قضت المحكمة العليا الأمريكية بإبطال الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب، مما أثر على الأسواق وأدى إلى إعلان رسوماً جديدة بنسبة 15% على الواردات. الحكومة ستواجه دُعاوى تبلغ قيمتها 170 مليار دولار من الشركات المتضررة، خصوصاً في قطاع التجزئة. الحكم قد يعيد تشكيل العلاقات التجارية، حيث تتابع الدول المتأثرة عن كثب. دول مثل ألمانيا وكوريا الجنوبية اتخذت مواقف خجولة، في حين تستعد دول أخرى مثل الهند لمراجعة اتفاقياتها التجارية. الاقتصاد العالمي في وضع متقلب، مع تزايد عدم اليقين حول السياسات التجارية الأمريكية وجهود استرداد الرسوم المدفوعة.
الاقتصاد العالمي | شاشوف
أثار قرار المحكمة العليا الأمريكية بإلغاء الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب موجة من الارتباك في الأسواق. وبعد الحكم، على الفور أعلن ترامب فرض رسوم جديدة عالمية بنسبة 15% على جميع الواردات إلى الولايات المتحدة، لمدة 150 يوماً بشكل مبدئي، مستنداً هذه المرة إلى المادة 122 من ‘قانون التجارة’. اعتبر محللون هذه الخطوة مؤشراً على سعي الإدارة للالتفاف على الحكم القضائي بوسائل قانونية جديدة، مما أعاد الضبابية إلى المشهد التجاري الدولي.
في نفس الوقت، فتح الحكم القضائي الباب أمام واحدة من أكبر معارك الاسترداد المالي في تاريخ التجارة الأمريكية الحديث. تشير التقديرات التي تابعتها ‘شاشوف’ إلى أن ما يصل إلى 170 مليار دولار جُمعت من الشركات قد يصبح محور نزاع قانوني معقد وطويل الأمد.
حتى 14 ديسمبر الماضي، كانت هيئة الجمارك وحماية الحدود الأمريكية قد جمعت نحو 170 مليار دولار بموجب الرسوم المفروضة عبر قانون الطوارئ. ومع صدور الحكم، تحول هذا الرقم إلى محور مواجهة جديدة بين الحكومة والمستوردين، خاصة شركات التجزئة والملابس التي تحملت تكاليف ضخمة نتيجة الرسوم على واردات من آسيا، خصوصاً من الصين وفيتنام.
ومع ترك المحكمة العليا ملف الاسترداد دون حسم، ستعود القضية مجددًا إلى محكمة التجارة الدولية الأمريكية لتحديد الخطوات التالية. مما يعني بدء جولة ثانية من النزاع، قد تمتد لفترات طويلة، خاصة في ظل تضارب المصالح بين الحكومة الساعية إلى تقليص نطاق الاسترداد، والشركات المطالبة باستعادة كل ما دفعته.
وفقاً لمتابعة ‘شاشوف’ على بلومبيرغ، سارعت أكثر من 1500 شركة إلى رفع دعاوى منفصلة أمام محكمة التجارة الدولية، لضمان موقعها في ‘طابور’ المطالبين بالاسترداد. وقد ألمحت الحكومة في مذكرات خطية إلى أنها لن تطعن في سلطة المحكمة بإصدار أوامر بإعادة احتساب الرسوم، لكنها أبقت الباب مفتوحاً أمام محاولة حصر نطاق المستفيدين أو تقييد فئات السلع المشمولة بالاسترداد، مما ينذر بصراع قانوني معقد حول كل شحنة وكل فاتورة.
يأتي هذا التطور في ذروة موسم إعلان أرباح شركات التجزئة الأمريكية، حيث كان العديد من هذه الشركات قد احتسب بالفعل تكاليف الرسوم ضمن بياناته المالية، ما ضغط على هوامش الربح وأسعار البيع.
على سبيل المثال، حذّرت شركة ‘لولوليمون’ سابقاً في ديسمبر الماضي من تراجع كبير في هامش الربح الإجمالي بسبب الرسوم الجمركية. ومع صدور الحكم، يرى محللون أن بعض الشركات قد تستفيد من ‘أثر إيجابي غير متوقع’ إذا تمكنت من استرداد جزء من الأموال، أو إذا أُعيد احتساب التزاماتها السابقة.
