عودة حركة الملاحة في البحر الأحمر تكشف أزمة ‘زيادة العرض’ وتدفع شركات الشحن نحو عام من الخسائر المالية – شاشوف

عودة حركة الملاحة في البحر الأحمر تكشف أزمة زيادة العرض


تواجه صناعة الشحن البحري العالمية أزمة كبيرة بحلول عام 2026، حيث تتدهور هوامش الربح بمواجهة زيادة غير مسبوقة في السعة بسبب عودة الملاحة عبر قناة السويس. تشهد الشركات الكبرى مثل ‘ميرسك’ و’هاباغ-لويد’ انخفاضًا حادًا في الأرباح، مما يؤذن ببداية دورة انكماش مالي. تشير التوقعات إلى تراجع الطلب العالمي وزيادة فائض العرض، ما يؤدي لخفض الأسعار بشكل حاد. في خضم ضغوط اقتصادية وجيوسياسية، تبدو الاستراتيجية السائدة هي ‘الانتظار والترقب’، مما يختبر قوة سلاسل التوريد وقدرة الشركات على التكيف مع تغيرات السوق المتقلبة.

أخبار الشحن | شاشوف

تواجه الصناعة العالمية للشحن البحري تحولاً كبيراً مع اقتراب عام 2026، حيث تحولت التوقعات الإيجابية بشأن الأمان في البحر الأحمر إلى تحديات اقتصادية تهدد ربحية الشركات الكبيرة. فرغم أن سلاسل التوريد تأمل في استقرار مضيق باب المندب، تجد شركات الشحن نفسها في خضم أزمة؛ إذ يؤدي تقصير مسافات الرحلات بسبب العودة إلى قناة السويس إلى زيادة فورية في السعة المعروضة، في وقت تعاني فيه الأسواق من فائض غير مسبوق في السفن الجديدة، مما ينذر بنهاية فترة الأرباح القياسية وبدء دورة انكماشية حادة.

تشير التوقعات المالية العميقة التي تتبعها “شاشوف” إلى أن العام الحالي سيشهد تراجعاً كبيراً في أرباح قادة هذا القطاع، مثل “إيه بي مولر-ميرسك” الدنماركية و”هاباغ-لويد” الألمانية، بالإضافة إلى الأسماء الكبيرة في آسيا مثل “نيبون يوسن” اليابانية والكيانات الصينية الكبيرة.

يأتي هذا التشاؤم بعد عام 2025 الذي شهد تقلبات في السياسات الجمركية، ليكون عام 2026 هو تحديداً “عام التصحيح القاسي”؛ حيث ستصطدم الزيادة الكبيرة في السعة التشغيلية بطلب عالمي ضعيف، مما قد يجبر الشركات على الدخول في منافسة أسعار قد تدفع بالشحن إلى مستويات التكلفة أو ما دونها، خاصة مع تلاشي “علاوة المخاطر” التي كانت تبرر الأسعار المرتفعة خلال أزمة الإبحار حول أفريقيا.

في إطار التحليل العام للسوق، يرى الخبراء أن العوامل التي دعمت القطاع خلال العامين الماضيين قد تحولت ضده؛ فأسطول السفن العالمي الذي توسع بشكل مفرط استجابة لطفرات ما بعد الجائحة أصبح الآن عبئاً ثقيلاً. وتشير البيانات إلى أن استئناف الملاحة عبر البحر الأحمر سيقلل من الحاجة لاستيعاب السعة الفائضة المطلوبة لطرق رأس الرجاء الصالح، مما يعني إدخال ملايين الحاويات الفارغة إلى سوق يفتقر للبضائع الكافية لملئها، وهو ما اعتبره محللون اقتصاديون صدمة عرض تقليدية ستؤدي حتماً إلى تآكل الإيرادات التشغيلية لشركات الملاحة التي لم تتخذ تدابير وقائية كافية لذلك السيناريو.

فائض السعة الهيكلية.. الطوفان الذي يغرق الأسعار

تظهر الإحصاءات وجه الأزمة الهيكلية التي يواجهها القطاع، حيث يشير كينيث لو، المحلل في “بلومبيرغ إنتليجنس”، إلى أن شركات الشحن قد بالغت في تقدير نمو التجارة العالمية، مما أدى إلى زيادة قياسية في سعة السفن الجديدة وفق قراءة شاشوف بنسبة 36% خلال الفترة من 2023 إلى 2027.

هذه السفن الجديدة، التي تم طلبها خلال ذروة أرباح الجائحة، تدخل الخدمة بالتزامن مع توقعات بانكماش الطلب الفعلي على شحن الحاويات بنسبة 1.1% في عام 2026 في حال العودة الكاملة لمسار البحر الأحمر، مما يخلق فجوة ضخمة بين العرض والطلب لا يمكن سدها سوى من خلال تخفيضات حادة في أسعار الشحن.

وقد بدأت هذه الضغوط التطبيقية تظهر بوضوح، حيث سجلت مؤشرات الشحن الفورية تراجعاً ملحوظاً، وانخفض مؤشر أسعار الحاويات “دروري العالمي” الذي تتابعه شاشوف أسبوعياً بنسبة 4.7% ليصل إلى 2107 دولارات للحاوية النموذجية في نهاية يناير، وهو مؤشر ينذر بمزيد من التراجع.

