تحديات اقتصادية متزايدة واستقرار نقدي غير مستدام: هل يستطيع الاقتصاد اليمني مواجهة ضغوطات الوقود والتجارة الإقليمية؟ – شاشوف
في مايو 2026، أظهر الاقتصاد اليمني مزيجاً من التحسن المؤقت والتحديات الهيكلية. استقر الريال اليمني عند 1553 للدولار، مما ساهم في خفض أسعار المواد الغذائية الأساسية بنسبة تصل إلى 30% مقارنة بالعام الماضي. رغم ذلك، تظل ظروف المعيشة صعبة مع ارتفاع الاعتماد على المساعدات الإنسانية. تشكل أسعار الوقود المتزايدة وازدحام التجارة الإقليمية تحديات رئيسية. تواجه اليمن أزمة غذائية حادة، حيث يتوقع أن 53% من السكان سيعانون من انعدام الأمن الغذائي حتى نهاية العام. نقص التمويل الإنساني يفاقم الأزمة، مما يتطلب إصلاحات اقتصادية شاملة ودعماً إنسانياً أكبر.
الاقتصاد اليمني | شاشوف
وفقاً لنشرة الأسواق والتجارة في اليمن لشهر مايو 2026 (Yemen Market and Trade Bulletin – May 2026) التي صدرت عن نظام معلومات الأمن الغذائي والتغذية في اليمن (FSNIS) بالتعاون مع منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (FAO)، شهد الاقتصاد اليمني خلال مايو 2026 مزيجاً من المؤشرات الإيجابية قصيرة الأجل والتحديات الهيكلية المستمرة التي تؤثر على الأسواق المحلية وظروف معيشة ملايين الأسر.
وأشارت النشرة التي حصل عليها “شاشوف” إلى أن الريال اليمني في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة المعترف بها دولياً استمر في استقراره أمام الدولار الأمريكي عند 1553 ريالاً للدولار، مما ساهم في تخفيف الضغوط التضخمية وتقليل أسعار بعض المواد الغذائية الأساسية مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. كما أثر استقرار العملة على تكاليف الواردات، حيث يعتمد اليمن بشكل كبير على الخارج لتلبية احتياجاته الغذائية والوقودية.
لكن هذا التحسن النسبي لا يعكس بالضرورة تحسناً في الظروف المعيشية للأسر اليمنية، حيث تشير النشرة إلى استمرار ضعف مصادر الدخل وقلة فرص العمل وزيادة الاعتماد على المساعدات الإنسانية.
في الوقت نفسه، تستمر أسعار الوقود المرتفعة والاضطرابات التجارية الإقليمية وانخفاض التمويل الإنساني في زيادة الضغوط على الاقتصاد، مما يجعل أي استقرار حالي عرضة للإخفاق السريع بسبب الصدمات الخارجية.
استقرار سعر الصرف يخفف الضغوط التضخمية
شهد الريال اليمني في مايو 2026 واحدة من أكثر فترات الاستقرار النقدي وضوحاً في السنوات الأخيرة، حيث حافظ على سعره عند 1553 ريالاً للدولار دون تغييرات ملحوظة مقارنة بالشهر السابق. كما أظهرت بيانات النشرة تحسناً سنوياً كبيراً بنسبة تقارب 63% مقارنة بمايو 2025، مما اعتُبر عاملاً رئيسياً في دعم الأسواق المحلية خلال الأشهر الماضية.
يعود هذا التحسن إلى عدة عوامل، أبرزها الإجراءات التنظيمية التي اتخذها بنك عدن المركزي لتعزيز الرقابة على سوق الصرف، بالإضافة إلى الدعم المالي الخارجي الذي ساعد في تخفيف الضغوط على احتياطيات النقد الأجنبي وزيادة الثقة في العملة المحلية.
وقد تمثل استقرار العملة في انخفاض أسعار الغذاء، حيث أظهرت بيانات FSNIS وFAO تراجع أسعار السلع الغذائية الأساسية بنسب تتراوح بين 23% و30% مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي، في حين ظلت معظم السلع دون متوسط أسعارها خلال السنوات الثلاث السابقة.
ومع ذلك، تؤكد النشرة أن استقرار سعر الصرف لا يزال هشاً بسبب قلة الاحتياطيات الأجنبية واستمرار اعتماد الاقتصاد اليمني على الواردات، مما يجعله معرضاً لأي تقلبات في الأسواق العالمية أو اضطرابات في حركة التجارة الإقليمية.
انخفاض أسعار الغذاء يمنح الأسواق متنفساً مؤقتاً
استفادت الأسواق المحلية بصورة واضحة من استقرار سعر الصرف، حيث انخفضت أسعار العديد من المواد الغذائية الأساسية مقارنة بالعام الماضي، في حين كانت الزيادات الشهرية لبعض السلع محدودة بنسب تتراوح بين 1% و3% حسب بيانات شاشوف.
أيضاً، ارتفعت تكلفة الحد الأدنى للسلة الغذائية الأساسية بنسبة 2% فقط خلال مايو مقارنة بأبريل، لكنها ظلت أقل بنحو 27% من مستوياتها قبل عام، مما يعكس تأثير استقرار العملة وانخفاض أسعار الغذاء على تكاليف المعيشة.
لكن التقرير يشير إلى أن انخفاض الأسعار لا يترجم بالضرورة إلى تحسين ملموس في مستوى معيشة المواطنين، حيث يعتمد نحو 35% من السكان على رواتب حكومية غير منتظمة أو منخفضة القيمة، بينما تعتمد قطاعات واسعة على أعمال يومية غير مستمرة أو تحويلات خارجية محدودة.
لذا تؤكد النشرة أن معالجة أزمة الأمن الغذائي تحتاج إلى أكثر من مجرد استقرار الأسعار، بل تتطلب تحسين مستويات الدخل وتوسيع فرص العمل وتعزيز النشاط الاقتصادي بشكل مستدام.
الوقود يشكل التحدي الأكبر أمام الاقتصاد
في المقابل، برز قطاع الوقود كمصدر للضغط الأكبر على الاقتصاد اليمني خلال مايو 2026. فقد ارتفعت أسعار الديزل والبترول في مناطق حكومة عدن ما بين 11% و15% مقارنة بالشهر السابق، نتيجة ارتفاع تكاليف الاستيراد والشحن والتأمين والتغيرات السعرية المحلية.
تنعكس هذه الزيادات بشكل مباشر على الأنشطة الاقتصادية المختلفة، بدءاً من النقل والتوزيع وصولاً إلى الإنتاج الزراعي وتشغيل المخابز وشبكات المياه والكهرباء، مما يجعل الوقود عنصراً محورياً في تحديد اتجاه التضخم خلال الفترة المقبلة.
ارتفعت واردات الوقود بنسبة 104% مقارنة بشهر أبريل، مما يشير إلى تحسن تدفقات الإمدادات، لكن هذا التعافي ظل محدوداً، حيث بقيت الواردات أقل بنحو 68% من مستويات مايو 2025 وأقل بنسبة 63% من المتوسط خلال السنوات الثلاث الماضية.
يشير ذلك إلى أن السوق اليمنية لم تستعد بعد مستويات الإمداد الطبيعية، وأن ما تحقق خلال الأشهر الأخيرة يمثل تعافياً جزئياً أكثر من كونه عودة كاملة للاستقرار.
اضطرابات التجارة الإقليمية تزيد المخاطر
لا تزال التطورات الإقليمية المرتبطة بحركة التجارة والطاقة تمثل أحد أبرز مصادر القلق بالنسبة للاقتصاد اليمني، خاصة مع استمرار حساسية الأسواق المحلية تجاه أي اضطراب في الممرات البحرية الحيوية.
تشير النشرة إلى أن أي توتر جديد في طرق الشحن الدولية، خصوصاً في مضيق هرمز الذي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط والطاقة العالمية، يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، مما سيزيد من أسعار الوقود والسلع الأساسية داخل اليمن.
تأتي هذه المخاوف في وقت يعتمد فيه اليمن بشكل شبه كامل على الواردات لتأمين احتياجاته الغذائية والوقودية، مما يجعل الاقتصاد المحلي أكثر تأثراً بالتقلبات الخارجية مقارنة بالعديد من اقتصادات المنطقة، حسبما تم تداوله في “شاشوف” مؤخراً.
