بتكوين تؤثر على الأسواق بعد فقدان 600 مليار دولار… عملة لا تتقدم رغم أقوى موجات الدعم المؤسسي – شاشوف

بتكوين تؤثر على الأسواق بعد فقدان 600 مليار دولار عملة


شهدت أسواق العملات المشفرة تراجعاً حاداً في قيمة ‘بتكوين’، التي كانت قد بلغت أكثر من 126 ألف دولار في أكتوبر. على الرغم من وجود عوامل إيجابية مثل التدفقات المؤسسية والدعم السياسي، فقد فقدت السوق نحو 600 مليار دولار، مما أثار مخاوف حول استمرارية ‘بتكوين’ كأصل صاعد. المحللون يرون أن السوق مرتبطة بشكل متزايد بالاقتصاد الكلي بدلاً من ديناميكيات العملات المشفرة. التحولات تجعل ‘بتكوين’ عرضة لضغوط كبيرة وتدفع المستثمرين لإعادة تقييم استراتيجياتهم. المستقبل غير مؤكد، والكثير من المخاوف تتعلق بالسيولة العالمية وتأثيرها على ثقة السوق.

منوعات | شاشوف

لم يكن من المتوقع أن تصاب “بتكوين” بأحد أسرع تراجعاتها هذا العام، خاصة بعد وصولها في أكتوبر إلى ارتفاع تاريخي تجاوز 126 ألف دولار، وسط آمال كبيرة بمرحلة تثبيت وجودها في النظام المالي التقليدي.

لكن ما حدث في الأسابيع الأخيرة غيّر المشهد تماماً؛ إذ تعرضت العملة لانهيار كبير قبل أن تستعيد بعض الاستقرار، مما عكس مدى هشاشة الثقة وعمق القلق في “وول ستريت”.

المفارقة أن جميع العوامل التي عادة ما تؤدي إلى الارتفاع كانت موجودة: تدفقات مؤسسية ضخمة، دعم سياسي غير مسبوق في العاصمة الأمريكية، وإدراج متسارع لصناديق الأصول الرقمية المتداولة.

ومع ذلك، شهدت السوق موجة بيع واسعة، مما أدى لفقدان نحو 600 مليار دولار من قيمتها السوقية، وهو ما أعاد إثارة الجدل حول قدرة “بتكوين” على الاستمرار كأصل صاعد بشكل دائم.

مع تزايد حالة الارتباك، بدأ المستثمرون في مراجعة النظريات القديمة، محاولين تفسير الأحداث من خلال دورات العرض والسيولة ودورة “التنصيف” الشهيرة، لكن السوق بدت وكأنها تتجاهل كل التفسيرات في وقت يتراجع فيه الإقبال على المخاطرة عالمياً.

ضبابية كاملة… المتعاملون في حيرة وارتباك

في غياب إطار واضح لسلوك “بتكوين”، لجأ المتداولون إلى استرجاع الذكريات التحليلية، حيث زادت من وتيرة الحديث حول دورة التنصيف التي تقلل المعروض كل أربع سنوات، والتي تاريخياً ارتبطت بارتفاعات كبيرة تليها تصحيحات مؤلمة. لكن دخول المؤسسات الكبرى غيّر العديد من المعادلات القديمة، فلم يعد واضحاً ما إذا كانت النظريات السابقة تستطيع تفسير التقلبات الحالية.

حدث التنصيف في أبريل 2024، وبلغت “بتكوين” ذروتها بعد ستة أشهر، وهو نمط يشبه الدورات السابقة، ومع ذلك لم تؤدي هذه الشبه إلى استقرار. كان التراجع الأخير أسرع مما توقعته الصناديق نفسها، مما أعاد النقاش إلى نقطة أساسية: هل لا تزال “بتكوين” تخضع لمنطق السوق التاريخي، أم إنها دخلت مرحلة جديدة تتأثر بالسيولة العالمية أكثر من صدمات المعروض؟

ويحذّر محللون من أن المستثمرين الأفراد، الذين كانوا دائماً الشرارة الأولى لارتفاعات “بتكوين”، يعيشون حالة من الانزعاج النفسي بعد سلسلة من الصعود تلتها موجات من التصفيات، مما جعل الثقة أشبه بوقود متبخر.

يتفق خبراء السوق على أن ما حدث ليس مجرد تصحيح، بل هو تقدير لإرهاق عميق تراكم خلال الأشهر الماضية. فقد حصل المستثمرون على أسهم شركات التعدين والعملات الرقمية في ذروات متلاحقة، مما استنزف السيولة المتاحة لديهم بشكل كامل. وجاءت التوترات التجارية العالمية بدءاً من أكتوبر لتدفع موجات بيع كثيفة، مما زاد من استخدام الرافعة المالية، وهو ما فاقم حدة الهبوط.

