انهيار اقتصادي: ترامب يفرض حظرًا على الهجرة من دول ‘العالم الثالث’ – شاشوف

انهيار اقتصادي ترامب يفرض حظرًا على الهجرة من دول العالم


أعلنت إدارة ترامب عن وقف دائم للهجرة من دول العالم الثالث وتعليق طلبات اللجوء، رغم اعتماد الاقتصاد الأمريكي، البالغ قيمته 28 تريليون دولار، بشكل حيوي على المهاجرين. يأتي القرار بعد حادثة أمنية، ويعتبر تحولًا في سياسة عمل ترامب، الذي يربط بين الهجرة والجريمة. ومع أن المهاجرين يشكلون 19% من القوة العاملة ويعززون النمو الاقتصادي، فإن وقف الهجرة قد يؤدي إلى نقص حاد في العمالة، ارتفاع التكاليف، وزيادة العجز الفيدرالي. المسؤولون يشعرون أن القرار يمثل خطرًا على الابتكار والإنتاجية، ويهدد استقرار العديد من القطاعات الحيوية.

الاقتصاد العالمي | شاشوف

أعلنت إدارة ترامب عن نيتها إيقاف الهجرة بشكل دائم من الدول النامية وتعليق جميع طلبات اللجوء، مما يفتح واحداً من أكثر الملفات حساسية في السياسة الأمريكية، في ظل اقتصاد قيمته تقارب 28 تريليون دولار يعتمد بشكل كبير على المهاجرين لسد احتياجات سوق العمل وضمان الاستدامة في النمو ومواجهة شيخوخة السكان.

جاء القرار بعد حادثة إطلاق نار قام بها مهاجر أفغاني، ويُعتبر تحوّلاً في سياسة إدارة ترامب الثانية تجاه إعادة هيكلة سوق العمل والاقتصاد والتجارة والهجرة في الولايات المتحدة.

على الرغم من أن مصطلح ‘دول العالم الثالث’ ليس مصطلحاً رسمياً في السياسة الأمريكية، إلا أن الخطاب الذي يستخدمه ترامب يشير إلى الغالبية العظمى من الدول النامية في أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا والشرق الأوسط، وهي المناطق التي تُشكل 88% من مهاجري الولايات المتحدة وفقاً لتقرير لوكالة بلومبيرغ اطلع عليه شاشوف.

وبذلك، يصبح القرار عملياً موجهًا ضد الشريحة السكانية التي تُعتبر العمود الفقري لسوق العمل الأمريكي في قطاعات حيوية تمتد من الزراعة إلى الهندسة والطب والتصنيع والتكنولوجيا.

دوافع ترامب

بعد تورط مهاجر أفغاني في حادثة إطلاق نار في واشنطن، استثمر ترامب الحادثة في تعزيز رسالته الأمنية التقليدية، التي تربط بين الهجرة والجريمة والهجمات الداخلية، على الرغم من أن البيانات الفيدرالية تُظهر أن معدلات الجريمة بين المهاجرين أقل مما هي بين المواطنين الأمريكيين.

لكن القرار بالنسبة لترامب يتجاوز الجانب الأمني، ليمتد إلى رسائل انتخابية وسياسية موجهة إلى قاعدته الريفية والمحافظة، التي تعتبر الهجرة تهديداً لهويتها ودخلها ووظائفها.

تعتمد إدارة ترامب فلسفة ‘الاكتفاء الذاتي’، التي تتضمن إعادة توطين الصناعات داخل الولايات المتحدة، وزيادة الرسوم الجمركية على الواردات، وتقليل الاعتماد على العمالة الأجنبية.

ومع ذلك، تتناقض هذه الرؤية جذريًا مع الواقع الأمريكي، حيث يعمل 33 مليون مهاجر في سوق العمل، ويُشكلون 19% من القوة العاملة، في وقت تشهد فيه قطاعات عديدة نقصاً حاداً في العمالة، حتى مع وجود 500 ألف وظيفة شاغرة في مجال التصنيع وحده. ويرى ترامب أن الضغط على سوق العمل بإيقاف الهجرة سيدفع المزيد من الأمريكيين إلى قبول الوظائف الشاقة، وهو نهج اقتصادي يعتبر مثيراً للجدل تاريخيًا.

يسعى ترامب إلى خطاب ‘استعادة أمريكا’ من خلال تقليل الاعتماد على الثقافات والعمالة الوافدة، لكن الحقيقة تشير إلى أن 52% من المهاجرين من أمريكا اللاتينية، و27% من آسيا، و5% من غرب أفريقيا، و4% من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بحسب البيانات التي جمعها شاشوف، مما يعني أن إيقاف الهجرة من ‘العالم الثالث’ يعني فعليًا إغلاق الأبواب أمام الغالبية العظمى من المهاجرين.

المهاجرون.. ركيزة اقتصاد أمريكا

يُعتبر المهاجرون إلى أمريكا قوة ديموغرافية واقتصادية لا يمكن الاستغناء عنها، حيث بلغ عددهم 51.9 مليون شخص عام 2025، يمثلون 15.4% من عدد سكان الولايات المتحدة، مما يجعلهم أحد أهم العناصر في سوق العمل والنمو السكاني.