أيضاً، يستمر ارتفاع أسعار الوقود في توسيع الضغوط على مختلف القطاعات الإنتاجية والخدمية، مما قد يؤدي إلى موجة تضخمية جديدة خلال النصف الثاني من العام إذا لم تتحسن أوضاع الإمدادات والأسواق الإقليمية.
أزمة الأمن الغذائي مستمرة رغم التحسن النسبي
على الرغم من بعض التحسن في مؤشرات الأسواق، لا تزال اليمن تواجه واحدة من أسوأ أزمات الأمن الغذائي في العالم. وفقاً لتقديرات FSNIS الواردة في النشرة، فإن حوالي 53% من السكان سيواجهون مستويات أزمة أو أسوأ من انعدام الأمن الغذائي الحاد حتى نهاية عام 2026.
يمتلك اليمن أكبر عدد من السكان في العالم ضمن مرحلة الطوارئ الغذائية، لا سيما مع استمرار وجود مناطق تعاني من أوضاع شديدة الهشاشة نتيجة تداخل عناصر الصراع والفقر وضعف الخدمات الأساسية وانخفاض المساعدات الإنسانية.
وقد رصد شاشوف من البيانات ارتفاع أجور العمالة الزراعية بنسبة 3% خلال مايو، في حين انخفضت أجور العمالة اليومية غير الزراعية بنسبة 2%، مما يعكس استمرارية ضعف النشاط الاقتصادي خارج القطاع الزراعي وعدم قدرة سوق العمل على توفير دخلاً كافياً للعديد من الأسر الفقيرة.
في الوقت نفسه، ارتفعت أسعار الأغنام والماعز بنسبة تتراوح بين 7% و10% بدعم من الطلب الموسمي قبل عيد الأضحى وارتفاع تكاليف النقل، مما منح مكاسب محدودة للأسر المالكة للثروة الحيوانية، لكنه زاد من الضغوط المعيشية على المستهلكين.
تراجع التمويل الإنساني يفاقم الأزمة
يمثل نقص التمويل الإنساني أحد أكبر التحديات التي تواجه اليمن في العام الجاري، خصوصاً مع تزايد الاحتياجات الغذائية والصحية لملايين السكان.
تشير النشرة إلى أن خطة الاستجابة الإنسانية لعام 2026 لم تتلق حتى يونيو سوى حوالي 14% من إجمالي التمويل المطلوب، مما يهدد قدرة المنظمات الإنسانية على مواصلة تقديم المساعدات الغذائية والخدمات الأساسية للفئات الأكثر ضعفاً.
هذا العجز يؤدي إلى تقليص برامج الدعم الإنساني بشكل تدريجي، مما قد يزيد من مستويات الجوع وسوء التغذية ويعقد الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية خلال الأشهر القادمة.
كما يحذر التقرير من أن استمرار فجوة التمويل الحالية قد يقوض المكاسب المحدودة التي حققت في بعض مؤشرات الأسواق، خاصة إذا تزامن ذلك مع زيادة جديدة في أسعار الغذاء أو الوقود.
تظهر نشرة الأسواق والتجارة في اليمن لشهر مايو 2026 واقعاً اقتصادياً معقداً يجمع بين مؤشرات استقرار مؤقتة ومخاطر هيكلية مستمرة؛ لقد منح استقرار سعر الصرف وانخفاض أسعار الغذاء الأسواق متنفساً مهماً بعد سنوات من التقلبات الحادة، لكن هذه المكاسب ما زالت تعتمد على ظروف متغيرة بسرعة.
مع استمرار ارتفاع أسعار الوقود، وضعف مصادر الدخل، وتراجع التمويل الإنساني، وتوقع مواجهة أكثر من نصف السكان لمستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، يظل الاقتصاد اليمني أمام تحديات جسيمة تستدعي إصلاحات اقتصادية أوسع ودعماً إنسانياً أكبر لضمان تحول الاستقرار الحالي من حالة مؤقتة وهشة إلى تعافٍ اقتصادي حقيقي ومستدام.