حظر على النفط السعودي: ناقلات ضخمة تتجه إلى مصر عبر ‘سوميد’ في أكبر تغيير للملاحة البحرية منذ حرب غزة – شاشوف
تشهد أسواق الطاقة العالمية تغييرات جذرية نتيجة التصعيد العسكري في الشرق الأوسط. فرضت ‘قوات صنعاء’ حصاراً بحرياً على الموانئ السعودية، مما أجبر شركات النفط على البحث عن مسارات بديلة مثل ميناء ‘سيدي كرير’ المصري، وهو ما يعكس تحولاً استراتيجياً في تجارة النفط. تواجه شركات النفط تكاليف إضافية بسبب ارتفاع أقساط التأمين وزيادة خطورة الملاحة في مضيق هرمز. مع تراجع الشحن عبر باب المندب، يتجه العديد من الناقلات نحو مسارات أطول وأقل تنافسية، مما يؤثر سلباً على سلاسل التوريد العالمية واستقرار الإمدادات.
تقارير | شاشوف
تسجل أسواق الطاقة العالمية وتجارة النفط تحولاً بارزاً غير مسبوق منذ بداية العام، مدفوعاً باستمرار التصعيد العسكري في الشرق الأوسط. فقد وضعت الحرب الأمريكية على #إيران مضيق هرمز في دائرة الخطر، مما أجبر منتجي الخليج على البحث عن بدائل لتصدير ملايين البراميل يومياً. وفي العشرين من يوليو، أعلنت ‘قوات صنعاء’ فرض حصار بحري على الموانئ السعودية في البحر الأحمر، مما أثر على شريان التصدير البديل.
في ظل ظروف جديدة تعيد رسم خرائط تدفق الطاقة، تتجه أساطيل ضخمة من ناقلات النفط الخام العملاقة نحو ميناء ‘سيدي كرير’ المصري عند البحر الأبيض المتوسط، لتحميل شحنات النفط السعودي عبر مسار لوجستي معقد يتجاوز البحر الأحمر بالكامل. وهذا يُعتبر خطوة خطيرة على حركة التجارة البحرية منذ أزمة البحر الأحمر خلال الحرب على غزة.
يتزامن هذا التحول مع شلل شبه كامل لحركة الملاحة عبر مضيق هرمز، حيث يعتمد العديد من مشغلي السفن حالياً على إيقاف أجهزة التتبع (AIS). وقد أدى ذلك إلى ظهور ما يُعرف بـ ‘الأسطول المظلم’، الذي يشبه الممارسات الإيرانية والروسية في التهرب من الرصد الدولي.
أحد أبرز المشغلين لهذا الأسطول هو مجموعة ‘سينوكور’ (Sinokor Group) الكورية الجنوبية، التي ظهرت كفاعل رئيسي في عمليات النقل السرية (Shuttle Runs) عبر المضيق. وفقاً لتقارير صحيفة Australian Financial Review، كانت السفن التابعة للمجموعة من بين الأكثر نشاطاً في نقل النفط عبر هرمز منذ بداية الحرب الإيرانية الأمريكية في أواخر فبراير، حيث منحت الشركة موظفيها مكافآت كبيرة تصل إلى ستة أشهر من الأجور مقابل المخاطرة بالعبور عبر هذه المنطقة المنكوبة.
مع انسداد الملاحة في البحرين الأحمر والخليج العربي، يبرز خط أنابيب ‘سوميد’ المصري كحل حيوي للسعودية وللسوق العالمية. في الوقت الذي تتكبد فيه شركات النفط تكاليف إضافية ضخمة للنقل والتأمين، تتسابق الدول الكبرى للحصول على إمداداتها عبر مسارات بديلة تستغرق أسابيع، ما يعيد إلى الأذهان ذروة أزمة الحرب على غزة، ولكن بتداعيات أكثر تعقيداً على استقرار الإمدادات العالمية، خصوصاً أن حوالي 25% من تجارة النفط البحرية تمر عبر مضيق هرمز، و12% من إجمالي التجارة العالمية تمر عبر مضيق باب المندب.
الهروب الجماعي للناقلات العملاقة نحو المتوسط
جاءت بيانات تتبع السفن من بلومبرغ لتظهر ضغطاً كبيراً تتعرض له شبكات النقل البحرية العالمية، حيث تتجه حالياً نحو ميناء سيدي كرير المصري ما لا يقل عن ثماني ناقلات عملاقة، منها ناقلات من طراز ‘ناقلة النفط الخام العملاقة جداً’ (VLCC).
توضح هذه البيانات تغييراً جذرياً في مسارات السفن التي كانت مخصصة للذهاب إلى الولايات المتحدة أو اليابان، لتتجه بدلاً من ذلك نحو السواحل المصرية لتحميل النفط السعودي. تشمل هذه الناقلات السفينة ‘بيدبد’ (Bidbid) ذات العلم جزر مارشال، وناقلتين أخريين هما ‘في إل برايت’ (VL Bright) من شركة هيونداي جلوفيس و’تاغا’ (Taga) من شركة نيبون يوسن، اللتان كانتا مركّزتين في رحلات نحو اليابان قبل تحويل مسارها بصورة مفاجئة نحو الميناء المصري.
