تحول قطاع غزة إلى منطقة كارثية بفعل الأمطار الغزيرة التي أغرقت مخيمات النازحين، وسط نقص حاد في الوقود والمعدات الإنقاذ. يُقدّر أن تكلفة إعادة الإعمار تزيد عن 70 مليار دولار، مع انكماش الاقتصاد بنسبة 87% خلال 2023-2024. رغم وجود مبادرات إنسانية مثل ‘سيارة الأمل’، تبقى الجهود محدودة. فشلت ‘مؤسسة غزة الإنسانية’ في تقديم المساعدات بأمان، مما زاد من معاناة المدنيين. يعاني سكان غزة من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وتتطلب إعادة بناء شامل وتعاون دولي. الوضع يزداد سوءًا، مما يجعل الأمل في التعافي أمرًا بعيد المنال.
تقارير | شاشوف
في قطاع غزة، تحولت مناطق النزوح إلى برك من المياه والطين نتيجة الأمطار الغزيرة، وخصوصاً في منطقة المواصي بمدينة خان يونس جنوبي القطاع. وغرقت عشرات الخيام التي تؤوي النازحين الذين دُمرت منازلهم خلال الحرب الإسرائيلية، وتطايرت خيام أخرى بفعل الرياح، مما ساهم في تفاقم أوضاع مئات الآلاف من النازحين.
وهذا ليس سوى مشهد واحد من مشاهد عديدة مؤلمة داخل القطاع حسب متابعات شاشوف. وحذّر الدفاع المدني من خطورة الوضع، مشيراً إلى أن الأمطار قد تؤدي إلى انهيارات إضافية في المباني المتصدعة، في وقت تعاني فيه فرق الإنقاذ من نقص كبير في الوقود والمعدات الثقيلة، مما يهدد استمرار عمليات الإنقاذ والتدخل الإنساني.
وقال الدفاع المدني إن الكارثة الإنسانية وشيكة مع استمرارية تأثير المنخفض الجوي الذي يضرب القطاع، والذي أدى إلى غرق العديد من خيام النازحين وسط نقص حاد في الوقود ومعدات الإنقاذ، مما يهدد بتوقف عمليات التدخل الإنساني في أي لحظة. كما ذكر أن مضخات شفط المياه التي نجت من القصف الإسرائيلي أصبحت بلا وقود، وأن ما تبقى منها في انتظار إمدادها بالبنزين للتعامل مع السيول والبرك التي أغرقت مناطق واسعة من مخيمات النزوح، في حين تحتاج فرق الإنقاذ إلى المعدات الثقيلة للتعامل مع الانهيارات المحتملة.
وفي ظل هذه الظروف، أصبحت التنقلات داخل المخيمات شبه مستحيلة، وتعرضت ممتلكات السكان للخطر، بينما يعاني الأطفال وكبار السن من البرد ونقص الأغطية والملابس الشتوية ووسائل التدفئة.
نتيجة لتدمير 92% من المباني السكنية في القطاع، اضطر غالبية المواطنين للنزوح إلى خيام لا توفر الحد الأدنى من الحماية، أو للبقاء في منازل متصدعة رغم خطر انهيارها، مما يجعل الوضع الإنساني أكثر تدهوراً وتعقيداً.
في هذا السياق الكارثي، واستمرار الحصار على المساعدات الداخلة إلى القطاع، أعلنت بعض المؤسسات عن مبادرات إنسانية لمساعدة الأطفال الفلسطينيين، أبرزها مشروع ‘سيارة الأمل’ الذي يهدف إلى تحويل سيارة البابا فرنسيس السابقة إلى عيادة متنقلة في غزة.
تشير التقارير إلى أن المشروع يركز على تقديم الرعاية الصحية للأطفال المتضررين من الحرب، ويشمل تشخيص الأمراض، والفحوصات السريعة، والحقن والعلاج الطبي. تأتي هذه المبادرة وسط حاجة ملحة للأطفال الذين يعانون من آثار الحرب على صحتهم الجسدية والنفسية، وتبرز الجهود المستمرة لدعم المجتمع المدني في غزة رغم القيود والحصار المستمر.
70 مليار دولار لإعادة البناء
في ظل هذه المخاطر التي يواجهها السكان، تقول وكالة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) في تقرير جديد اطلع عليه “شاشوف” إن إعادة إعمار غزة ستتطلب أكثر من 70 مليار دولار وقد تمتد لعقود طويلة. واعتبرت الوكالة أن العمليات العسكرية المستمرة أدت إلى ‘انهيار غير مسبوق’ في الاقتصاد الفلسطيني، حيث دُمرت ركائز البقاء الأساسية من الغذاء إلى المأوى والرعاية الصحية.
