تحليل – تفكك العمالقة: استراتيجيات النقل البحري في ظل العودة الحذرة لـ’السويس’ ومخاوف التصعيد الجديد – بقلم شاشوف

تحليل تفكك العمالقة استراتيجيات النقل البحري في ظل العودة


تواجه شركات الشحن الكبرى تحديات معقدة في ظل تطورات قناة السويس بعد اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025. رغم وجود بارقة أمل لإنهاء العزلة، فإن المخاطر الأمنية المتزايدة تفرض قيودًا على عودة العمليات. شركة ‘ميرسك’ اتخذت خطوة جريئة باستئناف رحلاتها عبر البحر الأحمر، بينما تراجعت ‘سي إم إيه سي جي إم’ عن خططها بسبب القلق من التوترات الجيوسياسية. ‘هاباج لويد’ تفضل الانتظار، مما يبرز تباين استراتيجيات الشركات في السوق. هذا التنوع يخلق سوقًا غير مستقر، حيث يسعى الشاحنون لتحقيق توازن بين سرعة النقل وموثوقية العمليات، ما يؤدي إلى ارتفاع أسعار الشحن.

أخبار الشحن | شاشوف

بعد أكثر من عامين من الاضطرابات غير العادية التي أثرت على التجارة العالمية عبر البحر الأحمر، تتواجد الشركات الكبرى في مجال الشحن اليوم عند مفترق طرق استراتيجي مع اقتراب يناير 2026. حيث يُعتبر اتفاق وقف إطلاق النار الذي وُقع في أكتوبر 2025 بمثابة أمل في إنهاء العزلة التي فُرضت على قناة السويس، إلا أن التغيرات السياسية والميدانية أعادت الأمور إلى التعقيد، مفرضةً معادلة صعبة تجمع بين الحاجة الملحة لتقليل التكاليف التشغيلية والتهديدات الأمنية المتنوعة.

تأتي هذه التحركات المتناقضة في وقتٍ تشهد فيه الساحة الجيوسياسية تصعيداً جديداً، حيث أدت التحذيرات الأخيرة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول احتمالية اتخاذ إجراءات عسكرية ضد إيران إلى خلق حالة من القلق في قطاع النقل البحري.

تلك التصريحات، وفقاً لرصد ‘شاشوف’، لم تكن مجرد استعراضات سياسية، بل قد انعكست على حالة الحذر والترقب في غرف عمليات شركات الشحن العالمية، التي كانت قد بدأت فعلاً في إعداد خطط العودة. التحدي الآن يمتد لما هو أبعد من سلامة السفن من الهجمات المباشرة، ليشمل القلق من اتساع نطاق الصراع الإقليمي، مما يجعل تقييم المخاطر وحسابات التأمين البحري أكثر تعقيداً من أي وقت مضى، ويجعل بعض الشركات تعيد النظر جذرياً في جدولها الزمني لهذا العام.

وسط هذه الأجواء المشحونة، يتضح تباين الاستراتيجيات بين الفاعلين الرئيسيين في الصناعة، حيث لم تعد هناك قرارات جماعية كما كانت في بداية الأزمة. فبينما تسعى بعض الشركات إلى اقتناص فرصة الهدوء النسبي لاستعادة ميزة المرور السريع عبر القناة وتقليص التكاليف المرتبطة بالوقود، تفضل أخرى اتباع مسارات التفاف طويلة حول أفريقيا كخيار “آمن ومكلف” بدلاً من التعرض لمخاطر في ممر مائي يُعد من مناطق الخطر العالي.

مناورات “ميرسك”: اختبار المياه واستعادة السيطرة

اتخذت شركة الشحن الدنماركية العملاقة “ميرسك”، التي تُعتبر بمثابة البوصلة في قطاع الشحن العالمي، قراراً جريئاً مدفوعاً برغبة قوية في استعادة الكفاءة التشغيلية لشبكتها اللوجستية، من خلال استئناف الرحلات عبر البحر الأحمر وقناة السويس.