يرى محللو “بنك أوف أمريكا” أن عودة السفن لممر قناة السويس ستفاقم “أزمة فائض السعة” بشكل يصعب على السوق استيعابه، متوقعين أن تضطر شركات كبرى مثل “ميرسك” لإصدار تحذيرات حول الأرباح وخفض برامج إعادة شراء الأسهم بنسبة تصل إلى 50%، مما يعكس الانتقال من وضعية الاستثمار الهجومي إلى الوضع الدفاعي لغرض الحفاظ على السيولة.

ورغم تفاؤل بعض المحللين في “سيتي جروب” بارتفاع مؤقت مدفوع بحاجة الاقتصادات الغربية لتجديد المخزونات في النصف الأول من 2026، تظل النظرة العامة سلبية. فتكدس الموانئ الأوروبية نتيجة وصول السفن عبر القناة قد يدعم الأسعار لفترة قصيرة، لكن بنك “إتش إس بي سي” يحذر من أن هذا الدعم غير مستدام، ومتوقعاً انخفاضاً إضافياً في الأسعار بنسبة 10%، مما قد يدفع شركات كبيرة كانت تحقق أرباحاً كبيرة قبل عامين للتسجيل بخسائر تشغيلية صافية لأول مرة منذ عام 2017، مما يضع إدارات تلك الشركات تحت ضغط هائل من المساهمين.

الضبابية الجيوسياسية ومعضلة القرار الاستراتيجي

على الجانب التشغيلي، تعاني غرف عمليات شركات الشحن من حالة من عدم الاستقرار الاستراتيجي غير المسبوق؛ فقرار العودة للبحر الأحمر ليس مجرد مسألة لوجستية، بل هو مقامرة أمنية ومالية معقدة. بينما بدأت “ميرسك” بتنفيذ رحلات تجريبية ناجحة مشيرة إلى رغبة في اعادة الوضع إلى طبيعته، تراجعت شركات أخرى مثل “سي إم إيه سي جي إم” الفرنسية عن قرارات سابقه، مما يعكس انقساماً في تقييم المخاطر. يؤكد محللو “درويري” أن شركات الشحن الكبرى تتوخى الحذر الشديد، مع إدراكهم أن أي هجوم جديد أو تحول مفاجئ في الوضع الأمني قد ينسف الخطط التشغيلية بين ليلة وضحاها، مما يجعل التخطيط بعيد المدى أمراً صعباً في ظل هذه الظروف.

لا تقتصر التحديات على الشركات الغربية فقط، بل تشمل أيضاً عمالقة الشحن في آسيا، حيث تواجه شركات مثل “نيبون يوسن” والتحالف الياباني “أوشن نتوورك إكسبريس” ضغوطاً مضاعفة. ومع وجود فائض في العرض، هناك أيضاً حالة من عدم اليقين بشأن مستقبل العلاقات التجارية بين أمريكا والصين، واستمرار سياسات فك الارتباط الاقتصادي.

على الرغم من أن التجارة البينية في آسيا توفر نوعاً من الأمام بسبب استقرار الطلب الإقليمي، إلا أن تعرض هذه الشركات للخطوط العابرة للمحيط الهادئ وأوروبا يعرضها لخسائر ملحوظة، كما ظهر في نتائج الربع الثالث لشركة “ONE” التي سجلت خسائر صافية وفقاً لما جاء في تقرير شاشوف، مشيرة بشكل واضح لزيادة عدد السفن وتباطؤ الحركة التجارية.

في ظل هذا المشهد القاتم، يبدو أن استراتيجية “الانتظار والترقب” هي السائدة، حيث يفضل أصحاب البضائع الثمينة الاستمرار في تحمل فترات عبور أطول حول رأس الرجاء الصالح بدلاً من المخاطرة ببضائعهم في ممرات غير آمنة.

هذا السلوك الدفاعي من قبل العملاء يضيف طبقة أخرى من التعقيد أمام شركات الشحن التي تحاول التوازن بين تشغيل سفنها الجديدة بكفاءة والاستجابة لمخاوف العملاء، مما يجعل عام 2026 اختباراً حقيقياً لمرونة سلاسل التوريد العالمية وقدرة الشركات على التكيف مع واقع اقتصادي وجيوسياسي يتسم بالتقلب.

تبدو صناعة الشحن البحري الآن تواجه فاتورة التفاؤل المبالغ فيه الذي ساد خلال فترة الجائحة، حيث أدت الأرباح التاريخية إلى قرارات استثمارية كبيرة بزيادة الأسطول دون تدابير وقائية كافية لدورة الانكماش المحتومة. إن تزامن استئناف الملاحة في البحر الأحمر مع زيادة تسليم السفن الجديدة يخلق وضعاً يشبه “العاصفة المثالية” التي ستجبر القطاع للدخول في سلسلة من الاندماجات والاستحواذات، أو إخراج السفن القديمة من الخدمة بوتيرة أسرع مما كان مخططاً له في محاولة لاستعادة التوازن بين العرض والطلب، في غياب أي محفزات حقيقية لنمو التجارة العالمية.

علاوة على ذلك، فإن الاعتماد على الاضطرابات الجيوسياسية كوسيلة لدعم الأسعار أثبت عدم استدامته. يتجه السوق نحو تصحيح سعري حاد سيكشف الشركات القوية مالياً من تلك التي تعتمد على الظروف الطارئة.

ومع استمرار الضغوط التضخمية وضعف النمو في الاقتصادات الكبرى، فإن عام 2026 لن يكون مجرد عام صعب، بل قد يكون نقطة تحول رئيسية لإعادة تشكيل التحالفات البحرية العالمية، وفرض واقع جديد يتطلب الكفاءة والمرونة في إدارة التكاليف والأزمات.


تم نسخ الرابط