حالة جدل متصاعدة في الولايات المتحدة مع اقتراب المحكمة العليا من إصدار حكم حول قانونية الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب. تحذر من تداعيات اقتصادية خطيرة، بما في ذلك احتمال إعادة أكثر من 100 مليار دولار للمستوردين. القضاة أبدوا شكوكًا بشأن استخدام ترامب لقانون السلطات الاقتصادية الطارئة عند فرض هذه الرسوم. ترامب اعتبر إلغاء الرسوم ‘مدمراً’ للاقتصاد الأمريكي، مُشيرًا إلى دورها في تجنب الركود. في حال صدور حكم ضد ترامب، قد يؤثر ذلك في السياسة التجارية الأمريكية ويتيح مراجعة صلاحيات الرئيس. من المتوقع صدور الحكم في أوائل 2026.
تقارير | شاشوف
تزداد حالة الجدل في الأوساط السياسية والاقتصادية الأمريكية مع اقتراب المحكمة العليا من إصدار حكمها بشأن قانونية الرسوم الجمركية الواسعة التي فرضها ترامب، في ظل تحذيرات من تأثيرات مدمّرة محتملة على الاقتصاد الأمريكي في حال ألغيت تلك الرسوم، واحتمالات إلزام الحكومة برد أكثر من 100 مليار دولار من الأموال التي جمعها من الشركات والمستوردين الأمريكيين.
خلال جلسة المرافعات الشفوية التي عُقدت أمس الأربعاء، أعرب عدد من القضاة عن شكوكهم حول مدى التزام إدارة ترامب بصلاحياتها القانونية عند فرض هذه الرسوم بموجب قانون السلطات الاقتصادية الطارئة الدولية لعام 1977 (IEEPA)، الذي يتيح للرئيس استخدام أدوات اقتصادية استثنائية خلال حالات الطوارئ الوطنية وفق تقرير مرصد “شاشوف”، ولكنه لا يشمل نصوصاً صريحة مرتبطة بفرض رسوم جمركية دائمة أو شاملة.
ترامب: إلغاء الرسوم سيدمر أمريكا
وصف الرئيس ترامب إمكانية إلغاء المحكمة العليا لتلك الرسوم بأنها ستكون “مدمّرة لبلادنا”، مؤكداً في مقابلة مع شبكة “فوكس نيوز” أن هذه الإجراءات كانت من الركائز الأساسية لسياسته الاقتصادية والتجارية، وأنها أنقذت الولايات المتحدة والعالم من “كساد اقتصادي شامل”، حسب تعبيره.
وأوضح ترامب: “لو لم نستطع تطبيق هذه الرسوم، لكان العالم كله قد دخل في حالة كساد. أعتقد أنها واحدة من أهم القضايا في تاريخ بلادنا، وربما الأهم على الإطلاق”.
وأشار ترامب إلى أن هذه الرسوم أجبرت الصين على إلغاء القيود التي كانت تخطط لفرضها على صادرات المعادن النادرة، وهي مواد استراتيجية تُعتبر ضرورية لصناعات التكنولوجيا والطاقة المتجددة. وأفاد أن تهديده بزيادة الرسوم الجمركية على الواردات الصينية لم يكن مجرد خطوة داخلية، بل “عمل من أجل العالم كله”، في إشارة إلى ما اعتبره تصحيحاً للاختلالات في النظام التجاري العالمي.
قضاة المحكمة يشككون في استخدام صلاحيات الطوارئ
الجلسة التي استمرت نحو ثلاث ساعات شهدت نقاشات محتدمة بين قضاة ينتمون لمختلف الاتجاهات الأيديولوجية، حيث طرحوا تساؤلات حول مدى قانونية استناد ترامب إلى قانون الطوارئ لفرض رسوم بمليارات الدولارات شهرياً.
وحسب التحليلات القانونية، فإن ملاحظات القضاة عكست ميلاً للتشكيك في منطق توسيع صلاحيات الرئيس الاقتصادية بهذا الشكل، مما جعل المحللين يرون أن الرسوم “في خطر حقيقي”، وفقاً لما ذكره دامون بايك من شركة BDO الأمريكية لوكالة “رويترز”.
إذا صدر قرار ضد ترامب، قد تُلزم الحكومة الأمريكية برد أكثر من 100 مليار دولار إلى المستوردين الذين تحملوا أعباء تلك الرسوم، مما سيفتح المجال لترشيد أعباء الشركات الأمريكية ويُضعف أحد أبرز أدوات الضغط التجاري التي استخدمها ترامب ضد شركاء الولايات المتحدة، خصوصاً الصين والاتحاد الأوروبي والمكسيك.
