تصاعد التوتر مع الصين يدفع اليابان لزيادة ميزانيتها العسكرية لتصبح ثالث أكبر ميزانية عالمياً: ميزانية تاريخية تعيد تشكيل استراتيجية الأمن في شرق آسيا – شاشوف

تصاعد التوتر مع الصين يدفع اليابان لزيادة ميزانيتها العسكرية لتصبح


دخلت اليابان مرحلة جديدة في سياستها الدفاعية، بعدما أقرت موازنة عسكرية غير مسبوقة تجاوزت 9 تريليونات ين (86 مليار دولار). يمثل ذلك انتقالاً من سياسة ضبط النفس إلى مقاربة هجومية في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، مما يضعها في المرتبة الثالثة عالمياً من حيث الإنفاق العسكري. تحركت اليابان تحت ضغط أمريكي ملحوظ تزامناً مع تدهور العلاقات مع الصين. تشمل الميزانية تعزيز القدرات الصاروخية والاستثمار في الطائرات المسيّرة. في إطار بيئة أمنية تُعد الأخطر منذ 1945، يواجه الاقتصاد الياباني تحديات تمويلية بسبب ارتفاع الديون. هذا التحول الدفاعي يفتح فصلاً جديداً في التنافس الإقليمي.

تقارير | شاشوف

دخلت اليابان في عهد جديد من سياستها الدفاعية بعد اعتماد ميزانية عسكرية غير مسبوقة تجاوزت 9 تريليونات ين (86 مليار دولار)، وفقاً لمتابعة مرصد ‘شاشوف’. هذه الخطوة تعكس تحول طوكيو من سياسة ضبط النفس العسكري إلى نهج أكثر هجومية واستباقية. إن هذه الزيادة في الإنفاق ليست مجرد تعديل رقمي، بل هي تعبير واضح عن إعادة تعريف اليابان لدورها الأمني في منطقة تشهد تصاعد التوترات وتفكك التوازنات التقليدية.

مع وصول الميزانية إلى هذا المستوى، تصبح اليابان ثالث أكبر منفق عسكري على مستوى العالم، بعد الولايات المتحدة والصين. وهذا الترتيب لم يكن متوقعاً قبل سنوات قليلة في دولة لطالما قيدت قوتها العسكرية بسبب اعتبارات دستورية وتاريخية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

المفارقة أن هذا التحول يأتي في وقت تواجه فيه المالية العامة اليابانية ضغوطًا متزايدة، مما يعكس أولوية الأمن القومي على حساب الاعتبارات المالية القصيرة الأجل. يبدو أن طوكيو مستعدة لتحمل تكاليف سياسية واقتصادية داخلية من أجل تعزيز قدرتها الردعية في بيئة تتغير بسرعة.

الضغوط الأمريكية والتوتر الصيني: اليابان تتجه للصواريخ والطائرات المسيّرة

لا يمكن فصل الزيادة في الإنفاق الدفاعي الياباني عن الضغوط المستمرة من واشنطن، التي طالبت حليفتها الآسيوية بزيادة مساهمتها العسكرية حسب متابعة شاشوف، خاصة في ضوء الاستراتيجية الأمريكية الجديدة لمواجهة الصين. وقد تعهدت طوكيو بالفعل بتحقيق هدف إنفاق دفاعي يعادل 2% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يتماشى مع متطلبات التحالفات الغربية.

في المقابل، جاء هذا القرار في ظل تدهور العلاقات مع بكين، خاصة بعد تصريحات رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي التي ربطت فيها أمن اليابان مباشرة بمصير تايوان. تلك التصريحات اعتبرتها الصين تجاوزًا لخط أحمر سيادي، وردت عليها بإجراءات اقتصادية ودبلوماسية زادت من حدة التوترات بين الجانبين.

هذا الجمع بين الضغط الأمريكي والتصعيد الصيني خلق بيئة سياسية داخل اليابان تدفع نحو تسريع التحول الدفاعي. فطوكيو أصبحت ترى أن الاكتفاء بالمظلة الأمريكية لم يعد كافياً، وأن تطوير قدرات ذاتية أكثر تطوراً أصبح ضرورة استراتيجية وليس خياراً.

