تحرك دولي عاجل لحماية الإمدادات الزراعية من آثار الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران – شاشوف
في سعي عاجل لمعالجة أزمة غذائية عالمية، أطلق الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، مبادرة جديدة لتأمين ممر آمن للمواد الزراعية عبر مضيق هرمز. التوترات المتزايدة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران تهدد الأمن الغذائي العالمي، حيث يمر 30% من تجارة الأسمدة عبر هذا المضيق الحيوي. وتزامن ذلك مع اقتراب مواسم الزراعة الربيعية، مما يجعل تأخير الإمدادات مؤذياً للعديد من المحاصيل. تحذر الأمم المتحدة من خطر النزاع المستمر على الأمن الغذائي، حيث أن تفاقم الوضع قد يؤدي إلى موجات جديدة من المجاعة في دول تعاني أصلاً من أزمات اقتصادية.
تقارير | شاشوف
في سباق محموم ضد الزمن لاحتواء أزمة عالمية متصاعدة، أطلق الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، مبادرة طارئة غير مسبوقة بتشكيل فريق عمل تعاوني بين الوكالات الدولية، يوم أمس 27 مارس. الهدف المعلن هو تأمين ممر آمن لتدفق الأسمدة والمواد الخام الزراعية عبر مضيق هرمز، الذي أصبح واحداً من أخطر المناطق العسكرية في العالم.
تُظهر هذه التحركات السريعة القلق العميق للأمم المتحدة من احتمال تجاوز نيران الصراع حدود الشرق الأوسط لتؤثر على أمن الغذاء العالمي، مما قد يحول أزمة عسكرية إلى كارثة إنسانية شاملة.
تأتي هذه الخطوة الاستثنائية في ذروة تصاعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، التي تثير ظلالاً قاتمة على حركة الملاحة في أحد أهم الشرايين المائية في العالم. فمضيق هرمز لا يعد بمثابة ممر لربع إنتاج النفط العالمي فحسب، بل أيضاً يأتي كعنق زجاجة حيوي لتجارة الأسمدة الكيميائية، حيث تشير بيانات منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) التي يتابعها شاشوف إلى أن حوالي 30% من تجارة الأسمدة العالمية تمر عبره.
يتزامن هذا التصعيد مع اقتراب مواسم الزراعة الربيعية في نصف الكرة الشمالي ومناطق زراعية حيوية أخرى، مما يجعل أي تأخير في سلاسل التوريد بمثابة حكم بالإعدام على محاصيل هذا العام.
لقيادة هذه المبادرة وتوفير الدعم السياسي لها، انخرط غوتيريش في مشاورات دبلوماسية مكثفة عبر الهاتف، حيث شملت الأطراف الرئيسية في النزاع وقوى إقليمية ودولية مؤثرة مثل إيران والولايات المتحدة، بالإضافة إلى باكستان ومصر والبحرين. تعتمد الأمم المتحدة في هذا الجهد المعقد على خبراتها السابقة، خاصةً ‘مبادرة حبوب البحر الأسود’ التي نجحت في تنفيذها عقب اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، وتأمل في تطوير آلية تقنية مماثلة تضمن عدم تأثر الأمن الغذائي بالصراعات العسكرية والجيوسياسية.
آليات فنية لتفادي كارثة زراعية
كلّفت الأمم المتحدة فريق العمل المتخصص، الذي يتكون من خبراء وممثلين عن وكالات دولية متعددة، بمهمة صعبة تتمثل في تصميم ‘آليات تقنية وإجرائية’ تهدف إلى تسهيل وتأمين تجارة الأسمدة، بما في ذلك نقل المواد الخام مثل اليوريا والأمونيا التي تنتج بكثرة في دول الخليج.
سيعمل هذا الفريق بتنسيق وثيق ومراجعة يومية مع الدول الأعضاء المعنية لإنشاء ممرات آمنة وضمان عدم استهداف السفن التجارية الحاملة لهذه المواد الحيوية أو احتجازها وسط الفوضى العسكرية في مياه الخليج.