احتمالات بديلة أمام إدارة ترامب
يرى خبراء التجارة الدولية أن أي قرار بعدم قانونية الرسوم لن يُنهي بالكامل قدرة الإدارة الأمريكية على فرض قيود تجارية، إذ يمكن أن تلجأ واشنطن إلى أدوات قانونية أخرى أوضح.
من بين هذه الأدوات هو القسم 232 من قانون توسيع التجارة لعام 1962 الذي يمنح الرئيس سلطة فرض رسوم لأسباب تتعلق بالأمن القومي، أو القسم 122 من قانون التجارة لعام 1974 الذي يسمح بفرض رسوم مؤقتة تصل إلى 15% لمدة 150 يوماً.
ورغم هذه الخيارات، فإن الخسارة القانونية ستكون ذات تأثير رمزي كبير، لأنها ستقوّض حجج ترمب بشأن صلاحياته الواسعة في استخدام أدوات الطوارئ الاقتصادية، وقد تفتح المجال لمراجعة أوسع للصلاحيات الرئاسية في التجارة الدولية.
ويرى محللون تتبَّع تقديراتهم من شاشوف أن أي حكم ضد إدارة ترامب قد يُحدث اضطراباً قصير الأمد في الأسواق العالمية، مع احتمال إعادة تشكيل السياسة التجارية الأمريكية بحلول عام 2026.
إذا خسر ترامب القضية، من المتوقع أن يعيد تصميم استراتيجيته عبر جولات تفاوض جديدة مع الشركاء التجاريين الرئيسيين، في محاولة لاستعادة التوازن التجاري دون الاعتماد على صلاحيات الطوارئ.
لكن الغموض، وفقاً لـ”ديفيد يونغ” من مجلس المؤتمرات الأمريكي، سيبقى قائماً حتى بعد إصدار الحكم، مشيراً إلى أن “المديرين التنفيذيين لا يزالون في حالة ترقب، وحتى إذا أُبطلت الرسوم، ستظل هناك حالة من الغموض حول مستقبل السياسة التجارية الأمريكية”.
لا يقتصر هذا الغموض على الأسواق المحلية فحسب، بل يمتد إلى الاقتصاد العالمي الذي يعتمد بشكل كبير على استقرار السياسات التجارية الأمريكية، حيث قد تؤثر التقلبات في القرارات القضائية والسياسية في سلاسل الإمداد العالمية، مما يعيد إشعال المخاوف من حرب تجارية جديدة.
يتوقع أن تصدر المحكمة العليا حكمها النهائي في بداية عام 2026، مما يضع الأسواق والشركات في حالة ترقب حذر، خصوصاً أن تنفيذ قرار ردّ أكثر من 100 مليار دولار سيشكل تحدياً بيروقراطياً وإدارياً معقّداً.
وقد حذّرت القاضية إيمي كوني باريت من أن عملية استرداد تلك الأموال ستكون “فوضوية” بالنسبة للنظام القضائي والإداري الأمريكي.
أبعاد اقتصادية ونقدية
على الصعيد المالي، حذر عضو مجلس الاحتياطي الفيدرالي ستيفن ميران من أن تصاعد الغموض التجاري نتيجة هذه القضية قد يُشكل عبئاً إضافياً على الاقتصاد الأمريكي الذي يعاني بالفعل من تباطؤ النمو، مشيراً إلى أن خفض أسعار الفائدة بشكل أكبر قد يُخفف جزئياً من حدة التأثيرات المحتملة، ولكنه لن يبدد مخاطر تراجع الثقة في السياسة الاقتصادية الأمريكية.
تُظهر هذه القضية أن معركة ترامب مع المحكمة العليا أصبحت مرحلة حساسة للتوازن بين السلطات في الولايات المتحدة، وتحديد مدى قدرة الرئيس على توسيع صلاحياته الاقتصادية في مواجهة القيود التشريعية. إذا أبطلت المحكمة الرسوم، سيكون لهذا تأثير مزدوج، يتمثل في الآثار الاقتصادية المباشرة لاسترداد مليارات الدولارات، والأثر السياسي الرمزي الذي يتمثل في تقليص سلطة الرئيس في إدارة الملفات التجارية دون رقابة الكونغرس.
تم نسخ الرابط