المشهد الذي ظهر بعد ذلك كان واضحاً: سوق ممتلئة إلى حدها الأقصى، تفتقر إلى مشترٍ قوي، في وقت انخفضت فيه التدفقات إلى الصناديق المتداولة، وباع بعض المستثمرين الأوائل ما لديهم لجني الأرباح أو تقليل التعرض للمخاطر. هذا الخليط أدى إلى سوق حساسة لأي تغييرات، وقلقة وسريعة الانهيار في وجه موجات الذعر.

بل إن بعض الشركات الكبرى في القطاع أصبحت قيمتها السوقية تعكس فقط حجم ما تحتفظ به من “بتكوين”، مما يعني أن السوق فقدت “علاوة الثقة” التي كانت تضيفها على أسهم قطاع العملات المشفرة خلال فترات التفاؤل.

بتكوين بين سردية التحوط… وواقع الارتباط بالاقتصاد الكلي

رغم سردية “الأصل الغير مرتبط بالأسواق التقليدية”، بدأت “بتكوين” تتصرف بشكل متزايد كأصل حساس لدورات الاقتصاد الكلي، تماماً مثل الأسهم التي تتأثر بشكل سريع بالسيولة والدولار والسياسة النقدية. ويشير محللو شركات البيانات إلى أن العملة الآن تتحرك وفق اتجاهات السيولة العالمية أكثر من ارتباطها بصدمات العرض والتعدين.

هذا التحول جعلها عرضة لضغوط شديدة خلال فترات الحذر، خاصة مع تراجع الشهية للمخاطرة وهبوط العملات البديلة إلى قيعان جديدة، في حين جذب قطاع الذكاء الاصطناعي مضاربين جدد كانوا سابقاً جزءًا من قاعدة مستثمري الكريبتو.

وعلى الرغم من تصاعد الدعم من الإدارة الأمريكية، فإن الواقع المالي أثبت أنه أقوى من الخطاب السياسي؛ إذ لم يحفز هذا الدعم موجة شراء جديدة، بل كشف أن السوق وصلت إلى حالة تشبّع، وأن الثقة المؤسساتية وحدها لم تعد كافية لخلق صعود مستدام.

هل تنقلب الدورة بعد الإغلاق الحكومي الأمريكي؟

رغم التراجع، ما تزال “بتكوين” أعلى بكثير من مستويات ما قبل الانتخابات الأمريكية، ولا تزال البنية التنظيمية والمؤسسية للسوق أقوى من أي وقت مضى. لكن الانخفاض الأخير أعاد طرح سؤال حيوي: إذا لم تصعد “بتكوين” في ظل أفضل بيئة سياسية واقتصادية عرفتها الأصول الرقمية، فمتى يمكن أن يحدث ذلك؟

يعتقد بعض المحللين أن الأزمة مرتبطة بالسيولة العالمية، وليس بالسياسة أو بالتنصيف، وأن موجات الارتفاع الكبيرة في 2017 و2021 لم تكن نتيجة نقص المعروض وحده، بل جاءت مع توسع ضخم في السيولة المالية الدولية. وأنهى آخرون بأن انتهاء الإغلاق الحكومي في الولايات المتحدة قد يعيد النشاط إلى السوق، ويفتح المجال لدورة صعود جديدة إذا تحسن مزاج المستثمرين تجاه الأصول ذات المخاطر العالية.

ومع ذلك، تبقى المخاوف قائمة بأن تدخل “بتكوين” مرحلة طويلة من الاضطراب، إذا استمر المستثمرون في التعامل معها كأصل يعكس حالة الاقتصاد العالمي بدلاً من أن تعكس الديناميات الخاصة بالتشفير نفسها.

تكشف موجة الهبوط الأخيرة عن حقيقة صادمة في أسواق العملات المشفرة: “بتكوين” لم تعد تتحرك وفق منطقها القديم. فالدعم المؤسسي وحده لم يكن كافياً للحفاظ على مسار صعودي، والتوقعات المرتبطة بالتنصيف فقدت تأثيرها أمام تراجع السيولة وارتفاع المخاطر. وبينما تتأرجح الأسواق بين نظريات الماضي ومتغيرات الحاضر، تبدو “بتكوين” اليوم معلّقة بين عالمين؛ أصل يُعول عليه المضاربون، وسوق تتعامل معها كأصل شديد الحساسية لكل ما يجري في الاقتصاد العالمي.


تم نسخ الرابط