ضغط أكبر من العقوبات التقليدية: إدارة ترامب تسعى لتفكيك كوبا عبر الصدمة الاقتصادية – شاشوف

ضغط أكبر من العقوبات التقليدية إدارة ترامب تسعى لتفكيك كوبا


تتبنى إدارة ترامب استراتيجية جديدة تجاه كوبا تركز على تقويض النظام بدلاً من الضغط الاقتصادي التقليدي. تهدف هذه الاستراتيجية إلى خلق أزمة داخلية تعكس فشل الحكومة. وزير الخارجية ماركو روبيو أشار إلى أن المشكلة تتعلق بطبيعة النظام، مطالبًا بتغيير القيادة. تركز الضغوط الأمريكية على قطاع الطاقة، مما أدى إلى انهيار الشبكة الكهربائية، مما يتسبب في معاناة يومية للكوبيين. في ظل هذه الأزمات المتكررة، تسعى واشنطن لتفكيك ثقة الشعب بالنظام، وهو ما يفتح المجال لتغييرات سياسية محتملة بينما تشهد كوبا صراعًا بين ضغوط خارجية وأزمات داخلية.

الاقتصاد العالمي | شاشوف

يبدو أن إدارة ترامب قد انتقلت من استراتيجية الاحتواء والعقوبات إلى نهج أعمق يستهدف الهيكلية السياسية في “كوبا”. فعوضاً عن الاكتفاء بالضغط الاقتصادي التقليدي، تسعى واشنطن إلى خلق بيئة داخلية تعاني، تُبرز عجز الدولة وتدفع المجتمع تدريجياً للبحث عن بدائل سياسية.

يرتبط ذلك بخطاب سياسي يربط بين فشل الاقتصاد الكوبي وبنية النظام الحاكم، مما يعكس توجهاً أمريكياً لإعادة تعريف الأزمة باعتبارها “أزمة نظام” وليس مجرد أزمة موارد. ووفقاً لمتابعات “شاشوف”، يتصدر وزير الخارجية الأمريكي “ماركو روبيو” هذه الاستراتيجية.

ماركو أشار، في تصريحات حديثة، إلى أن الحكومة الكوبية غير قادرة على إصلاح اقتصادها، واعتبر أن “المشكلة تكمن في طبيعة النظام نفسه وليس في السياسات”. وقد دعا بشكل صريح إلى استبدال الحكومة الحالية بـ “أشخاص جدد”. كما تضمّنت تصريحاته رسائل تحذيرية، بقوله: “لو كنت أعيش في هافانا وأعمل في الحكومة الكوبية، لكنت قلقاً للغاية”، مما يُقرأ كدليل على اقتناع الإدارة الأمريكية بأن النظام الكوبي بات في وضع هش.

يتزامن هذا الخطاب مع تصريحات ترامب التي ذهبت أبعد، إذ قال إنه قد يُعتبر الشرف في تولي زمام الأمور في كوبا، مُضيفاً: “طوال حياتي، كنت أسمع عن الولايات المتحدة وكوبا. متى ستقوم الولايات المتحدة بذلك؟ أنا واثق من أنني سأشعر بالفخر لتولي كوبا. إنها شرف كبير”.

وفي بداية مارس الجاري، قال ترامب إن “كوبا تمر بلحظاتها الأخيرة”، متوقعاً “تغييراً كبيراً” في النظام الشيوعي، مضيفاً: “سأهتم بكوبا” ومشيراً إلى احتمال إجراء مفاوضات بهدف الوصول إلى “اتفاق” وفق الإملاءات الأمريكية.

الطاقة كسلاح استراتيجي: خنق تدريجي للاقتصاد

تظهر هذه الاستراتيجية عملياً من خلال استهداف قطاع الطاقة، الذي يعد شريان الحياة للاقتصاد الكوبي. إذ أدت القيود الأمريكية المشددة على إمدادات الوقود (الحظر النفطي الشامل)، وخصوصاً الإمدادات القادمة من فنزويلا، إلى اختناق حاد في نظام الكهرباء.

وصلت الأزمة إلى ذروتها بانهيار كامل للشبكة الكهربائية الوطنية، مما أدى إلى انقطاع التيار عن حوالي 10 ملايين شخص في مختلف أنحاء البلاد، وفقاً لمتابعات “شاشوف” يوم الاثنين. ويعتبر هذا الانقطاع الثالث في غضون أربعة أشهر، مما يدل على هشاشة البنية التحتية وتفاقم أزمة الوقود.

رغم إعلان السلطات الكوبية إعادة ربط أجزاء واسعة من الشبكة، من أقصى الغرب في بينار ديل ريو إلى هولغين شرقاً، وإعادة تشغيل محطة “أنطونيو غويتراس” النفطية، إلا أن هذه الخطوات لم تؤدِّ إلى سوى تحسن جزئي. فلا تزال مدن كبرى مثل سانتياغو دي كوبا خارج الخدمة مؤقتاً، بينما عادت الكهرباء إلى نحو نصف العاصمة هافانا فقط.

