في الربع الأخير من 2025، يظهر الاقتصاد العالمي مزيجًا من المرونة والهشاشة، نتيجة لارتفاع الرسوم الجمركية الأمريكية و’فقاعة الذكاء الاصطناعي’، بالإضافة إلى الدين العالمي الذي تجاوز 338 تريليون دولار. بينما يُظهر الاقتصاد الأمريكي بعض الإيجابية بدعم الاستهلاك والذكاء الاصطناعي، تهدد الرسوم الجمركية الأمريكية بسبب المخاطر التجارية، مما يؤدي إلى تراجع في النمو العالمي. يتوقع البنك الدولي أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 3.0% في 2025، مع الحاجة إلى سياسات مالية حذرة وتعاون دولي لتفادي أزمة اقتصادية جديدة.
الاقتصاد العالمي | شاشوف
في الربع الأخير من عام 2025، يواجه الاقتصاد العالمي فترة حرجة تتميز بروح من المرونة مع وجود هشة كامنة، حيث تشير التطورات الأخيرة إلى أن ارتفاع الرسوم الجمركية الأمريكية، بالإضافة إلى ما يُطلق عليه ‘فقاعة الذكاء الاصطناعي’، وارتفاع الديون العالمية الكبيرة إلى مستويات قياسية، قد تؤدي إلى تباطؤ اقتصادي جديد على الرغم من المؤشرات المؤقتة للصمود.
في تقرير جديد استعرضه مرصد ‘شاشوف’، ذكرت وكالة ‘بلومبيرغ’ أن الاقتصاد العالمي أظهر قدرة على تحمل الصدمات خلال العام الحالي، إذ دعم إنفاق المستهلكين الأمريكيين ونمو الذكاء الاصطناعي الأسواق، مما حافظ على استقرار النمو نسبياً على الرغم من أكبر موجة من الرسوم الجمركية الأمريكية منذ ثلاثينيات القرن الماضي.
ومع ذلك، فإن التهديدات الأخيرة من ترامب بفرض رسوم إضافية بنسبة 100% على الواردات الصينية قد أعادت إشعال المخاوف من اندلاع حرب تجارية موسعة، خاصة مع إشارات واضحة على تباطؤ في قطاعي الصناعة والتوظيف في الولايات المتحدة، وزيادة الركود في كل من الصين وألمانيا.
وليس فقط الرسوم التي تشكل مخاطر اقتصادية وتجارية عالمياً، إذ يواجه الاقتصاد العالمي عدة اختبارات حاسمة.
العالم يغرق في الديون والتجارة متباطئة
تشير البيانات الأخيرة التي جمعها ‘شاشوف’ من ‘معهد التمويل الدولي’ إلى أن الدين العالمي تجاوز ‘338 تريليون دولار’ في النصف الأول من عام 2025، بزيادة 21 تريليون دولار خلال ستة أشهر فقط. هذا الرقم الضخم يقارب الزيادات التي شهدها العالم أثناء جائحة كورونا، مما يفرض ضغطاً إضافياً على الاقتصادات الناشئة التي تعاني أصلاً من محدودية الموارد وقدرتها على الاقتراض.
ويعكس هذا الرقم، الذي يبلغ 338 تريليون دولار، الفارق بين هذا العام والعام الماضي، حيث سجل الدين العالمي في عام 2024 حوالي 318 تريليون دولار نتيجة تباطؤ النمو في الاقتصاد العالمي، مما يشير إلى أن هذا الضغط قد تزايد بشكل دراماتيكي هذا العام.
في الوقت نفسه، تتوقع منظمة التجارة العالمية أن يتباطأ نمو تجارة السلع العالمية إلى 0.5% فقط في عام 2026، مقارنة بـ2.4% في عام 2025، كنتيجة مباشرة لتأثير الرسوم الجمركية الأمريكية.
هذا التباطؤ، بحسب المنتدى الاقتصادي في جنيف، هو استجابة متأخرة لتأثير السياسات الحمائية الأمريكية التي بدأت فعلياً تؤثر على تدفقات التجارة والإنتاج الصناعي.
يعتقد خبراء ‘سيتي غروب’، الذين اطّلعت ‘شاشوف’ على تقديراتهم، أن التأثيرات التراكمية للرسوم ستؤدي إلى انخفاض استهلاك الأمريكيين والطلب على الواردات، مما قد يخفض النمو العالمي إلى أقل من 2% في النصف الثاني من عام 2025، قبل أن يشهد انتعاشاً طفيفاً إلى 2.5% في عام 2026.
ويشير ستيفن جين، رئيس شركة ‘يوريزون إس إل جيه كابيتال’ (صندوق تحوط وشركة استشارية في لندن)، إلى أن آثار هذه الصدمة قد تمتد على مدى 6 إلى 8 أرباع سنوية، لتظهر تأثيراتها الكاملة على الاستهلاك والنمو الأمريكي، مما يعني أن تبعاتها قد تستمر حتى عام 2027.