لكن يبقى هذا التفاؤل مشروطًا بسرعة ووضوح الآلية القانونية. حتى لو تم إقرار مبدأ الاسترداد، قد يستغرق تنفيذ إعادة الأموال سنوات، حسب بلومبيرغ، مما يعني أن الأثر الفعلي على الأرباح والتدفقات النقدية قد يكون تدريجياً ومحدوداً على المدى القريب.
معركة تتجاوز الداخل الأمريكي
تداعيات الحكم لا تقتصر على الشركات الأمريكية، فالبلدان المستهدفة بالرسوم تتابع التطورات عن كثب. استرداد مليارات الدولارات قد يعيد تشكيل العلاقات التجارية الثنائية، ويؤثر على المفاوضات الجارية بشأن اتفاقيات جديدة أو معدلة.
من المحتمل أن تسعى حكومات وشركات أجنبية، عبر فروعها أو شركائها داخل الولايات المتحدة، للانضمام إلى دعاوى الاسترداد أو دعمها، خاصة إذا ثبت أن الرسوم فرضت دون أساس قانوني سليم.
المستشار الألماني فريدريش ميرتس رحّب بالحكم، معتبراً أنه قد يخفف الأعباء الجمركية عن الاقتصاد الألماني. وأكد أن برلين ستجري مشاورات مع واشنطن بشأن استرداد الشركات الألمانية مليارات الدولارات التي تكبدتها جراء الرسوم. وأشار ميرتس إلى أن دول الاتحاد الأوروبي ستنسق موقفاً موحداً، وأن السياسة الجمركية شأن يخص الاتحاد ككتلة واحدة، وليس الدول الأعضاء بشكل فردي.
وعلى الرغم من أن الحكم منح المستوردين نصراً قانونياً مهماً، فإنه لم يُنهِ حالة عدم اليقين في السياسة التجارية الأمريكية، حيث لا تزال الإدارة قادرة على استخدام أدوات أخرى لفرض رسوم جديدة، مما يحد من قدرة الشركات على التخطيط طويل الأمد.
الردود الدولية بعد الرسوم الجديدة: بين الترقب وإطلاق التهديدات
في آسيا، التي تعد قلب سلاسل الإمداد العالمية، بدأت العواصم الرئيسية تقييم التداعيات الفورية والمحتملة. فقد أسقط القرار القضائي رسوماً كانت مفروضة على دول مصدّرة كبرى مثل الصين وكوريا الجنوبية واليابان وتايوان، ما منح متنفساً مؤقتاً لشركاتها. لكن الرسوم الجديدة بنسبة 15% أعادت الارتباك بسرعة، خصوصاً مع عدم وضوح آليات التنفيذ وتفاصيل الإعفاءات المحتملة.
في اليابان، أعلنت الحكومة أنها ستدرس بعناية مضمون الحكم ورد إدارة ترامب عليه، مؤكدة أنها ستتخذ ‘الرد المناسب’ بناءً على التقييم القانوني والاقتصادي للتطورات. يأتي هذا الحذر في ظل اعتماد الاقتصاد الياباني بشكل كبير على الصادرات الصناعية، خاصة في قطاعات التكنولوجيا والسيارات، ما يجعله شديد الحساسية لأي تغيير في السياسات الجمركية الأمريكية.
أما الصين، التي تستعد لاستضافة ترامب أواخر شهر مارس المقبل، فلم تصدر تعليقاً رسمياً فورياً بسبب عطلة محلية طويلة. ومع ذلك، وصف مسؤول مالي بارز في هونج كونج الوضع في الولايات المتحدة بأنه ‘فشل ذريع’، في إشارة إلى التناقض بين قرار المحكمة وتحرك الإدارة السريع لفرض رسوم جديدة.
ومع استمرار الرسوم الأمريكية على صادرات البر الرئيسي الصيني، تبقى هونج كونج في وضع خاص، إذ تتمتع منتجاتها عادة بمعدلات جمركية أقل، مما يسمح لها بالحفاظ على قدر من التدفقات التجارية حتى في ظل تصاعد التوتر بين بكين وواشنطن.