أكد التقرير أن حجم الدمار تسبب في أزمات متتالية اقتصادية وإنسانية وبيئية واجتماعية، أدت بالقطاع من حالة تراجع التنمية إلى حالة دمار كامل، وقد أظهرت الأرقام أن اقتصاد غزة انكمش بنسبة 87% خلال الفترة 2023-2024، ليصل نصيب الفرد من الناتج المحلي إلى 161 دولاراً فقط، وهو من بين أدنى المعدلات عالمياً.
أوصت أونكتاد بإطلاق خطة إنعاش شاملة تشمل المساعدات الدولية المنسقة، واستئناف التحويلات المالية، وتخفيف القيود على التجارة والتنقل والاستثمار، إضافة إلى تطبيق دخل أساسي طارئ شامل لكل فرد في غزة.
حتى مع الدعم الخارجي المتوقع، من المرجح أن يستغرق القطاع عقوداً لاستعادة مستويات الرفاه السابقة، مما يضع سكان غزة أمام مستقبل طويل من التحديات الاقتصادية والاجتماعية.
إنهاء نشاط “مؤسسة غزة” بعد قتل المئات
في إطار الحديث عن الوضع الإنساني الكارثي في قطاع غزة، انتهت عمليات ما تُسمى ‘مؤسسة غزة الإنسانية’ المدعومة من الولايات المتحدة وإسرائيل بعد ستة أشهر من نشاطها في أربعة مراكز للتوزيع.
تعرضت المؤسسة لانتقادات شديدة بسبب قتل مئات الفلسطينيين المجوَّعين أثناء محاولتهم الحصول على الطعام في مواقع التوزيع، حيث شهدت تلك المواقع فوضى وأعمال عنف أدت إلى وقوع ضحايا، غالبيتهم بنيران إسرائيلية.
أعلنت المؤسسة أن مهمتها ‘الطارئة’ انتهت بعد توزيع ثلاثة ملايين حزمة غذائية بما يعادل أكثر من 187 مليون وجبة، واعتُبر أنه يجب أن تتحمل المؤسسة المسؤولية عن الأضرار التي لحقت بالفلسطينيين. وأشارت الأمم المتحدة إلى أن أسلوب إدارة توزيع الأغذية من قبل المؤسسة، الذي تضمن نقل الأشخاص إلى مناطق خاضعة للسيطرة العسكرية، ينتهك المبادئ الإنسانية الأساسية من حياد واستقلالية وأمان.
مكتب الإعلام الحكومي في غزة اتهم، اليوم الثلاثاء، مؤسسة غزة الإنسانية بالضلوع في أخطر مخطط استهدف المدنيين الفلسطينيين عبر التجويع، مؤكداً وفق اطلاع شاشوف أنها تحولت من جهة توزيع مساعدات إلى غطاء إنساني زائف وواجهة تعمل ضمن المنظومة الأمريكية الإسرائيلية لاستدراج المدنيين إلى مواقع قتل جماعي.
أشار المكتب إلى أن إعلان مؤسسة غزة الإنسانية وقف عملها في نقاط توزيع المساعدات لم يكن مفاجئاً، وأنها تورطت بشكل مباشر في الاستدراج المنهجي للمدنيين المجوَّعين إلى مصائد موت منظمة تم التخطيط لها بعناية.
الأزمة الكارثية مركّبة: بين الحصار والدمار والفشل الإغاثي
يظهر الوضع في غزة اليوم أزمة إنسانية مركبة تجمع بين عوامل طبيعية كالأمطار والسيول، وأخرى بشرية ناتجة عن الحروب والتدمير الاقتصادي والسياسات الإغاثية الفاشلة. إن تدمير البنية التحتية بنسبة 92%، والتحديات الاقتصادية الضخمة، ونقص الغذاء والوقود والدواء، كلها عوامل تجعل إعادة إعمار القطاع تحدياً يمدد لعقود.
في الوقت نفسه، تبقى المبادرات الإنسانية محدودة أمام حجم الكارثة. كما أن فشل مؤسسة “غزة الإنسانية” في تقديم المساعدات بشكل آمن ومنصف يعكس هشاشة النظام الإغاثي وتداخل السياسة بالقضية الإنسانية، مما يزيد من الضغوط على سكان القطاع ويهدد استقرار المجتمع على المدى الطويل.
بالمجمل، تتعرض غزة لوضع كارثي يدمّر قدرتها على التصدي أمام الطوارئ الطبيعية والإنسانية، بينما يحتاج الطريق نحو التعافي إلى تضافر جهود دولية واسعة النطاق، تتجاوز المساعدات المؤقتة وبيانات الإدانة السياسية العربية والإسلامية، لتشمل خطط إعادة بناء شاملة، وإصلاح النظام الاقتصادي، وضمان حقوق الإنسان الأساسية في الأمن والغذاء والصحة.
تم نسخ الرابط
