تحدي السيادة المعقد: كيف أصبحت غرينلاند اختباراً لقوة الناتو في مواجهة ضغوط الولايات المتحدة؟ – شاشوف

تحدي السيادة المعقد كيف أصبحت غرينلاند اختباراً لقوة الناتو في


في عام 2026، أصبحت غرينلاند ساحة صراع نفوذ بين الحلفاء، حيث تسعى حكومة نوك لتحصين سيادتها من المطامع الأمريكية. فقد دعت إلى تدويل الدفاع عن الجزيرة تحت مظلة الناتو، محذرة من أن أي تحرك أمريكي للأستحواذ يجب اعتباره تهديداً لأمن الحلف بأسره. تعكس الأزمة مفارقة تاريخية، إذ تسعى الولايات المتحدة إلى ‘شراء’ غرينلاند، متجاهلة إرادة السكان. بينما تسعى أوروبا للتوسط، يجد الجميع أنفسهم في مأزق دبلوماسي يهدد الاستقرار. الأزمة تكشف أن السيادة ليست سلعة، وأن الإرادة الشعبية لا يمكن تجاهلها في الصراعات الجيوسياسية الحديثة.

تقارير | شاشوف

في ظل الأوضاع الجيوسياسية المتوترة التي يفتتح بها عام 2026، لم تعد القمم الجليدية في غرينلاند مجرد كتل باردة في الدائرة القطبية الشمالية، بل أصبحت ساحة للصراع غير المسبوق بين الحلفاء أنفسهم. لذا اضطرت حكومة نوك (عاصمة غرينلاند) للاعتماد على مظلة حلف شمال الأطلسي (الناتو) ليس في مواجهة عدوان خارجي من الشرق، بل لضمان سيادتها أمام الأطماع المتجددة من قائد التحالف، الولايات المتحدة، التي تتعامل مع الجغرافيا السياسية كما لو كانت صفقات عقارية.

تشير التحركات الأخيرة التي أعلن عنها مكتب رئيس وزراء غرينلاند مساء الاثنين، إلى شعور بالخطر الوجودي في أكبر جزيرة في العالم. فالدعوة لتدويل الدفاع عن الجزيرة وضمها للوصاية الجماعية للناتو تمثل استراتيجية ذكية لإرباك إدارة الرئيس دونالد ترامب؛ حيث يسعى الائتلاف الحكومي بالتنسيق مع الدنمارك لتحويل أي تحرك أمريكي للاستحواذ على الجزيرة إلى أزمة تهدد أمن الحلف بأسره، بدلاً من إبقائها مسألة ثنائية يمكن لواشنطن استغلالها.

تأتي هذه الخطوات الدبلوماسية الدقيقة كمؤشر على القلق من الاجتماع الحاسم المقرر في واشنطن، الذي يضم وزراء خارجية الدنمارك وغرينلاند مع نظيرهم الأمريكي ماركو روبيو. هذا اللقاء، الذي توصفه الأوساط الأوروبية بأنه محاولة “لنزع فتيل القنبلة”، لا يبدو أنه سيكون سهلاً، إذ تشير التقارير من “بلومبيرغ” إلى أن الإدارة الأمريكية مصممة على رغبتها في السيطرة على الجزيرة، وهو ما يقابله رفض قاطع من السكان الأصليين وحكومتهم، الذين يعتبرون العرض الأمريكي بمثابة إهانة لمبدأ تقرير المصير.

وفقاً لمتابعة شاشوف، يتجلى التناقض في هذا السيناريو في أن الولايات المتحدة، والتي كانت لعقود طويلة مدافعة عن النظام العالمي الليبرالي وسيادة الدول، تمارس الآن ضغوطاً تشبه عهود الاستعمار، حيث تُباع الأراضي والشعوب كسلع سياسية. ومع تزايد التفاؤل الأوروبي بجدوى “تسوية”، تبقى تساؤلات عالقة: كيف يمكن الوصول إلى حل عندما يكون الطلب هو إلغاء وجود دولة، والعرض المقابل مجرد شيك مالي؟

درع “الناتو” في مواجهة “التاجر” الأمريكي

تسعى حكومة غرينلاند من خلال بيانها الأخير إلى إعادة تعريف علاقتها الأمنية مع الدول الكبرى، إذ تتجه نحو استراتيجية “الدفاع الجماعي” بدلاً من الاعتماد على المظلة الأمريكية أو الدنماركية. النص الذي صدر عن مكتب رئيس الوزراء يؤكد أن “جميع دول الناتو تتشارك في مصلحة الدفاع عن غرينلاند”، وهو بمثابة رسالة ضمنية لواشنطن مفادها أن الجزيرة ليست مجرد حديقة خلفية لأحد، وأن أي مساس بوضعها القانوني يمثل تهديداً للاستقرار في منطقة الشمال للحلف ككل.

يعكس هذا التكتيك القلق من أن الضمانات الثنائية لم تعد كافية لردع الطموحات الأمريكية. في كل تصريح تتخذه الحكومة، يُنظر للوجود العسكري الأمريكي، الذي كان يُعتبر ضمانة أمنية، على أنه قد يتحول إلى “وسيلة استحواذ”. لذا، فإن الإصرار على أن يكون الحوار وتطوير الدفاعات “في إطار الناتو” يعد محاولة لفرض رقابة جماعية من قبل أوروبا على السلوك الأمريكي في القطب الشمالي.

من جانبها، تجد الدنمارك نفسها في موقف صعب بين واجبها الدستوري في حماية وحدة أراضي المملكة، وضرورة الحفاظ على علاقاتها مع الحليف الأمريكي الأقوى. تحذيرات رئيسة الوزراء ميتي فريدريكسن من أن محاولات الاستحواذ ستقوض التحالف تعكس مشاعر حقيقية من مخاوف انقسام الناتو إذا قررت واشنطن تفضيل منطق “الصفقة” على مبادئ التحالف، مما قد يدفع دولاً أخرى للتشكيك في جدوى الحماية الأمريكية.

