أعلنت حكومة عدن، بقيادة رئيس الوزراء سالم صالح بن بريك، عن حزمة تقشفية صارمة تشمل تقليص سفر الوزراء إلى الخارج، استجابة لارتفاع التحديات الاقتصادية. يأتي هذا في وقت يعاني فيه اليمن من انكماش اقتصادي شديد، وارتفاع أسعار الغذاء، وتدهور العملة. ورغم الخطوات المتخذة، لا تزال الكثير من الأسئلة حول النفقات الحكومية الكبرى والتقشف الجزئي قائمة، حيث لم يتناول بن بريك ملفات الرواتب والإكراميات للموظفين في الخارج. يواجه الشعب اليمني أزمة إنسانية خانقة، حيث يعتمد 80% منهم على المساعدات، مما يستدعي إصلاحات أعمق لمواجهة التحديات الاقتصادية المتزايدة.
الاقتصاد اليمني | شاشوف
في إجراء يُعتبر الأشد صرامة منذ سنوات، أعلن رئيس وزراء #حكومة_عدن، سالم صالح بن بريك، عن بدء تنفيذ حزمة جديدة من التدابير التقشفية، تشمل فرض قيود واسعة على سفر الوزراء وكبار المسؤولين إلى الخارج، في مسعى لاحتواء الانهيار الاقتصادي الذي يتسارع في مناطق سيطرة الحكومة.
يأتي هذا الإعلان في وقت اقتصادي يُعتبر حرِجاً، حيث يهدد الجوع ملايين اليمنيين، يعاني الاقتصاد من التدهور بسبب توقف صادرات النفط، واستنزاف الاحتياطيات، وضعف العملة، والفوضى المالية والإدارية المستمرة منذ سنوات.
وحسبما أفاد به شاشوف من وكالة رويترز، قال بن بريك إن ‘الزيادة غير المبررة في سفر الوزراء والمسؤولين للمشاركة في الفعاليات الخارجية لن تُسمح باستمرارها’، مشيراً إلى أن اللحظة الحالية تتطلب وجوداً حكومياً ثابتاً وفعّالاً في عدن لتعزيز وجود الدولة.
وأضاف: ‘سيتم تقليل السفر الخارجي إلى أدنى حد ممكن، ولا يُسمح بأي مشاركة خارجية إلا في حالات الضرورة القصوى وبعد تقييم العائد الوطني منها، وبموافقة مسبقة وواضحة، تتماشى مع أولويات الدولة وليس أولويات الأفراد’.
واستكمل: ‘ندرك أن الشعب يراقبنا، والتاريخ يسجل كل موقف وكل قرار، ولن نقبل أن تكون هذه الحكومة شماعة للأخطاء أو ذريعة للتقصير. سنظل نوافي شعبنا بالحقائق، ونعمل على تغيير الواقع بشكل حقيقي، لا بالإنكار أو التبريرات’.
ملفات مالية كبيرة خارج الحسابات
ورغم الحديث عن الحقائق وشدة الإجراءات، يُشير المتابعون إلى أن التقشف يقتصر فقط على السفر الخارجي، بينما تظل ملفات مالية ضخمة أخرى خارج النقاش العام، على الرغم من أنها تشكل عبئاً أكبر بكثير من تكلفة سفر الوزراء.
ومن بين تلك الملفات، ملف الإعاشة الشهرية التي تتجاوز قيمتها 12 مليون دولار شهرياً، تُخصص لمسؤولي وشخصيات وناشطي وإعلاميي الحكومة في الخارج، حيث لم يتطرق بن بريك إلى كشف تلك الإعاشة التي تناولها مرصد ‘شاشوف’ في تقارير سابقة.
كما أغفل الحديث عن مصاريف المسؤولين في الخارج والرواتب والإكراميات بالعملة الصعبة، ولم يُشر إلى المبالغ المصروفة لعشرات المسؤولين الموجودين في الخارج، سواء في الرياض أو القاهرة أو أبوظبي أو عمّان، الذين يتلقون رواتب بالدولار، وبدلات سكن، وإكراميات موسمية، ومكافآت مهام، وبدلات سفر دائم حتى خلال إقامتهم الطويلة خارج اليمن، كما أوردته شاشوف.