في هذا السياق، أطلق ستيفان دوجاريك، المتحدث باسم الأمين العام، تحذيراً واضحاً يبرز خطورة الوضع، مؤكدًا أن الاضطراب الحالي في حركة التجارة البحرية عبر مضيق هرمز سيؤدي إلى ‘تداعيات متسلسلة مدمرة’ ستؤثر بشدة على خطط الاستجابة الإنسانية وإنتاجية الزراعة خلال الأشهر القادمة. وشدد دوجاريك على أن اتخاذ إجراءات فورية لم يعد خياراً، بل هو ضرورة عاجلة لتقليل الآثار الكارثية للصراع المحتمل أن يتسع.
من الناحية الاقتصادية، لا يمكن تعويض النقص الحاد الذي قد يحدث بسبب إغلاق مضيق هرمز بسهولة. فدول المنطقة ليست مجرد منتجة للنفط، بل أيضاً تعتبر قوى رئيسية في صناعة البتروكيماويات والأسمدة النيتروجينية.
أي شلل في إمدادات هذه المنطقة يعني أن مزارعي العالم سيواجهون نقصاً غير مسبوق في الأسمدة وفقاً لتقارير شاشوف، مما سيدفع الأسعار إلى مستويات عالية ويعطل قدرة الدول الزراعية الكبرى على استدامة إنتاجيتها وتلبية الاحتياجات المتزايدة للسكان.
العد التنازلي: صدمة الأسواق وأمن الغذاء العالمي
من الجانب التحليلي، وضعت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) جدولاً زمنياً مقلقاً للأزمة، حيث تشير تقديرات ماكسيمو توريرو، كبير الاقتصاديين في المنظمة، إلى أن الأسواق العالمية لديها قدرة محدودة على ‘امتصاص’ صدمة الحرب في حال كانت فترة الصراع قصيرة. ومع ذلك، فإن الوضع سيصبح أكثر تعقيداً إذا استمر القتال لأكثر من شهر، حيث حذر توريرو من أن استمرار الحصار أو الإغلاق التام لمدة ثلاثة شهور سيوجه ضربة قاصمة لجميع المزارعين، متوقعاً انخفاضاً حاداً في الغلات العالمية للقمح والأرز والذرة.
لا يقتصر الخطر على انخفاض الغلة الزراعية فحسب، بل يترافق مع أزمة طاقة خطيرة، حيث يرتبط اضطراب شحنات الأسمدة بارتفاع كبير في أسعار الطاقة العالمية، مما يهدد بإشعال موجة تضخمية جديدة في أسعار الغذاء.
هذا السيناريو المزدوج يشكل كابوسًا اقتصاديًا، خصوصاً للدول الهشة في إفريقيا وآسيا التي لم تتعافى بعد من تداعيات جائحة كورونا وصراع أوكرانيا، مما يلوح في الأفق بانتكاسة تنموية قد تستغرق سنوات لتجاوزها.
ترجم برنامج الأغذية العالمي هذه التحذيرات إلى أرقام إنسانية مقلقة، محذراً حسب قراءة شاشوف من أن استمرار الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران حتى يونيو القادم سيؤدي إلى دفع عشرات الملايين من الأشخاص إلى دائرة الجوع الحاد. هؤلاء الضحايا لن يتأثروا بالأسلحة بشكل مباشر، بل بعواقب الحرب التي ستنعكس على حياتهم اليومية وتؤثر على المحاصيل والأسواق.
في النهاية، تحول ‘الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران’ من مواجهة عسكرية وجيوسياسية إلى تهديد مباشر يمس كل فرد على وجه الأرض.
يثبت العلاقة الوثيقة بين أمن الممرات المائية الحساسة واستقرار سلاسل إمداد الغذاء، مجددًا، أن الحروب الحديثة لا تعترف بالحدود الجغرافية، وأن شحنة من الأسمدة محتجزة في مضيق هرمز اليوم، قد تعني رغيف خبز مفقود في مكان آخر غدًا.
تم نسخ الرابط