توتر دبلوماسي غير عادي بين واشنطن وجنوب أفريقيا.. ماذا يعني هذا لسلامة قمة العشرين؟ – شاشوف

توتر دبلوماسي غير عادي بين واشنطن وجنوب أفريقيا ماذا يعني


تشهد العلاقات الأمريكية الجنوب أفريقية توترًا شديدًا قبيل قمة مجموعة العشرين في جوهانسبرغ، حيث تتهم واشنطن بريتوريا بمناشدة أجندات تتعارض مع سياساتها. حذرت الولايات المتحدة من عرقلة أي مخرجات القمة، مضيفة أنها لن تشارك في الاجتماعات التحضيرية. تأتي هذه التطورات بعد توبيخ ترامب للرئيس الجنوب أفريقي رامافوزا في مايو 2025. بينما تتلقى جنوب أفريقيا دعمًا من عدة دول، تسعى لإصدار إعلان ختامي. وتفاقمت التوترات الاقتصادية جراء رسوم جمركية عالية على صادراتها لأمريكا، مما يدفعها للبحث عن أسواق جديدة. تطرح هذه النزاعات تساؤلات حول قدرة مجموعة العشرين على الحفاظ على وحدتها.

الاقتصاد العالمي | شاشوف

تعتبر العلاقات الأمريكية الجنوب أفريقية من أكثر الفترات توتراً منذ انتهاء نظام الفصل العنصري في عام 1994، حيث تتزايد حدة الخلافات بين واشنطن وبريتوريا قبل أيام من قمة مجموعة العشرين في مدينة “جوهانسبرغ”. تأتي هذه التوترات مع مقاطعة رسمية من إدارة ترامب واتهامات علنية غير مسبوقة، مما يهدد نتائج القمة وآليات العمل الجماعي في ظل فترة حساسة للاقتصاد العالمي.

تتزامن هذه الأحداث مع استعداد القارة الأفريقية لاستضافة قمة مجموعة العشرين لأول مرة، حيث تتطلع جنوب أفريقيا إلى تعزيز دور الجنوب العالمي في اتخاذ القرارات الاقتصادية الدولية. إلا أنها واجهت منذ البداية رفضاً أمريكياً لم يتوقف عند التعبير عن اعتراضات سياسية، بل شمل أيضاً تهديدات مباشرة بعرقلة أي وثيقة ختامية قد تصدر عن القمة.

تحذيرات أمريكية صارخة.. وتهديدات بعرقلة النتائج

وفقاً لوثيقة رسمية اطلعت عليها “بلومبيرغ”، حذرت الولايات المتحدة جنوب أفريقيا من الدفع نحو إصدار بيان مشترك باسم المجموعة، مشددة على أنها لن تشارك في المفاوضات التحضيرية، وأنها ستعوق أي مخرجات تُعتبر توافقاً للمجموعة، حيث أن أولويات جنوب أفريقيا بحسب واشنطن “تعارض وجهات النظر السياسية الأمريكية”.

تضمنت المذكرة التي سلمت في 15 نوفمبر صياغة واضحة: “الولايات المتحدة تعارض إصدار أي وثيقة ختامية لقمة مجموعة العشرين تُعتبر موقفاً توافقياً دون موافقتها (أمريكا)، وإذا جرى إصدار أية مخرجات تحت رئاستكم، فسوف تُعتبر حصراً كبيان للرئيس دلالة على غياب التوافق”.

لقد أثار هذا التصعيد الدبلوماسي قلقاً واسعاً بين الدول الأعضاء، خاصة وأن المبدأ التقليدي لمجموعة العشرين يعتمد على الإجماع، وينظر لأي انقسام داخلي كعلامة خطيرة على تراجع قدرة المجموعة في إدارة الاقتصاد العالمي.

أصول الخلاف: ما بعد اجتماع المكتب البيضاوي

ترجع البداية لهذا التوتر إلى اجتماع بين الرئيس ترامب ونظيره الجنوب أفريقي سيريل رامافوزا في المكتب البيضاوي في مايو 2025، حيث تعرض الأخير لتوبيخ علني أثناء الاجتماع. تصاعدت حدة الخلافات عقب إعلان ترامب عدم حضوره القمة، مما أدى إلى تحول المقاطعة إلى موقف سياسي شامل.

وتتهم إدارة ترامب جنوب أفريقيا باتباع أجندة تتعارض مع السياسة الأمريكية، خاصة فيما يتعلق بمفاهيم التضامن والمساواة والاستدامة التي ينادي بها رامافوزا، بالإضافة إلى رؤيته لنظام عالمي شامل يفتح مجالات أكثر للجنوب العالمي.

كما اتهم ترامب جنوب أفريقيا بـ’الإبادة الجماعية ضد السكان البيض’ و’مصادرة الأراضي’، وهي اتهامات تعتبرها بريتوريا ‘غير واقعية وعدائية’.

