تسرب التريليون دولار: ما الذي أدى إلى تحول ألمانيا من ‘الرجل القوي في أوروبا’ إلى ضحية الأزمات العالمية المتعاقبة؟ – بقلم شاشوف

تسرب التريليون دولار ما الذي أدى إلى تحول ألمانيا من


تواجه ألمانيا أزمة اقتصادية عميقة بعد تراجع بنية اقتصادها بشكل ملحوظ على مدار السنوات الست الماضية، تسبب فيها جائحة كورونا والحرب في أوكرانيا. تجاوزت خسائر الناتج المحلي الإجمالي التريليون دولار، مما أثر سلبًا على المستوى المعيشي للألمان، حيث خسر كل موظف حوالي 20 ألف يورو. الضغط المتزايد من التضخم والتوترات التجارية مع أمريكا زاد من تعقيد الوضع. بينما تعاني الصادرات من ارتفاع تكاليف الإنتاج، تفقد ألمانيا جاذبيتها كوجهة استثمار. الأزمات الحالية تعتبر الأشد تكلفة في تاريخ البلاد، مما يجعل الحكومة تواجه تحديات كبيرة في إدارتها للالتزامات العسكرية والاجتماعية.

تقارير | شاشوف

تواجه ألمانيا، التي كانت تُعتبر دائمًا المحرك الرئيسي للقارة الأوروبية نحو الاستقرار والنمو، لحظة حاسمة تكشف حجم التآكل الذي أصاب بنيتها الاقتصادية على مدار الست سنوات الماضية. لم يعد الحديث يدور حول تباطؤ مؤقت أو دورة اقتصادية عادية، بل عن فاتورة ضخمة تقدّر بتريليون دولار، وهي نتيجة سلسلة من الصدمات التي ضربت استقرار برلين بشكل كبير.

منذ انتشار جائحة كورونا التي أصابت سلاسل الإمداد بالشلل، وصولاً إلى تفشي الحرب الروسية في أوكرانيا التي أنهت فترة الطاقة الرخيصة، وجدت الماكينة الألمانية نفسها في مواجهة واقع جيوسياسي واقتصادي جديد، لم تعد فيه القواعد القديمة للنجاح صالحة للاستخدام. هذا الوضع أدى إلى خسارة تراكمية في الناتج المحلي الإجمالي لم يكن أكثر المتشائمين يتوقع حدوثها قبل عشر سنوات.

هذا الانهيار الصامت في القيمة المضافة لا يمثل مجرد أرقام في ميزانيات الحكومة، بل هو زلزال يضرب الرفاه الاجتماعي الذي اعتاد عليه المواطن الألماني. تشير البيانات التي تتبعها ‘شاشوف’ إلى أن كل موظف في البلاد قد خسر فعليًا ما يعادل 20 ألف يورو من دخل القيمة المضافة بسبب هذه الأزمات.

مع تصاعد التوترات التجارية مع الولايات المتحدة، خاصة مع عودة سياسات الحماية الجمركية التي ينتهجها الرئيس ترامب، باتت الصادرات الألمانية، وهي عمود الاقتصاد، تعاني ضغوطًا مزدوجة بين ارتفاع تكاليف الإنتاج داخليًا وإغلاق الأسواق خارجيًا. دفع هذا المزيج الملتهب معهد الاقتصاد الألماني (IW) إلى إصدار تحذير هو الأقوى من نوعه، مؤكدًا أن العقد الحالي يتسم بصدمات استثنائية تفوق في حدتها أزمة الركود التي وقعت في مطلع الألفية وحتى الأزمة المالية العالمية في عام 2008.

اليوم، تقف الحكومة في برلين أمام معضلة وجودية؛ فمن ناحية هناك ضغوط شعبية لزيادة الإنفاق الاجتماعي لمواجهة التضخم الذي يلتهم القوة الشرائية، ومن ناحية أخرى هناك التزامات عسكرية متزايدة تفرضها بيئة أمنية مضطربة في أوروبا، وكل ذلك في ظل قيود دستورية صارمة على الاقتراض الحكومي.

مع تحقيق نمو هزيل لم يتجاوز 0.2% في عام 2025، يبدو أن ألمانيا تكافح فقط للبقاء فوق خط الركود، بينما تتابع تقارير اقتصادية دولية، بما في ذلك تحليلات شبكة بلومبيرغ، تراجعًا مستمرًا في جاذبية ألمانيا كمركز للاستثمار الصناعي.

ما يحدث حاليًا هو إعادة تشكيل قسرية للهوية الاقتصادية الألمانية، حيث تجد البلاد نفسها مضطرة لدفع ثمن اعتمادها الطويل على الغاز الروسي والأسواق المفتوحة في وقت يذهب فيه العالم نحو الانغلاق والمواجهات التجارية الكبرى.

أظهرت الدراسة التفصيلية الصادرة عن معهد الاقتصاد الألماني، التي اطلعت عليها شاشوف، أن الفجوة بين الواقع الاقتصادي الحالي والسيناريو الذي كان مفترضًا تحقيقه لولا حدوث هذه الأزمات قد اتسعت لتصل إلى 940 مليار يورو، أي ما يعادل 1.11 تريليون دولار أمريكي. اعتمد الباحث ميشيل غروملينغ في منهجيته على مقارنة المسار الحالي للناتج المحلي الإجمالي مع متوسط نمو ألمانيا على مدى الثلاثة عقود الماضية، ليخلص إلى أن النشاط الاقتصادي لم ينجح في تخطي مستويات عام 2019 إلا بصعوبة بالغة وبشكل غير مستدام.