جاء إعلان الشركة في يناير الجاري، تأكيداً لرغبتها في تشغيل خدمة أسبوعية تربط موانئ الشرق الأوسط والهند بالساحل الشرقي للولايات المتحدة، خطوةً تُظهر محاولة لكسر حاجز الخوف الذي سيطر على الصناعة لسنوات.

حُدد يوم 26 يناير كموعد لانطلاق أولى رحلات العودة الرسمية من ميناء صلالة في سلطنة عمان، مما يمثل تحولاً نوعياً في سياسة الشركة المتبعة خلال الفترة الماضية.

لم يكن هذا القرار عشوائياً، بل تبعه عمليات تقييم دقيقة للأوضاع الأمنية، حيث أرسلت الشركة سفينتين للمياه كمختبرات اختبار في ديسمبر ويناير لقياس ردود الفعل وتقديرات المخاطر.

نجاح هذه الرحلات التجريبية أعطى الضوء الأخضر للشركة للمضي قدماً في عملية العودة التدريجية، مع التركيز في المرحلة الأولى على خطوط ملاحية معينة يمكن تأمينها ومراقبتها، بدلاً من العودة الشاملة للأسطول. وتظهر هذه المنهجية رغبة “ميرسك” في التوازن بين ضغط العملاء لتقليل أوقات الشحن ومسؤوليتها تجاه طاقم وسفن الشركة.

اقتصادياً، يُعتبر قرار “ميرسك” استجابة للضغوط المتعلقة بتكاليف طريق رأس الرجاء الصالح، حيث تستهلك السفن كميات كبيرة من الوقود الإضافي، بالإضافة إلى تكاليف التشغيل والجوانب المعقدة لسلاسل الإمداد. وفقاً لرؤية ‘شاشوف’، فإن العودة لقناة السويس، حتى وإن كانت جزئية، تعني تحسين هوامش الربح وقدرة أكبر على تدوير الحاويات بسرعة، وهو أمر حيوي في سوق الشحن البحري التنافسية. لكن تبقى هذه العودة ‘مشروطة’ وتخضع لمراجعات مستمرة، مما يعني أن أي تدهور أمني قد يُعيد السفن فوراً لطريق أفريقيا الطويل.

“سي إم إيه سي جي إم”: التراجع التكتيكي

بخلاف التوجه الدنماركي، قدمت شركة الشحن الفرنسية (CMA CGM) نموذجاً استراتيجياً مختلفاً يعكس كيف تؤثر التوترات الجيوسياسية على القرارات الكبرى. فبعد أن كانت الشركة تستعد لتوسيع عملياتها عبر قناة السويس، أعلنت فجأةً، اليوم الثلاثاء، عن تعديل جذري في خططها، موجهة سفنها في ثلاث خدمات رئيسية للابتعاد عن القناة مرة أخرى.

يعتبر هذا “الانقلاب الاستراتيجي” مؤشراً على القلق العميق في أروقة الشركة، حيث فضلت الإدارة تجنب المخاطر غير المحسوبة حتى لو جاء ذلك على حساب الفوائد المالية والزمنية.

تعود أسباب هذا التراجع المفاجئ إلى ما وصفته الشركة الفرنسية بـ’حالة عدم اليقين العالمي’، وهو تعبير يعكس بوضوح المخاوف من التصعيد المحتمل بين أمريكا وإيران كما أشار إليه الرئيس ترامب.

بالنسبة لشركة بحجم “سي إم إيه سي جي إم”، ثالث أكبر ناقل للبضائع الجاهزة في العالم، يُعتبر الاستقرار في جداول الرحلات أكثر أهمية من توفير أيام قليلة من الإبحار؛ لأن تغيير المسار أو تعرض سفينة للاحتجاز أو الهجوم يُسبب خسائر فادحة في السمعة والتعويضات تفوق تكلفة الوقود الإضافي عبر أفريقيا.

تداعيات قرار الشركة الفرنسية تتجاوز عملياتها الخاصة، حيث تُرسل إشارات سلبية لسوق التأمين البحري والعملاء حول العالم، مما يعني أن الممر المائي الحيوي لا يزال غير موثوق. كانت الشركة تأمل في بدء عمليات عبور منتظمة بين الهند والولايات المتحدة في يناير، لكن تراجعها الآن يعزز الفكرة بأن اتفاقيات وقف إطلاق النار الهشة ليست كافية لبناء خطط تجارية طويلة الأمد.

