بريق خافت في زمن الحرب: لماذا استمرت أسعار الذهب في الاستقرار رغم زيادة المخاطر؟ – شاشوف

بريق خافت في زمن الحرب لماذا استمرت أسعار الذهب في


سجل الذهب أداءً ضعيفًا خلال التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، حيث تراجعت أسعاره بدلاً من الارتفاع المتوقع، نتيجة لقوة الدولار الأمريكي وتغيرات في سلوك كبار المستثمرين. تراجع الطلب من البنوك المركزية، حيث انخفضت مشترياتها إلى 5 أطنان في يناير، بينما شهدت الصناديق الكبرى تحويل استثماراتها نحو السندات الحكومية ذات العوائد المرتفعة، مما ضغط على أسعار الذهب. الحرب الأخيرة أعادت ترتيب أولويات البنوك، حيث باتت تبحث عن سيولة دولارية لتغطية فواتير الطاقة، مما أدى إلى تراجع مكانة الذهب كملاذ آمن في ظل الاحتياجات النقدية العاجلة.

تقارير | شاشوف

على غير المتوقع، أظهر الذهب أداءً غير قوي وسط التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، حيث لم يتمكن من تحقيق الارتفاعات السعرية المطلوبة، بل سجل بعض التراجعات الملحوظة خلال جلسات التداول.

يعود هذا التراجع تقليدياً إلى قوة الدولار الأمريكي كعامل ضغط أساسي، لكن تحليل بيانات السوق يكشف عن ديناميكيات هيكلية أعمق تتجاوز تقلبات العملة، وتتعلق بتغيير جذري في سلوك اللاعبين الرئيسيين في السوق المالي العالمي.

على مر السنين، شكلت سياسات التخلص من الدولار أو ما يُعرف بـ’اللادولرة’ المحرك الرئيسي لأسواق المعدن النفيس، حيث قادت البنوك المركزية العالمية موجة شراء كبيرة للتحوط وتقليل الاعتماد على العملة الخضراء. وكان هذا الزخم هو الذي ساهم في تسجيل أسعار الذهب مستويات قياسية غير مسبوقة خلال العام الماضي، مما رسخ مكانته كملاذ آمن للدول والمستثمرين على حد سواء.

ومع ذلك، شهد هذا الوضع تحولاً دراماتيكياً في توقيت غير متوقع؛ حيث فقد المحرك الذي كان يدفع السوق للارتفاع زخمه، مما أدى إلى تغيير قواعد اللعبة بالكامل. وتضافرت عوامل متعددة تشمل ارتفاع الأسعار بشكل زائد وتغيير الأولويات الاقتصادية للدول بفعل الحرب، الأمر الذي سحب البساط من تحت المعدن الأصفر.

تراجع الزخم الرسمي: البنوك المركزية تفرمل مشترياتها

تشير البيانات الحديثة التي حصل عليها شاشوف من مجلس الذهب العالمي إلى انخفاض حاد في شهية الإنفاق في القطاع الرسمي، حيث تراجعت صافي مشتريات البنوك المركزية عالمياً إلى 5 أطنان فقط في يناير من العام الجاري، مما يعكس تحولاً استراتيجياً في سياسات تنويع الاحتياطيات النقدية.

ولم يكن بنك الشعب الصيني، الذي قاد موجة شراء الذهب لعدة سنوات، بمنأى عن هذا الاتجاه، حيث أظهرت بيانات شهر فبراير إضافات رمزية لم تتجاوز 30 ألف أونصة، وهو ما يمثل أقل كمية خلال 16 شهراً من الشراء. هذا يبرز تراجع مستويات التكديس حتى لدى أكبر المشترين.

ويرجع هذا التردد في زيادة المشتريات إلى الأرقام القياسية التي بلغها المعدن الأصفر. مع وصول سعر الذهب إلى مستويات تاريخية تجاوزت 5 آلاف دولار للأونصة، وجدت البنوك المركزية نفسها أمام مخاطر استثمارية تجعل من غير المجدي اقتصادياً الاستمرار في شراء الذهب بسعر مرتفع.

صدمة الحرب وانقلاب أولويات السيولة

تزامناً مع ارتفاع الأسعار، أدى تفجر الحرب قبل حوالي أسبوعين إلى إعادة ترتيب الأولويات بشكل جذري لدى البنوك المركزية، خصوصا في الأسواق الناشئة، حيث أشعلت الصدمة الجيوسياسية أسعار الطاقة والنفط، وأجبرت هذه الدول على البحث العاجل عن حلول لتأمين فواتير الواردات الأساسية.

في ظل هذه الظروف، تخلت البنوك في الأسواق الناشئة عن استراتيجية تخزين الذهب لصالح البحث المتواصل عن ‘السيولة الدولارية’، مما أفقد الذهب دعم البنوك المركزية. هذا الدعم كان يمتص ضغوط البيع ويحمي الأسعار من الانهيار، ليصبح المعدن الأصفر في أمس الحاجة لدعمه الأكبر في تلك اللحظة الحرجة.

ولم يتوقف الأمر عند الإحجام عن الشراء، بل ظهرت قوى بيعية فعالة من القطاع الرسمي لتمويل الاحتياجات المالية. حيث تدخل البنك المركزي الروسي لتسييل أكثر من 9 أطنان من الذهب لتلبية السيولة النقدية اللازمة.

صناديق التحوط ومعركة العوائد الحقيقية

من جهة أخرى، لعبت صناديق التحوط دوراً مهماً في الضغط على المعدن الأصفر من خلال المضاربة على العائد الحقيقي.

تنظر هذه الصناديق للذهب كـ’أصل عقيم’، فهو لا يُدر عوائد دورية، مما يجعله في منافسة غير متكافئة مع أدوات الدين الحكومية، حيث يفضل المستثمرون العوائد القوية المتاحة من السندات المالية.

ومع بداية الحرب، شهدت عوائد السندات الحكومية المحمية من التضخم، مثل السندات الأمريكية، ارتفاعات ملحوظة جذبت اهتمام المستثمرين.

نتيجة لذلك، قرر مدراء صناديق التحوط التخلص من الذهب غير المجدي ووجهوا استثماراتهم نحو السندات لتحقيق عوائد مضمونة، مستفيدين من قوة الدولار كعملة ملاذ آمن.

وقد تُرجمت هذه الاستراتيجيات بشكل واضح في تدفقات الأموال من الصناديق المدعومة بالذهب، حيث تكبدت السوق خروج أكثر من 25 طناً من صناديق الذهب خلال أسبوع واحد منذ بدء الحرب، مما ضاعف من جراح المعدن النفيس.

في النهاية، يمكن القول إن عدم تفاعل الذهب بالصعود المنتظر أو حتى تراجعه خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، لا يعني ضعف مكانته كملاذ آمن، بل هو تعبير عن ‘معركة سيولة’ تستحوذ على المشهد المالي العالمي، حيث طغت الاحتياجات النقدية العاجلة على جاذبية المعدن الأصفر.

هذه الأزمة أعادت رسم خريطة التدفقات المالية، فقد أوقفت البنوك المركزية مطاردتها للذهب تاركة الأولوية لاحتياجات السيولة، بينما فضلت صناديق التحوط العوائد المضمونة التي توفرها السندات مدعومة بالدولار القوي. بذلك، خسر الذهب جولة أمام واقع مالي تحكمه السيولة والعوائد.


تم نسخ الرابط

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *