ترامب يصدر تهديدًا جديدًا.. واشنطن تعبر عن قلقها تجاه المحتجين في إيران بعد تدخلها في الأزمة الاقتصادية هناك – شاشوف

ترامب يصدر تهديدًا جديدًا واشنطن تعبر عن قلقها تجاه المحتجين


تأتي تهديدات ترامب بالتدخل لمساندة المحتجين في إيران في سياق انفجار اجتماعي ناتج عن عقوبات اقتصادية لا تُرحم. الولايات المتحدة، التي تدعي دعم حقوق الإيرانيين، هي نفسها من فرض تلك العقوبات التي شلّت الاقتصاد وأثّرت سلبًا على الحياة اليومية للمواطنين. الخطاب الأمريكي يفصل بين الفعل والنتيجة، حيث تندد واشنطن بالعنف دون اعتراف بأثر سياساتها. تصاعد الاحتجاجات نتيجة مباشرة لأزمة اقتصادية تفاقمت بفعل العقوبات منذ 2018، ما يعكس نموذجًا قديمًا للاحتواء من خلال الاقتصاد بدلًا من العسكرية، مع تجاهل معاناة الناس وأولوياتهم الحقيقية.

تقارير | شاشوف

تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول التدخل ‘لمساعدة المحتجين’ في إيران ليست عفوية، بل ظهرت في وقت انفجار اجتماعي نتيجة سنوات طويلة من الضغوط الاقتصادية والعقوبات الغربية. يُقدّم خطابه كدفاع عن المدنيين، لكنه يتجاهل بوضوح الدور الأساسي لواشنطن في خلق البيئة التي دفعت هؤلاء المدنيين للخروج إلى الشوارع.

الولايات المتحدة، التي تناقش اليوم حق الإيرانيين في الاحتجاج، هي نفسها التي وضعت نظام عقوبات معقدة كانت تهدف بوضوح إلى شلّ الاقتصاد الإيراني، وتقليص موارده، وزعزعة عملته، وإبعاده عن أي مجال تنفس مالي طبيعي. ومع فرض كل حزمة جديدة من العقوبات، انتقلت الأعباء من المؤسسات إلى المجتمع، ومن الدولة إلى المواطن.

المفارقة الكبيرة هنا هي أن واشنطن تتعامل مع نتائج سياساتها كأنها أحداث منفصلة، فتدين العنف عند وقوعه، وتلوّح بالتدخل، دون أي اعتراف بأن الأزمة المعيشية التي تشعل الاحتجاجات هي ناتج مباشر للحصار الاقتصادي الغربي، وليست حادثة داخلية منعزلة.

في هذا السياق، لا يمكن فهم التصعيد الكلامي لترامب إلا كجزء من نموذج أمريكي قديم: خنق الاقتصاد أولاً، انتظار انفجار اجتماعي ثانياً، ثم توظيف الغضب الشعبي سياسياً تحت مظلة إنسانية انتقائية.

قدم ترامب تهديده بلهجة إنسانية، محذراً من إطلاق النار على المتظاهرين، مُعلناً أن الولايات المتحدة ‘جاهزة للتحرك’، وفقاً لرصد شاشوف. ومع ذلك، يتناسى هذا الخطاب أن واشنطن نفسها شاركت منذ أشهر في ضرب منشآت إيرانية، مما ساهم في زيادة التوتر الأمني والعسكري داخل البلاد.

الخطاب الأمريكي يفصل عمداً بين الفعل والنتيجة: فهو يدين استخدام القوة داخل إيران، لكنه يتجاهل أن العقوبات الاقتصادية الشاملة تُعتبر شكلاً من أشكال العنف غير المباشر، حيث تؤثر على الغذاء، والدواء، والدخل، والاستقرار الاجتماعي.

هذا النمط ليس جديداً؛ فقد استخدمته واشنطن عدة مرات في دول أخرى، حيث تم تقديم العقوبات كأداة ‘ضغط ذكية’، بينما كانت آثارها واقعية وقاسية على المجتمعات، ثم تم لاحقاً استغلال التدهور الاجتماعي كدليل على ‘فشل النظام’.

الخطاب الإنساني هنا ليس سوى أداة سياسية، تُستخدم عندما تتماشى مع أهداف واشنطن، وتُسحب عندما تتعارض مع مصالحها، مما يفسر الصمت الأمريكي تجاه قمع الاحتجاجات في دول حليفة لا تخضع للعقوبات.

العقوبات كعوامل بنيوية للاحتجاجات

الاحتجاجات الأخيرة في إيران نشبت في ظل تضخم يتجاوز 36%، وتراجع حاد في قيمة الريال، بالإضافة إلى ارتفاع غير مسبوق في تكاليف المعيشة. لا يمكن فهم هذه المؤشرات بعيداً عن زاوية العقوبات المالية والنقدية المفروضة منذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي عام 2018.

العقوبات الأمريكية لم تستهدف فقط صادرات النفط، بل أثرت على النظام المصرفي، ومنعت الوصول إلى الاحتياطيات، وقيدت التجارة، وأغلقت قنوات الاستثمار، مما جعل أي سياسة اقتصادية داخلية تعمل في بيئة مختنقة مسبقاً.

ومع كل محاولة للإصلاح، كانت النتائج تعود لتؤثر سلباً على صانعيها بسبب غياب الأدوات الطبيعية للاقتصاد، مما حوّل التضخم من ظاهرة دورية إلى أزمة بنيوية يتحمل عبئها المواطن لا صانع القرار.

على الرغم من ذلك، تصرّ واشنطن على تصنيف الاحتجاجات كدليل على ‘سوء إدارة داخلية’، متجاهلة أن الأزمة الاقتصادية تم صنعها خارجياً، ثم أُعيد استخدامها داخلياً لأهداف سياسية.

تغيير الأنظمة بأسلوب اقتصادي ناعم

تهديد ترامب بالتدخل ‘لمساعدة المحتجين’ يمثل تحولاً في أدوات تغيير الأنظمة، لا في جوهرها. بدلاً من الغزو العسكري المباشر، أصبحت العقوبات والحصار والضغط الاقتصادي وسائل رئيسية لإضعاف الدول من الداخل.

هذا النموذج يقوم على فرض اختناق اقتصادي طويل الأمد، ثم انتظار تحول الغضب الاجتماعي إلى أزمة سياسية، مع تقديم الدعم الإعلامي والسياسي الخارجي عندما تبلغ الاحتجاجات ذروتها.

في الحالة الإيرانية، يتقاطع هذا النهج مع سياق إقليمي أوسع، يشمل الضغط على حلفاء طهران، وإعادة ترتيب موازين القوى، ومحاولة فرض وقائع جديدة بالقوة الاقتصادية بدلاً من العسكرية.

وبالتالي، تتحول المطالب المعيشية المشروعة إلى أدوات في لعبة جيوسياسية، حيث لا تكون معاناة الناس أولوية، بل وسيلة ضغط قابلة للاستغلال.

اقتصاد منهك وسقف اجتماعي قابل للاشتعال

تعترف السلطات الإيرانية بوجود أزمة اقتصادية، وتحاول تقديم خطاب تصالحي ووعود بالحوار، وفقاً للتقارير التي قرأها شاشوف، لكن قدرتها على المناورة تبقى محدودة في ظل حصار يمنع أي سياسة إصلاحية من العمل بفعالية.

تحرير بعض آليات سوق العملة، على سبيل المثال، لم يكن خطوة خاطئة بحد ذاتها، لكنه جاء في اقتصاد معزول، مما أدى إلى تسارع انهيار الريال بدلاً من استقراره، وزاد الضغط على الفئات الأضعف.

في ظل هذا الواقع، تصبح الاحتجاجات نتيجة منطقية، لكنها لا تعكس بالضرورة استعداد المجتمع لتبني مسار سياسي ترعاه قوى خارجية، كما تحاول واشنطن الإيحاء.

ومع ذلك، تصر الولايات المتحدة على التعامل مع الأزمة كفرصة، لا مأساة، مما يزيد من الشكوك حول نواياها الحقيقية.

تكشف التطورات الأخيرة أن الولايات المتحدة ما زالت تحت تأثير نموذج قديم: تصنع الأزمة عبر العقوبات، ثم تعود لتدين نتائجها، وتلوّح بالتدخل كحل. نموذج أثبت مراراً أنه يُزيد من تعقيد الأزمات بدلاً من حلّها.

الاحتجاجات في إيران ليست انفصالاً عن السياق الدولي، بل نتيجة مباشرة لحرب اقتصادية طويلة الأمد، صُممت لإضعاف الدولة عبر إنهاء قدرة المجتمع. ومع ذلك، تواصل واشنطن تقديم نفسها كطرف أخلاقي يقف إلى جانب ‘الشعوب’.

في النهاية، ما يحدث اليوم يفضح مفارقة جوهرية: الطرف الذي يخنق الاقتصاد هو نفسه الذي يطالب بحق الناس في الاحتجاج على هذا الاختناق. وبين الفعل والخطاب، يتكرّس نموذج أمريكي لا يغير الأنظمة بقدر ما يغير مصائر الشعوب، تاركاً لهم ثمن السياسات التي لم يختاروها.


تم نسخ الرابط