هذا التذبذب في القرارات يضع ضغوطاً مستمرة على سلاسل الإمداد العالمية، حيث يجد المستوردون والمصدرون صعوبة كبيرة في التنبؤ بمواعيد وصول البضائع أو تكاليف الشحن النهائية.

“هاباج لويد” والناقلات المتخصصة: سياسة النفس الطويل

تتبنى شركة “هاباج لويد” الألمانية موقفاً أكثر تحفظاً وثباتاً، معلنة أنها لن تعدل عملياتها في البحر الأحمر في الوقت الراهن، مفضلة الاستمرار في استخدام طريق رأس الرجاء الصالح رغم عودة “ميرسك”. أساس الرؤية الألمانية هو تحليل لوجستي دقيق، حيث أكد الرئيس التنفيذي للمجموعة أن العودة إلى قناة السويس لا يمكن أن تُحقق بسهولة، بل تحتاج إلى فترة انتقالية تمتد من 60 إلى 90 يوماً.

هذه الفترة ضرورية لإعادة جدولة السفن، وتنسيق الخدمات اللوجستية في الموانئ، ومنع حدوث تكدس مفاجئ في الموانئ المستقبلة، وهو درس قاسٍ تعلمته الصناعة خلال أزمة سلاسل التوريد السابقة.

يعتقد خبراء “هاباج لويد” أن أي تسرع في العودة قد يؤدي لفوضى تشغل أكثر مما تفيد، خاصة مع عدم استقرار الوضع الأمني. فالشبكات اللوجستية العالمية تعمل بنظام دقيق للغاية، وأي تغيير مفاجئ في مسارات مئات السفن سيؤدي لتأخيرات غير مجدولة، مما يربك عمليات التخزين والمناولة. ولهذا، تفضل الشركة الألمانية “الاستقرار البطيء” على “السرعة المحفوفة بالمخاطر”، مفضلةً تحمل تكاليف مسار أفريقيا المعروفة على تحمل غضب التغييرات غير المضمونة عبر السويس، مما يمنح عملاءها موثوقية أكبر حتى وإن كانت الرحلة أطول.

في سياق متصل، تطفو مخاوف القطاعات المتخصصة مثل نقل السيارات، حيث صرحت مجموعة “والينيوس ويلهلمسن” النرويجية بأنهم لا يزالون في مرحلة التقييم ولن يستأنفوا الإبحار إلا بعد التأكد من شروط أمنية صارمة للغاية.

سفن نقل السيارات (Ro-Ro) تُعتبر أهدافًا أكثر حساسية وعرضة للخطر مقارنة بسفن الحاويات التقليدية، مما يجعلها آخر ما يعود إلى القناة وفقاً لرؤية ‘شاشوف’، مما يشير إلى أن تعافي حركة الملاحة في السويس سيظل غير مكتمل لفترة طويلة حتى بعد عودة بعض ناقلات الحاويات.

يعكس المشهد الحالي لصناعة الشحن البحري في بداية عام 2026 حالة من التشرذم الاستراتيجي غير المسبوق، حيث يتم اتخاذ القرارات بناءً على تقييمات أمنية وسياسية آنية بالإضافة إلى الجدوى الاقتصادية التقليدية.

إن تباين القرارات بين “ميرسك” و”سي إم إيه سي جي إم” و”هاباج لويد” يُظهر غياباً للثقة العميقة في استدامة الهدوء النسبي في المنطقة. هذا الاختلاف يخلق سوقًا متعددة السرعات والتكاليف، حيث قد يُجبر الشاحنون على الاختيار بين مسارات أسرع وأكثر مخاطرة أو مسارات أبطأ وأكثر استقراراً، مما يحفظ أسعار الشحن مرتفعة وغير مستقرة مقارنة بمستويات ما قبل الأزمة لعدة أرباع قادمة.


تم نسخ الرابط