إن غياب أي إشارة إلى هذه البنود الجوهرية يجعل من التقشف يبدو وكأنه موجه نحو تحسين صورة الحكومة إعلامياً أكثر من كونه إصلاحاً مالياً شاملاً.
سياق اقتصادي مُتَشَدِّد: تراجع الموارد إلى أدنى المستويات
وفقاً لتقرير وكالة رويترز، تواجه الحكومة المدعومة من السعودية صعوبات مالية غير مسبوقة في تمويل رواتب القطاع العام، وتشغيل المرافق والبنية التحتية المتهالكة، وتأمين الخدمات الأساسية. ويعود ذلك إلى أسباب مترابطة، أبرزها توقف تصدير النفط منذ أكتوبر 2022، مما أدى إلى انخفاض ميزانية الحكومة بنحو 65 إلى 70%.
تشمل الأسباب أيضاً انخفاض قيمة العملة اليمنية في عدن ومناطق الحكومة، مما أسفر عن تضخم هائل، وارتفاع أسعار الغذاء بنسبة وصلت إلى 200% لبعض السلع، وتدهور القوة الشرائية للمواطنين إلى أدنى مستوياتها منذ الحرب، واستنزاف الاحتياطيات الأجنبية.
ولا يكفي الاحتياطي المتبقي لدى بنك عدن المركزي لتغطية واردات السلع الأساسية، ورواتب الموظفين، وتمويل نفقات الدولة التشغيلية.
ويؤكد تقرير رويترز أن الحرب التي دخلت عامها الحادي عشر أدت إلى تدمير الاقتصاد وانهِيار الخدمات الأساسية، واعتماد 80% من السكان (من أصل 35.6 مليون نسمة) على المساعدات. وتشير الوكالة إلى أن الوضع بات من الأسوأ عالمياً، حيث أصبح اليمن واحدة من أكبر مناطق الطوارئ الإنسانية المستمرة في العالم.
هل تكفي إجراءات بن بريك؟
رغم أن قرار تقليص سفر المسؤولين يبدو خطوة ضرورية، إلا أن حجم الأزمة أكبر بكثير مما يمكن لهذه الإجراءات الرمزية وقفها. فإجراءات التقشف غير شاملة، حيث لم تشمل خفض الرواتب العالية للمسؤولين، وإلغاء الإكراميات، ومراجعة بدلات السفر، وضبط ملفات الفساد، ومراجعة نفقات الإعاشة الشهرية، وإعادة هيكلة الدعم الخارجي الموجه للجهات السياسية.
ولم يُنشر حتى الآن أي بيانات حول الموازنة العامة، أو تقارير الإنفاق الفعلي، أو بنود الصرف الحكومي، أو كشوفات المساعدات والمنح الخارجية، مما يجعل قرارات التقشف الحالية تبدو أقرب إلى خطاب سياسي من كونها خطة مالية واضحة وفق تقديرات اقتصاديين.
وحسبما أفادت به ‘شاشوف’، فإن حكومة عدن لن تتمكن من مواجهة الركود المالي المتزايد، بسبب غياب رؤية اقتصادية شاملة لإنعاش الإيرادات وضبط المنافذ، في وقت لا يزال فيه المسؤولون عن عدد من المنافذ يرفضون إغلاق الموانئ وفقاً للقرار الرئاسي رقم (11) لعام 2025 كما حدث في المهرة.
يُنظر إلى أن الإعلان عن إجراءات التقشف يحمل رسائل طمأنة للمانحين الإقليميين، وإظهار الالتزام الحكومي بالإصلاح، وإعادة بناء ثقة الشارع، وتحسين الصورة وسط موجة غضب شعبي.
لذا تبقى الإجراءات التقشفية جزئية وغير كافية، وتبدو كأنها محاولة للحد من الانتقادات الشعبية في ظل اقتصاد منهار واحتياطي مستنزف ومجاعة تهدد ملايين اليمنيين، بينما يتطلب الوضع من الحكومة أن تكون بقدرة مواجهة الأزمة المتزايدة، والاتجاه نحو شفافية حقيقية وإصلاحات أعمق تستهدف جذور الإنفاق الحكومي.
تم نسخ الرابط
