأمريكا لسنوات قادمة.
تم نسخ الرابط