رد فعل جنوب أفريقيا: الغياب ليس وسيلة ضغط

المتحدث باسم وزارة الخارجية الجنوب أفريقية كريسبن فيري اعتبر أن غياب واشنطن “يضيع دورها في تشكيل مخرجات مجموعة العشرين”، مشيراً إلى أن استخدام الغياب كوسيلة ضغط “يؤدي إلى شل العمل الجماعي”.

برغم ذلك، تصر بريتوريا على إصدار إعلان ختامي، رغم الاعتراض الأمريكي الصريح، معتبرة أن ذلك جزء من إرثها كرئاسة للمجموعة قبل تسليمها نهاية العام للرئيس الأمريكي نفسه.

وقد حصلت جنوب أفريقيا على دعم من عدة دول، أبرزها البرازيل، ألمانيا، ودول أوروبية أخرى.

فقد أكدت البرازيل ضرورة وجود إعلان، وأعربت عن دعمها القوي لإصداره. بينما أفاد مسؤول أوروبي في مجموعة العشرين -وفق ما رصدته “بلومبيرغ”- بدعم إصدار إعلان مشترك، أو على الأقل “بيان للرئيس الجلسة” يتضمن حد أدنى من التوافق.

في منشور رسمي على حساب “ألمانيا في أفريقيا”، أكدت الحكومة الألمانية: “ألمانيا تدعم تماماً رئاسة جنوب أفريقيا لمجموعة العشرين لعام 2025. التضامن والمساواة والاستدامة تتطلب حضوراً قوياً”. كما أعلنت برلين لاحقاً أنها “تدعم بالكامل” رئاسة جنوب أفريقيا.

حضور دولي بارز.. وغياب أمريكي وصيني

رغم المقاطعة الأمريكية، أكدت معظم الدول مشاركتها عبر مفاوضين رئيسيين، ومن المتوقع وصول حوالي 15 رئيس دولة إلى جوهانسبرغ، بما في ذلك قادة من البرازيل والهند وتركيا واليابان وعدد من الدول الأوروبية.

أما الصين فستغيب عن مشاركة الرئيس شي جين بينغ، الذي سيرسل بدلاً منه رئيس الوزراء لي تشيانغ.

تشير المصادر إلى أن أبرز نقاط الخلاف خلال المفاوضات تتعلق بصياغات تخص قضايا النوع الاجتماعي، وتمويل المناخ، والالتزامات بالاتفاقيات المناخية العالمية، كما اعترضت الأرجنتين، الحليف المقرب لواشنطن، على عدة بنود تتعلق بالمناخ والتمويل، مما يعكس محوراً جديداً داعماً للموقف الأمريكي داخل القمة.

تصعيد اقتصادي: رسوم ترامب على جنوب أفريقيا

تتزايد حدة التوتر بين البلدين بسبب قرار ترامب فرض رسوم جمركية بنسبة 30% على صادرات جنوب أفريقيا إلى الولايات المتحدة، وهي الأعلى في القارة الأفريقية، مما أدى إلى اهتزاز العلاقات الاقتصادية بشكل كبير.

هذا الوضع دفع جنوب أفريقيا للبحث عن أسواق آسيوية بديلة، وفق تقارير اقتصادية حديثة.

وأفاد وزير خارجية جنوب أفريقيا رونالد لامولا خلال “قمة أعمال أفريقيا” التي نظمتها “بلومبيرغ” بأن بلاده حاولت مراراً إصلاح العلاقات مع واشنطن، قائلاً: “كنا دائماً منفتحين، لكن العدائية تأتي من الجانب الأمريكي.”

توضح كل هذه الأحداث وجود فجوة متزايدة في العلاقات بين الولايات المتحدة وواحدة من أبرز دول الجنوب العالمي، في وقت يحتاج فيه العالم إلى عمل جماعي لمواجهة تحديات الاختلالات الاقتصادية العالمية، والتغير المناخي، والتوترات الجيوسياسية، وقضايا التنمية، وتحديات الجنوب العالمي.

تظهر الأزمة أيضاً محاولة أمريكية لإعادة صياغة قواعد العمل داخل مجموعة العشرين مع توليها الرئاسة القادمة، بينما تسعى جنوب أفريقيا لفرض رؤيتها الخاصة لمستقبل المجموعة، مستندة إلى دعم واسع من دول الجنوب العالمي والقوى الأوروبية.

ومع اقتراب موعد القمة، يبدو أن مخرجاتها، إن صدرت، ستكون مُحمَّلة بالتوترات والانقسامات، مما يطرح تساؤلات جادة حول قدرة مجموعة العشرين على الحفاظ على وحدتها في السنوات القادمة.


تم نسخ الرابط