مع خروج جيل ‘طفرة المواليد’ من سوق العمل، يصبح المهاجرون جزءاً أساسياً من التوازن الديموغرافي، حيث يُساعدون في إبطاء شيخوخة السكان ويخففون الضغط على الخدمات الصحية والاجتماعية.

يعمل المهاجرون في قطاعات لا تجد القوى العاملة المحلية بديلًا عنها، مثل الزراعة، البناء، النقل والتخزين، الرعاية الصحية، الخدمات المنزلية، المطاعم والفنادق، والصناعات التحويلية. ووفقًا للتحليلات، فإن غياب هؤلاء يعني أن الولايات المتحدة ستواجه أزمة عمالية مباشرة.

أيضاً، يعتمد ‘الابتكار الأمريكي’ على المهاجرين، فرغم أنهم لا يُمثلون سوى 16% من المخترعين، إلا أنهم يمثّلون أكثر من ثلث براءات الاختراع المسجلة خلال الثلاثين عامًا الماضية.

يُعد هذا العامل مركزياً في التفوق الأمريكي في مجالات التكنولوجيا الحيوية والذكاء الاصطناعي والأدوية والكيمياء.

وتبلغ دخول الأسر المهاجرة 2.1 تريليون دولار، وتشكّل قوتهم الشرائية 1.6 تريليون دولار بعد الضرائب، ما يجعل إيقاف الهجرة تهديدًا مباشرًا للاستهلاك المحلي، الذي يُعتبر المحرك الأساسي للنمو الأمريكي.

يساهم الطلاب القادمين من الدول النامية في الاقتصاد الأمريكي بما لا يقل عن 33.3 مليار دولار سنويًا، وأكثر من 335 ألف وظيفة. كما أن إيقاف الهجرة سيؤثر سلبًا على الجامعات التي تعتمد على الرسوم الدولية لتمويل أبحاثها.

ما بعد وقف الهجرة

تشير البيانات إلى مغادرة 1.2 مليون مهاجر من سوق العمل خلال الأشهر الأولى من 2025 بسبب سياسات ترامب السابقة، وهو ما نتج عنه ترك محاصيل زراعية بلا حصاد، وتوقف أو تباطؤ مشاريع البناء، ونقص حاد في الرعاية الصحية المنزلية ودور المسنين، وضغوط على قطاع النقل والخدمات اللوجستية.

سوف يؤدي إيقاف الهجرة نهائيًا إلى تفاقم هذه الأزمة، وقد يسبب ‘شللًا في قطاعات كاملة’، وفقاً لمحللي بلومبيرغ، بالإضافة إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج والضغوط التضخمية. ومع نقص العمالة الماهرة والرخيصة، سترتفع تكاليف الزراعة وأسعار العقارات والنقل وأسعار السلع الاستهلاكية، مما يزيد الضغط على التضخم وفقاً لقراءة شاشوف، ويُجبر مجلس الاحتياطي الفيدرالي على اتخاذ خيارات أكثر تشددًا.

كما أن ثمة تهديداً مباشراً لخطط إعادة التصنيع التي يتبناها ترامب نفسه؛ فرغم رغبته في إرجاع المصانع إلى الداخل، فإن نقص العمالة سيُصعّب من تنفيذ هذه الخطط، إذ يحتاج قطاع التصنيع وحده إلى 500 ألف عامل لسد الشواغر الحالية، دون أي توسع جديد.

يؤثر القرار أيضًا على الموازنة الفيدرالية والعجز؛ إذ تُظهر البيانات من مكتب الميزانية في الكونغرس أن الهجرة تُساهم في تقليص العجز الفيدرالي في 2025 بنحو 46 مليار دولار، منها 30 مليار دولار عبارة عن زيادة في الإيرادات الضريبية مقابل كلفة الخدمات، و16 مليار دولار ناجمة عن تأثيرات غير مباشرة للهجرة على الإنتاجية والنمو.

يعني إيقاف الهجرة فقدان هذه المكاسب وارتفاعًا إضافيًا في العجز الذي يتجاوز 1.7 تريليون دولار.

وإن كانت الولايات والبلديات تتحمل تكاليف التعليم والصحة للمهاجرين، فإن المنافع الاقتصادية الفيدرالية والمحلية مجتمعة تظل أكبر من التكاليف.

وبدون مهاجرين، ستتسارع شيخوخة السكان، مما يهدد نظام الضمان الاجتماعي والتغطية الصحية للمسنين والإنتاجية العامة وحجم سوق العمل.

كما ستتراجع القدرة التنافسية، حيث يعتمد البحث العلمي والابتكار والذكاء الاصطناعي والطب الأمريكي بشكل كبير على العقول المهاجرة، ما يعني فقدان ميزة أمريكا أمام دول مثل الصين والهند وأوروبا.

في نهاية المطاف، يمثل قرار ترامب بوقف الهجرة من دول العالم الثالث خطرًا كبيرًا على قلب الاقتصاد الأمريكي، الذي بُني تاريخيًا على العمالة الوافدة والابتكار والتنوع الديموغرافي، وفي اقتصاد قيمته 28 تريليون دولار، تعتمد فيه قطاعات عديدة على المهاجرين، لن يحقق وقف الهجرة أهداف ترامب، بل سيؤدي إلى سلسلة واسعة من الأزمات، بدءًا من نقص العمالة والتضخم، وصولاً إلى تراجع الإبداع العلمي وزيادة العجز الفيدرالي.


تم نسخ الرابط