تكمن خطورة هذا الرقم في كونه يعكس خسارة دائمة في القدرة الإنتاجية، وليس مجرد تراجع مؤقت، حيث إن عدم نمو الاقتصاد الألماني لثلاث سنوات متتالية تقريبًا خلق فجوة تراكمية سيكون من الصعب ردمها في المدى القريب، خاصة مع استمرار الضغوط الهيكلية التي تمنع الشركات من التوسع أو ضخ استثمارات جديدة في السوق المحلية.

يرتبط ربع هذه الخسائر الضخمة مباشرة بالعام الماضي فقط، الذي شهد تصعيدًا كبيرًا في النزاعات الجمركية مع إدارة الرئيس ترامب، إذ تسببت سياسة ‘أمريكا أولاً’ في إرباك حسابات المصدرين الألمان الذين يعتمدون على السوق الأمريكية. لم تؤد التهديدات بفرض رسوم جمركية مرتفعة على السيارات والآلات الألمانية فقط إلى تراجع الصادرات، بل خلقت حالة من عدم اليقين دفعت العديد من الشركات الكبرى إلى نقل مراكز إنتاجها خارج ألمانيا لتفادي هذه الرسوم، وهو ما وثقته بلومبيرغ في تقارير متعددة حول ‘هروب الرساميل’ من الصناعة الألمانية. هذه المواجهة التجارية بين واشنطن وبرلين أعادت إلى الأذهان سيناريوهات الحروب التجارية التي تضعف الحلفاء، مما جعل ألمانيا تدفع ثمنًا سياسيًا واقتصاديًا مضاعفًا لكونها الطرف الأكثر انكشافًا في نظام التجارة العالمية.

في سياق متصل، لا يمكن فصل هذا النزيف المالي عن التداعيات المستمرة للحرب الروسية في أوكرانيا، التي كانت بمثابة رصاصة الرحمة على نموذج الأعمال الألماني القائم على الغاز الرخيص. أدى التوقف المفاجئ في إمدادات الغاز وارتفاع تكاليف الطاقة إلى فقدان الصناعات الكثيفة الاستهلاك للطاقة ميزتها التنافسية، مما أجبر بعض المصانع على الإغلاق الدائم أو تقليص ساعات العمل.

وفقًا لتحليل معهد الاقتصاد الألماني، لم تكن تكاليف الطاقة المرتفعة مجرد عبء مالي، بل تحولت إلى عائق هيكلي يمنع أي انتعاش صناعي حقيقي، حيث تآكلت هوامش الربح لدى الشركات المتوسطة والصغيرة، التي تمثل عماد الاقتصاد الألماني، مما أدى في النهاية إلى تراجع القيمة المضافة الإجمالية وتعميق الفجوة الاقتصادية التي بدأت مع جائحة كورونا.

أما على الصعيد الداخلي، فقد أدت هذه الأزمات المتداخلة إلى شلل تدريجي في القدرة الشرائية للأسر الألمانية، مما أثر سلبًا على الطلب المحلي، الذي كان المفترض أن يكون صمام الأمان للاقتصاد. فمع ارتفاع معدلات التضخم الناجمة عن أزمة الطاقة وتعطل سلاسل الإمداد، اضطر المستهلك الألماني إلى تقليص نفقاته بشكل كبير، مما أدخل قطاع الخدمات والتجارة في دوامة من الركود الفعلي.

توضح الدراسة أن الجزء الأكبر من التريليون دولار المفقود يعود إلى تراجع الاستهلاك الخاص والاستثمار الرأسمالي، حيث فضلت الشركات الاحتفاظ بالسيولة أو استثمارها في الخارج بدلاً من تحديث بنيتها التحتية داخل ألمانيا، وفقًا لرؤية شاشوف، مما يعكس فقدان الثقة في قدرة الاقتصاد الوطني على التعافي السريع في ظل التجاذبات السياسية بين برلين وواشنطن.

يُظهر التحليل التاريخي للمعهد أن الأزمة الحالية هي ‘الأكثر كلفة في تاريخ ألمانيا الحديث’، متفوقةً بكثير على خسائر الركود التي حدثت بين عامي 2001 و2004 والتي بلغت 360 مليار يورو، وحتى على خسائر الأزمة المالية العالمية في عام 2008 التي قدرت بنحو 525 مليار يورو. يكمن الفارق الجوهري في أن الأزمات السابقة كانت ذات طبيعة مالية أو دورية يمكن علاجها بضخ السيولة، بينما الأزمة الحالية هي أزمة هيكلية وجيوسياسية تضرب أسس النموذج الألماني.

مع تزايد المطالبات بتخفيف ‘كبح الدين’ الدستوري لتمويل التحول الصناعي والإنفاق العسكري، تبقى ألمانيا عالقة بين سندان الالتزامات الدولية ومطرقة التراجع الاقتصادي، في مشهد يؤكد أن زمن النمو السهل والمضمون قد ولى إلى غير رجعة.


تم نسخ الرابط