وفي تايوان، قالت الحكومة إن التأثير الأولي للرسوم الجديدة يبدو محدوداً، لكنها أكدت على مراقبة التطورات عن كثب والحفاظ على اتصال وثيق مع واشنطن لفهم تفاصيل التنفيذ. وتكتسب هذه المتابعة أهمية مضاعفة بالنظر إلى موقع تايوان كأكبر مُصنّع للرقائق الإلكترونية في العالم، وطرفاً محورياً في سلاسل توريد التكنولوجيا.
وكانت تايوان قد وقعت مؤخراً اتفاقيتين مع الولايات المتحدة، حسبما تابعت ‘شاشوف’، الأولى مذكرة تفاهم التزمت بموجبها باستثمار 250 مليار دولار، والثانية اتفاق لخفض الرسوم الجمركية المضادة، ما يجعل أي تغيير في الإطار الجمركي مؤثراً على هذه التفاهمات الاستراتيجية.
أما كوريا الجنوبية، فقد سارعت إلى طمأنة الأسواق بأن قرار المحكمة العليا لن يؤثر على الإطار العام لاتفاق التجارة مع واشنطن، حيث عقد وزير الصناعة اجتماعاً طارئاً لتقييم التداعيات، مشيراً إلى أن الحكم ألغى الرسوم المتبادلة البالغة 15% المفروضة على البضائع الكورية بموجب قانون الطوارئ.
مع ذلك، أوضحت وزارة التجارة أن الرسوم المفروضة على السيارات والصلب، التي تستند إلى تشريعات منفصلة، ستظل سارية، كما أكدت سيؤول أنها ستتابع أي إجراءات أمريكية لاحقة، بالتوازي مع استمرار المحادثات بشأن تنفيذ الاتفاق التجاري الذي تضمن التزامات استثمارية كبرى.
تأتي هذه التطورات في ظل اتفاق سابق فرضت بموجبه الولايات المتحدة رسوماً بنسبة 15% على واردات كورية، ضمن تفاهم يتضمن التزاماً باستثمارات قيمتها 350 مليار دولار، مما يعكس تعقيد المشهد بين التزامات استثمارية ضخمة وضغوط جمركية مستمرة.
أما فرنسا، فأكدت امتلاك الاتحاد الأوروبي لـ ‘ترسانة’ من الأدوات القانونية والاقتصادية للرد على قرار فرض الرسوم، ودعت إلى نهج أوروبي موحد يتضمن تفعيل أداة ‘مناهضة الإكراه’ (ACI) التي قد تستهدف شركات التكنولوجيا الأمريكية أو فرض رسوم انتقامية على سلع بقيمة 90 مليار يورو.
في الهند، اتخذت التطورات بُعداً سياسياً داخلياً، حيث دعت المعارضة الهندية حكومة رئيس الوزراء ناريندرا مودي إلى تعليق اتفاقية التجارة مع الولايات المتحدة وإعادة التفاوض على بنودها. وكانت الهند قد توصلت هذا الشهر إلى إطار مؤقت لخفض الرسوم على سلعها من 25% إلى 18%، مع إلغاء رسم عقابي إضافي بنسبة 25%. واعتبر مسؤولون في قطاع التصدير أن انتهاء الرسوم المتبادلة وفرض معدل موحد قد يخلق ‘ساحة تنافس متكافئة’، باستثناء قطاعات مثل الأدوية والإلكترونيات.
المحصلة أن المشهد الدولي مفتوح على كل الاحتمالات، وأن الاقتصاد العالمي يجد نفسه أمام مرحلة انتقالية غير مستقرة، بين حكم قضائي يحد من صلاحيات استخدام قوانين الطوارئ لفرض رسوم واسعة، يقابله تحرك تنفيذي سريع لفرض رسوم جديدة بأداة قانونية مختلفة. وبين هذا وذاك تقف الشركات والمستثمرون أمام حالة من عدم اليقين بشأن استدامة السياسات التجارية الأمريكية، وسط مساعٍ لاسترداد الأموال التي انتُزعت من خلال تلك الرسوم.
تم نسخ الرابط

اترك تعليقاً