فقاعة الذكاء الاصطناعي.. طفرة وتهديد معاً
بينما ساهم الذكاء الاصطناعي في رفع مؤشرات الأسواق الأمريكية، حذرت مديرة صندوق النقد الدولي ‘كريستالينا جورجيفا’ من أن تقييمات الأسهم بلغت مستويات مشابهة لتلك التي سبقت فقاعة الإنترنت عام 2000. وأشارت في خطابها الأخير إلى أن أي ‘تصحيح حاد’ قد يؤدي إلى تشديد الأوضاع المالية وتراجع النمو العالمي وكشف نقاط الضعف في الاقتصادات النامية.
تتفق تقديرات ‘أكسفورد إيكونوميكس’ مع هذا التحذير، حيث تشير إلى أن تباطؤ قطاع التكنولوجيا في أمريكا قد يدفع باتجاه الركود، ويخفض النمو العالمي إلى 2% في عام 2026. كما ذكرت أليكسيس كرو، كبيرة الاقتصاديين في ‘برايس ووترهاوس كوبرز’، أن ‘جنون الاستثمار في الذكاء الاصطناعي لا يضمن بالضرورة نمواً مستداماً في الإنتاجية’، معتبرةً أن الحكم النهائي على دوره الحقيقي في النمو الاقتصادي لا يزال مبكراً، وفقاً لقراءة ‘شاشوف’ لتقرير ‘بلومبيرغ’.
الحرب التجارية تخيّم على اجتماعات واشنطن
انطلقت اليوم في واشنطن اجتماعات ‘صندوق النقد الدولي’ و’البنك الدولي’، والتي تستمر من 13 إلى 18 أكتوبر الجاري، بمشاركة أكثر من 10 آلاف شخص، بينهم وزراء مالية ومحافظو بنوك مركزية من أكثر من 190 دولة، حسب متابعات ‘شاشوف’، في أجواء من التوتر التجاري والقلق المالي.
سيبحث الوزراء ومحافظو البنوك المركزية ملفات معقدة، أبرزها تداعيات الحرب التجارية بين أمريكا والصين الناجمة عن تصعيد ترامب وتهديده بفرض رسوم جمركية تصل إلى 100% على الواردات الصينية، وما يثيره ذلك من مخاوف حادة على الأسواق العالمية.
كما ستتناول الاجتماعات كيفية استخدام الأصول الروسية المجمدة لتمويل أوكرانيا، والدعم الأمريكي البالغ 20 مليار دولار لإنقاذ ‘البيزو الأرجنتيني’ قبيل الانتخابات، في وقت يتراجع فيه النشاط الصناعي الصيني والألماني ويتباطأ خلق الوظائف في الولايات المتحدة.
كل هذه القضايا تُبرز الصورة العامة لعالم يقف عند مفترق طرق اقتصادي: فبينما تواصل الأسواق المالية الارتفاع نتيجة الثقة في الذكاء الاصطناعي، تتجمع عوامل التباطؤ الهيكلية المتمثلة في ارتفاع الديون، تباطؤ التجارة، وتقليص الهوامش الربحية.
بينما تتمتع الصين ببعض النفوذ على ترامب بفضل هيمنتها العالمية على ‘المعادن النادرة’ الضرورية لتصنيع التكنولوجيا، يعتقد الرئيس الاستراتيجي السابق لصندوق النقد ‘مارتن موليسن’ أنه ليس من مصلحة بكين العودة إلى بيئة من الرسوم الجمركية ذات الأرقام الثلاثية، ولا يزال غير واضح ما إذا كان وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، الذي قاد محادثات التجارة الأمريكية الصينية، سيلتقي بأي مسؤولين صينيين هذا الأسبوع في واشنطن.
وبحسب رئيسة الصندوق، جورجيفا، فإن معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي لعام 2025 سيكون أقل بقليل من المعدل البالغ 3.3% لعام 2024. واستناداً إلى معدلات تعريفات جمركية أقل مما كان يؤمل في البداية، بما في ذلك الرسوم الجمركية الأمريكية الصينية، رفع صندوق النقد الدولي في يوليو الماضي توقعاته لنمو الناتج المحلي الإجمالي لعام 2025 بمقدار عُشر نقطة مئوية، وفق مراجعة ‘شاشوف’، إلى 3.0%.
بينما يحاول صانعو السياسات تهدئة المخاوف في اجتماعات واشنطن، يبدو أن العالم يسير نحو فترة طويلة من التباطؤ تتطلب سياسات مالية أكثر حذراً، وتعاوناً دولياً حقيقياً لتجنب أزمة اقتصادية عالمية جديدة قد تكون هذه المرة نتيجة أكثر من سبب، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي نفسه.
تم نسخ الرابط