لكن استمرار هذه الرحلات يواجه مخاطر عالية، خاصة مع التصعيد الأخير لقوات صنعاء التي استهدفت منشآت بحرية حساسة. فقد أبلغت القوات المسلحة اليمنية، عبر الناطق العسكري يحيى سريع، عن تنفيذ عمليات استهدفت أهدافاً حساسة لشركة ‘أرامكو’ في مدينتي جيزان وينبع السعوديتين، مستخدمة عشرات الصواريخ والطائرات المسيرة.
كما ذكرت صنعاء أنها استهدفت ناقلتين سعوديتين ‘إنسليا’ (Encelia) و’ليلى’ (Layla) في البحر الأحمر بصواريخ، مؤكدة أن الناقلة ‘إنسليا’ تعرضت لحريق في مقدمتها. هذه الأحداث أجبرت عددًا من الناقلات العملاقة على تغيير وجهتها نحو سيدي كرير، بينما لجأت أخرى مثل ‘روتردام إنرجي’ (Rotterdam Energy) إلى إظهار نشاطها في الخليج بعد أن كانت مختفية عبر إيقاف أجهزة التتبع، في خطوة تُعرف بـ ‘العبور المظلم’ (Dark Transit).
كانت ناقلات النفط تعتمد على ميناء ينبع السعودي لتصدير الخام نحو الأسواق الآسيوية والأوروبية، حيث تستقبل السفن النفط عبر خط أنابيب ‘بقيق-ينبع’ (East-West Pipeline) الذي يبلغ طاقته 7 ملايين برميل يومياً. إلا أن بيانات التتبع سجلت، يوم الثلاثاء، غياب كامل لأي ناقلات في الميناء، مما يُشير إلى التخلي عن هذا المسار التقليدي. ورغم الاحتمالية النظرية بوصول بعض السفن دون رصد، إلا أن الاتجاه العام يوضح تحولاً استراتيجياً نحو الموانئ المصرية، مع تأكيد وكالة بلومبرغ أن أرامكو بدأت فعلاً في ضخ كميات أكبر من شحناتها الخام في ميناء سيدي كرير كخيار بديل.
استنزاف شركات النفط وتكاليف التأمين
تحديات تصدير النفط السعودي لم تقتصر على المخاطر العسكرية فحسب، بل تحولت إلى أزمة مالية خانقة بفضل الضغوط المشددة التي تفرضها شركات التأمين البحرية العالمية.
مصادر من قطاع الشحن والتأمين أكدت أن عدداً من كبار مكتتبي لويدز Lloyd’s of London توقفوا عن تقديم تأمين مخاطر الحروب للسفن المرتبطة بالسعودية في البحر الأحمر، وهو ما وصفه المحللون بأنه ‘مفلسة لصناعة الشحن’. كما قامت ستة من نوادي الحماية والتعويض (P&I Clubs) بسحب تغطية مخاطر الحرب من مضيق هرمز بالكامل. ومع تزايد المخاطر، قفزت أقساط التأمين لمخاطر الحروب من 1-3% من قيمة هيكل السفينة لتصل إلى مستويات قياسية تتراوح بين 7.5% و10%، مما يعني أن تأمين ناقلة واحدة قد يكلف حوالي 21 مليون دولار وفق تقرير صادر عن S&P Global وMarsh.
شهدت رسوم التأمين على الرحلات عبر البحر الأحمر قفزات غير مسبوقة، حيث ارتفعت من 0.3% إلى أكثر من 1%، ووصلت في بعض الأحيان إلى 3% للموانئ الجنوبية القريبة من اليمن مثل جيزان والشقيق، كما ذكرت وكالة رويترز.
للتخفيف من هذه التكاليف والتجنب المباشر لتهديد السفن، لجأت المملكة العربية السعودية إلى مسار تفريغ نفطي معقد عبر مصر. حيث يتم نقل النفط من ميناء ينبع إلى ميناء العين السخنة، ثم يتم ضخه عبر خط أنابيب ‘سوميد’ البالغ طوله 320 كيلومتراً وبطاقة استيعابية 2.5 مليون برميل يومياً إلى سيدي كرير.
يقدر المحللون أن هذا المسار الأطول سيضيف تكاليف شحن تبلغ حوالي 5 دولارات للبرميل، مما قد يصل إلى 10 ملايين دولار لكل شحنة تُصدر إلى الأسواق الآسيوية، مما يجعل هذه الشحنات أقل تنافسية مقارنةً بالمسار التقليدي المباشر.
تأتي هذه التطورات لتضع السوق النفطية العالمية تحت ضغط هائل، حيث يهدد الحصار البحري من حكومة صنعاء على مضيق باب المندب تعطيل مسار حيوي يمر عبره حوالي 12% من التجارة العالمية. رغم عبور بعض الناقلات الصينية وناقلات من الدول الصديقة، فإن معظم الأساطيل الغربية والآسيوية تتجه نحو مسار أطول وأكثر تكلفة عبر قناة السويس أو حول رأس الرجاء الصالح، مما يطيل الرحلات أسبوعين، مما يؤثر بشدة على سلاسل الإمداد العالمية.
تؤكد بيانات شركة ‘كبلر’ (Kpler) أن عبور باب المندب تراجع إلى 11 سفينة فقط يوم الأحد 27 يوليو، وهو أدنى مستوى منذ شهور، مقارنة بحركة كانت تتجاوز 41 سفينة يومياً قبل التصعيد.