الجغرافيا كسلعة.. جذور الهوس الأمريكي بالجزيرة

لا يمكن سرد الإصرار الأمريكي على “شراء” غرينلاند دون النظر في التحولات الاستراتيجية الأخيرة في القطب الشمالي، وكذلك العقلية التجارية السائدة في البيت الأبيض. بالنسبة لإدارة ترامب، فإن غرينلاند ليست مجرد أمة أو شعب، بل “أصل عقاري” استراتيجي غير مستغل. الثروات المعدنية الكبيرة، والموقع الإستراتيجي إزاء ممرات الشحن الناشئة بفعل ذوبان الجليد، بالإضافة إلى قاعدة “ثول” الجوية الحاسمة، تجعل الجزيرة -في نظر واشنطن- منغصاً في تنافسها مع الصين وروسيا.

لكن ما يغيب عن التحليلات الأمريكية هو أن الزمن قد تجاوز فكرة “شراء الدول”. التصريحات الأمريكية التي تتحدث عن “خيارات قوية” و”رغبة مؤكدة” تشير إلى انفصال عن الواقع السياسي للقرن الحادي والعشرين. المسؤولون في نوك كانوا حاسمين في ردودهم بأن بلادهم منفتحة على التجارة والاستثمار، لكنها “ليست للبيع”، وهو تمييز يبدو أن الإدارة الأمريكية تجد صعوبة في استيعابه في حماسها الاستثماري.

هذا “الهوس” بالسيطرة المباشرة بدلاً من الشراكة المتكافئة يكشف أزمة عميقة في مفهوم أمريكا تجاه حلفائها الصغار. إن التعامل مع غرينلاند كملحق جغرافي يمكن نقله من سيادة الدنمارك إلى سيادة الولايات المتحدة بمجرد توقيع شيك، يتجاهل إرادة الشعب الغرينلاندي، الذي صوت لصالح حكم ذاتي موسع وهو في طريقه نحو الاستقلال الكامل. إنها معركة بين طموحات إمبراطورية متجددة وبين حق تقرير المصير، وهي لا تُحسم بالدولار وحده.

حراك أوروبي لاحتواء “تسونامي” واشنطن

في محاولة لتفادي تفاقم الوضع، تكثفت الاتصالات الأوروبية مع واشنطن، حيث ظهر دور ألمانيا كوسيط محتمل لتقريب وجهات النظر. تصريحات وزير الخارجية الألماني بعد لقائه بروبيو، تُظهر تفاؤلاً بشأن إمكانية الوصول إلى “تسوية”، مما يوحي بأن أوروبا تبحث عن حل يحفظ ماء وجه واشنطن دون التضحية بسيادة غرينلاند. وقد تشمل هذه التسوية تعزيزاً للوجود الاقتصادي والعسكري الأمريكي في الجزيرة، لكن تحت الولاية الدنماركية-الغرينلاندية، وليس بديلاً عنها.

ومع ذلك، الصمت الرسمي من جانب وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو يُثير القلق، إذ لم يصدر أي تأكيد أمريكي بالعدول عن فكرة الاستحواذ الكامل. هذا الغموض يلقي بظلاله على الاجتماع الثلاثي المرتقب، مما يجعل من ‘التسوية’ الأوروبية هدفاً صعب المنال إذا تمسك الجانب الأمريكي بمطالبه المتطرفة. القلق الأوروبي يكمن في أن فشل الدبلوماسية قد يدفع ترامب لتنفيذ تهديداته بمعاقبة أعضاء الناتو أو تقليص التزاماته الدفاعية، مما يجعل غرينلاند ورقة في مساومة أوسع.

القلق الحالي يضع العلاقات عبر الأطلسي أمام اختبار صعب. بينما تسعى العواصم الأوروبية للتكيف مع السياسات الأمريكية المتقلبة، فإن المساس بالحدود السيادية لدولة أوروبية (عبر الدنمارك) يعد خطاً أحمر لدى أوروبا. تدرك أن قبول مبدأ “بيع الأقاليم” تحت الضغط السياسي سيفتح أبواب الفوضى الدولية، ولذلك فإن دعم موقف غرينلاند والدنمارك يعد بمثابة دفاع عن المبادئ الأساسية التي قامت عليها النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية.

في الأخير، تكشف أزمة غرينلاند عن وجه السياسة الواقعية في صراعات القوى العظمى، حيث تتعارض المصالح الاستراتيجية مع طموحات الشعوب الصغيرة. إن لجوء غرينلاند للناتو لحمايتها من الولايات المتحدة يُظهر سخرية القدر التي تلخص حالة التخبط في المعسكر الغربي؛ حيث أصبح مصدر التهديد هو نفسه مصدر الحماية المفترض، مما يضع مفهوم “الأمن الجماعي” أمام تحدٍّ أخلاقي وعملي غير مسبوق.

على الرغم من الحديث عن “تسويات”، فإن الجانب الاستعماري من المطالب الأمريكية لا يمكن تمييعه. إن الرغبة في شراء جزيرة مأهولة بسكان لهم ثقافتهم وتاريخهم وحكومتهم، تعكس نظرة فوقية إلى العالم كموارد مخصصة للاستغلال. وحتي وإن تم التوصل إلى اتفاق لتهدئة الوضع الحالي، فإن الشرخ الذي أحدثته هذه التهديدات يقوض الثقة بين واشنطن وحلفائها الشماليين، وقد يدفع غرينلاند نحو تحقيق استقلالها الكامل للتخلص من هذه التنقلات.


تم نسخ الرابط