تعكس تفاصيل الميزانية الجديدة ملامح العقيدة الدفاعية اليابانية التي تتشكل، حيث خُصصت مئات المليارات من الين لتعزيز القدرات الصاروخية بعيدة المدى، بالإضافة إلى الاستثمار المكثف في الطائرات المسيّرة والأنظمة غير المأهولة. هذا التوجه يعكس إدراك ياباني لتراجع القوة البشرية العسكرية مقابل الحاجة إلى تقنيات تعوض هذه الفجوة.

في هذا الإطار، تبرز صواريخ Type-12 المطورة محلياً كأحد أعمدة الردع الجديدة، حيث يصل مداها إلى نحو ألف كيلومتر، ما يمنح اليابان قدرة هجومية كانت تفتقر إليها تاريخياً. تسريع نشر هذه الصواريخ في جنوب غرب البلاد، بالقرب من نقاط الاحتكاك المحتملة، يرسل إشارة واضحة لبكين بشأن جدية طوكيو في الدفاع عن مصالحها.

بالإضافة إلى ذلك، تعتمد اليابان على توسيع وارداتها العسكرية من أجل تعزيز الجاهزية، وتتجه نحو الاستفادة من موردين جدد خارج الدائرة التقليدية، مما يدل على براغماتية متزايدة في سياساتها الدفاعية، حتى لو تطلب الأمر تجاوز بعض المحاذير السياسية السابقة.

البيئة الأمنية الأخطر منذ 1945

تستند الحكومة اليابانية في تبرير هذا التحول إلى تقييم رسمي يُعتبر بأن البلاد تواجه أخطر بيئة أمنية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. هذا التقييم لا يقتصر على التهديد الصيني، بل يشمل أيضاً تكثيف النشاط العسكري في المنطقة، وزيادة الحوادث الجوية والبحرية، واحتمالات الانزلاق إلى مواجهات غير مقصودة.

المناورات الصينية المتكررة بالقرب من الجزر اليابانية وحوادث توجيه الرادارات بين الطائرات قد عززت الشعور بالهشاشة الأمنية، ودعمت فرضية أن الردع التقليدي لم يعد كافياً لضمان الاستقرار. وفي هذا السياق، تُعتبر الصين التحدي الاستراتيجي الأكبر في الاستراتيجية الدفاعية اليابانية خلال العقد المقبل.

مع ذلك، تحاول طوكيو الحفاظ على قنوات التواصل مفتوحة، مؤكدة أن تعزيز قدراتها العسكرية لا يتعارض مع السعي نحو علاقة مستقرة مع بكين. غير أن هذا التوازن بين الردع والحوار يبدو دقيقاً في ظل تسارع سباق التسلح الإقليمي.

اقتصادياً، يطرح هذا التوسع العسكري تساؤلات جدية حول مصادر التمويل واستدامة المالية العامة. من المرجح أن يعتمد تمويل الميزانية الدفاعية الجديدة على زيادات ضريبية تشمل الشركات والدخل والتبغ، في وقت ترتفع فيه عوائد السندات الحكومية إلى أعلى مستوياتها منذ عقود، وينخفض الين أمام الدولار.

في تحليل شاشوف، يعني ارتفاع أسعار الفائدة زيادة كلفة خدمة الدين، مما يضع الحكومة أمام معادلة صعبة بين الحفاظ على الثقة المالية وتلبية احتياجات الأمن القومي. تأتي هذه الضغوط في ظل حزم تحفيزية ضخمة أُقرت سابقًا لدعم الاقتصاد، ما يزيد من حساسية الأسواق تجاه أي توسع مالي إضافي.

في النهاية، لا تمثل الميزانية الدفاعية القياسية مجرد رد فعل على توتر عابر، بل هي علامة على تحول هيكلي في مكانة اليابان داخل معادلة الأمن الآسيوي. وقد يعزز هذا التحول ردعها على المدى القصير، ولكنه في الوقت نفسه يفتح فصلًا جديدًا من التنافس الإقليمي، بتكاليف اقتصادية وسياسية ستظل موضوع نقاش داخلي وخارجي لسنوات قادمة.


تم نسخ الرابط