جاء الانقطاع الشامل تتويجاً لأزمة مستمرة منذ أشهر، حيث يعاني معظم الكوبيين من انقطاعات يومية تصل إلى 16 ساعة نتيجة نقص الوقود وتهالك محطات التوليد، وفقاً لتناولات “شاشوف”. ومع الانهيار الأخير، انخفضت قدرة الإنتاج الكهربائي إلى مستويات أدنى بكثير من الطلب، مما يعني أن استعادة الخدمة بشكل كامل قد تستغرق وقتاً طويلاً، في غياب حلول جذرية.

كما زادت الظروف الجوية من تعقيد الأزمة، حيث أدى الغطاء السحابي إلى تقليص إنتاج الطاقة الشمسية، التي تمثل نسبة مهمة من الكهرباء خلال النهار، مما يكشف عن محدودية البدائل المتاحة.

وتأثرت تفاصيل الحياة اليومية في كوبا بشكل مباشر من أزمة الكهرباء، حيث تعطلت سلاسل الإمداد الغذائية، وتراجعت قدرة السكان على حفظ المواد الغذائية، وواجهوا صعوبات في الحصول على المياه والخدمات الأساسية. يقول مواطنون كوبيون -وفق اطلاع شاشوف على رويترز- إن انقطاع الكهرباء يؤثر على جميع جوانب الحياة، ومع تفاقم الأزمة الناجمة عن الضغط الأمريكي تزداد الضغوط النفسية والاجتماعية على السكان الذين يعيشون في حالة ترقب مستمر.

وفي قلب هذه الأزمة تصاعدت حرب الروايات بين واشنطن وهافانا، حيث تصف الولايات المتحدة الانقطاع الكهربائي بأنه “عرض لفشل النظام” وتحمّل الحكومة الكوبية المسؤولية كاملة، بينما تؤكد الأخيرة أن ما يحدث هو نتيجة مباشرة للحصار الأمريكي وخنق إمدادات الوقود. تعكس هذه التصريحات المتباينة صراعاً حول ما إذا كانت الأزمة تؤكد انهياراً داخلياً، أم أنها نتيجة لضغط خارجي متعمد.

تفكيك تدريجي للثقة في النظام

تشير المعطيات إلى أن الاستراتيجية الأمريكية لا تعتمد فقط على الضغط الاقتصادي، بل تسعى إلى تفكيك الثقة الشعبية في النظام الكوبي. فاستمرار انقطاع الكهرباء وتعطل الخدمات وتراجع مستوى المعيشة، جميعها عوامل تساهم في تآكل شرعية الدولة من الداخل. ومع تكرار الأزمات، تصبح المهمة صعبة على الحكومة الكوبية لإقناع المواطنين بقدرتها على إدارة البلاد، مما يفتح الأبواب أمام سيناريوهات سياسية جديدة.

يحدث ذلك في ظل سياق إقليمي أوسع، خاصة بعد التحركات الأمريكية في فنزويلا التي أطاحت بنيكولاس مادورو المحتجز لدى أمريكا، وسيطرة الأخيرة على قطاع النفط الفنزويلي بالكامل. وقد أشار “روبيو” إلى هذا الربط، معتبراً أن كوبا تمثل الهدف القادم في استراتيجية إعادة تشكيل المنطقة.

يعزز هذا الترابط الانطباع بأن واشنطن تتبنى مقاربة متكاملة تجاه الأنظمة التي تصنفها كخصوم، تعتمد على مزيج من الضغط الاقتصادي والسياسي لإحداث تغييرات داخلية والإطاحة بالحكومات.

حتى الآن، لم تصل الأوضاع إلى انهيار شامل، إلا أن المؤشرات تدل على تآكل تدريجي في قدرة الدولة على الصمود. ومع غياب الحلول السريعة، قد يتحول تكرار الأزمات إلى عامل حاسم في إعادة تشكيل المشهد السياسي.

إن الأزمة الكوبية تتجاوز كونها مجرد خلل في قطاع الطاقة؛ فهي تعبير عن مواجهة استراتيجية بين نظام سياسي يحاول الصمود، وقوة دولية تسعى إلى تغيير وإعادة ترتيب الداخل الكوبي وفق أولويات أمريكية بحتة. وبينما ترفع واشنطن شعار “الإصلاح الاقتصادي”، تشير الوقائع إلى سياسة أعمق تستهدف خلخلة النظام عبر أدوات اقتصادية ضاغطة. في هذا المشهد، تبدو كوبا عالقة بين حصار خارجي وأزمة داخلية، حيث يتحول الاقتصاد إلى ساحة صراع، ويصبح مؤشراً على مواجهة أكبر بكثير من انقطاع التيار الكهربائي.


تم نسخ الرابط

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *