يواجه الاقتصاد اليمني تحديات كبيرة في ظل ضعف النظام المالي والاضطرابات السياسية. حكومة عدن تعمل على تنفيذ إصلاحات اقتصادية، رغم فقدان 70% من الموارد العامة وتزايد الفجوة بين احتياجات النقد الأجنبي وما هو متاح. هناك أزمة سيولة مع احتجاز النقود خارج الجهاز المصرفي، مما أدى إلى نقص حاد. ورغم تحسن سعر صرف الريال بنسبة 44% بسبب الإجراءات الأخيرة، فإن استقرار الاقتصاد يعتمد على دعم خارجي وتوحيد الجهود الحكومية لمواجهة شبكات المضاربة. وضعف الإيرادات يفرض الحاجة لتحرير سعر الدولار الجمركي، بينما يجب الالتزام بالتحسينات لمواجهة انعدام الأمن الغذائي.
الاقتصاد اليمني | شاشوف
في ظل هيكل اقتصادي هش وبيئة سياسية وأمنية معقدة، تواجه حكومة عدن تحديات كبيرة في تحقيق برنامج الإصلاحات الاقتصادية الذي بدأته مؤخراً. ورغم الإجراءات الأخيرة التي ساهمت في تنظيم السوق النقدية وضبط الاستيراد، فإن العراقيل والمشكلات المتعدد تعكس عمق الأزمة المدمرة التي تؤثر على المالية العامة والنظام المصرفي، في ظل فقدان أكثر من 70% من الموارد العامة وتزايد الفجوة بين احتياجات البلاد من النقد الأجنبي وما هو متاح.
بحسب مقابلة مع المستشار الاقتصادي في رئاسة الجمهورية “فارس النجار”، التي اطلع عليها المرصد الاقتصادي شاشوف، تقف الحكومة والبنك المركزي في عدن أمام مجموعة من التحديات المتداخلة، بدءاً من أزمة السيولة وانخفاض الإيرادات، مروراً بضعف الدورة النقدية في الاقتصاد، وصولاً إلى المعوقات الفنية والقانونية التي تهدد استدامة الإصلاحات.
من أبرز مظاهر الأزمة، كما يوضح النجار، أن الكتلة النقدية المتداولة في السوق بلغت حتى نهاية مارس 2025 حوالي 3.4 تريليونات ريال يمني. لكن هذه السيولة الكبيرة غير متواجدة في الجهاز المصرفي، بل محجوزة لدى شبكات الصرافة الكبرى والمضاربين، بالإضافة إلى مواطنين يحتفظون بالنقد بسبب الخوف وانعدام الثقة، مما أدى إلى شعور عام بوجود نقص كبير في النقد.
في ظل هذه الظروف، قرر بنك عدن المركزي تجنب التمويل التضخمي من خلال اللجوء إلى السحب على المكشوف أو استعمال احتياطات البنوك لتسديد الرواتب، خوفاً من انهيار جهود الإصلاح. وبدلاً من ذلك، استخدم أدوات الدين العام المحلي لامتصاص السيولة وتمويل الموازنة. هذا القرار، رغم تكلفته، حمى السوق من أزمة جديدة في سعر الصرف.
يقدر النجار أن الدولة فقدت أكثر من 70% من مواردها العامة، بما يعادل 1.6 مليار دولار، نتيجة توقف صادرات النفط الخام. أيضاً، ألزم البنك المركزي البنوك والصرافين بتوريد الفوائض من النقد الأجنبي وتحويلها إلى الريال، وأخذ على عاتقه شراء هذه الفوائض لتغطية تكاليف الاستيراد، في خطوة تهدف لتعزيز التعامل بالعملة المحلية وتقليل الطلب الزائف على الدولار.
أصبحت اللجنة الوطنية لتنظيم وتمويل الواردات الجهة الوحيدة المخولة بإدارة عمليات المصارفة التي تلبي احتياجات المستوردين، وهو ما شكل خطوة مهمة لضبط التدفقات النقدية. وفي حالة وجود أي فجوة في السيولة، يلتزم البنك المركزي بالتدخل المباشر.
سوق غير منضبط… شبكات مضاربة وتهريب تلتف على الإصلاحات
أوضح النجار أن جزءاً أساسياً من الإجراءات الأخيرة تمثل في فرض المعاملات المحلية بالريال بدلاً من العملات الأجنبية، ومتابعة شبكات المضاربة ومعاقبتها، إضافة إلى تنظيم صرف العملات. هذه الخطوات خفّضت الطلب غير الاستيرادي على الدولار، لكنها لم تقضِ على المشكلة بالكامل، بسبب هشاشة بنية السوق.
وفقا للمرصد الاقتصادي شاشوف، فإن استمرار وجود قنوات غير رسمية للمضاربة، والتفاف بعض التجار عبر الصرافين أو الحسابات الوسيطة أو الفواتير المزورة، يضعف فعالية الإجراءات الرسمية. دعا النجار إلى تجريم هذه الأنشطة وسحب تراخيص الجهات المتورطة وتحويلها إلى النيابة كونها جرائم اقتصادية.
كما أكد على ضرورة تشغيل الدورة النقدية داخل الاقتصاد، من خلال تعزيز الخزانة العامة، وتوريد جميع الإيرادات إلى الدولة، وصرف الرواتب والمدفوعات الحكومية عبر البنوك، وتقليص كلفة التحويلات، والاتجاه نحو المدفوعات الرقمية. فاستقرار النقد، كما يقول، لن يستمر إذا استمر الريال خارج البنوك.
وفي سياق آخر، حذر النجار من أن تشديد الرقابة على الاستيراد قد يؤدي إلى تعزيز عمليات التهريب ما لم تتعاون الأجهزة التنفيذية والرقابية. وطلب من وزارة الصناعة والتجارة إصدار نشرات سعرية أسبوعية للسلع الأساسية، ومراجعة هوامش الربح وربطها بفواتير الاستيراد، مشيراً إلى أن قانون التجارة الداخلية لعام 2006 يمنح الحكومة صلاحية تحديد تلك الهوامش.
عجز متفاقم… تحرير الدولار الجمركي على الطاولة
فيما يخص الموازنة العامة، قال النجار إن العجز المالي ارتفع بشكل ملحوظ بعد خسارة عائدات النفط، التي كانت تمثل نحو 70% من موارد الدولة. هذا العجز يلزم الحكومة بالمضي في إصلاحات إضافية، من ضمنها تحرير سعر الدولار الجمركي، الذي يعتبر وضعه الحالي غير منطقي ويخدم رجال الأعمال دون أن يصب في مصلحة المواطن.
أكد النجار أن استمرار تحسن سعر صرف العملة الوطنية واستقرار الأسعار سيساعد في هذا التوجه، رغم المخاوف من تأثيره على تكاليف السلع والخدمات. في السابق، كانت الإيرادات الضريبية والجمركية تصل إلى نحو تريليون ريال، لكن تراجعت إلى حوالي 600 مليار ريال بعد فتح ميناء الحديدة، مما قلص العائدات إلى النصف تقريباً.
تراجع الوضع الحالي للميناء، الذي يعاني من انخفاض في القدرات التشغيلية واحتمالات الإغلاق، يزيد من تعقيد مسألة الإيرادات. وفقاً لمصادر شاشوف، تتجه الحكومة لتعزيز الاستيراد عبر المناطق التي تسيطر عليها، وتثبيت استقرار سعر الصرف وأسعار السلع، تمهيداً لتحرير الدولار الجمركي وزيادة فعالية تحصيل الإيرادات.
بحسب تقديرات البنك المركزي وصندوق النقد الدولي، تتراوح فاتورة الواردات اليمنية ما بين 11.5 و14 مليار دولار سنوياً، بينما لا يتجاوز ما تحصل عليه البلاد من النقد الأجنبي 8 مليارات دولار، معظمها من تحويلات المغتربين (نحو 40%)، إضافة إلى صادرات غير نفطية ومساعدات خارجية. خلال فترة تصدير النفط، كانت الفجوة تصل إلى 2.2 مليار دولار، لكنها اتسعت الآن إلى 4.4 مليارات دولار بعد توقف التصدير، مما يزيد من الضغط على سعر الصرف.
أوضح النجار أن إصلاح نظام الاستيراد كان حتى الآن الخطوة الأهم، إذ ساهمت الإجراءات في تحسين سعر صرف الريال بنسبة 44%. لكنه شدد على أن هذا التحسن غير كافٍ لضمان الاستقرار النقدي ما لم يتم سد الفجوة التمويلية عبر دعم خارجي.
الاستقرار الاقتصادي ضرورة لكسب ثقة الدول المانحة والمؤسسات المالية الدولية. أشار النجار إلى أن الانتقال من الاعتماد على الصادرات النفطية إلى غير النفطية يتطلب وقتاً، في ظل صراعات سياسية واقتصاد هش. لذلك، تعتبر الحكومة أن بناء علاقة ثقة مع المانحين وتوظيف المساعدات بشكل فعال في مجالات الزراعة والبنية التحتية أمر ضروري.
كما أشار إلى مؤتمر قادم تنظمه الأمانة العامة لدول مجلس التعاون الخليجي حول الأمن الغذائي في اليمن، الذي تطمح الحكومة من خلاله للحصول على 2.4 مليار دولار لدعم مشاريع الأمن الغذائي. وقد تحدث عن جهود متقدمة للحصول على منحة أو وديعة مالية لتغطية الالتزامات الأساسية.
أبرز المعوقات، كما ذكر النجار، تكمن في البيئة المعقدة التي تعمل فيها الحكومة، حيث تتعدد مراكز القوى وتضعف المؤسسات. هذا الواقع يجعل مسار الإصلاحات شاقاً وصعباً، وينبغي الاحتفاظ بأية خلافات بين الحكومة والبنك المركزي تحت الضوء. وأكد أن الاختلاف في وجهات النظر أمر طبيعي يُعالج عبر الأطر المؤسسية، لكنه حذّر من استغلال هذه التباينات لبث الشائعات التي تضر بالثقة.
أدت الانهيارات السابقة في سعر صرف العملة الوطنية إلى تدهور القوة الشرائية للمواطنين وارتفاع معدلات الفقر، حيث يحتاج 21 مليون يمني إلى مساعدات عاجلة، ويعيش 17 مليوناً في مستوى انعدام الأمن الغذائي العالي، من بينهم 6 ملايين يقتاتون على وجبة واحدة يومياً، وفق بيانات برنامج الغذاء العالمي. هذه الظروف زادت من وعي القوى السياسية بأهمية الاستمرار في الإصلاحات وعدم التراجع.
تواجه حكومة عدن اليوم مفترق طرق حاسم بين تعزيز ما تحقق من إصلاحات أو العودة إلى دوامة الانهيار النقدي والمالي. فإن نجاح الخطوات الحالية لا يعتمد فقط على أدوات البنك المركزي أو القرارات الفنية، بل يعتمد أيضاً على قدرة الحكومة في توحيد الجبهة المؤسسية، وكسر هيمنة شبكات المضاربة، وضمان تدفق الموارد إلى الخزانة العامة.
بينما يبقى الدعم الدولي عاملاً مهماً لسد الفجوة التمويلية وتثبيت الاستقرار النقدي. وفي ظل هذه المعادلة الحساسة، سيكون أي تردد أو انقسام داخلي إشارة سلبية قد تعيد السوق إلى نقطة الصفر.
تم نسخ الرابط
