في إسرائيل، يتصاعد الصراع بين وزارة الدفاع ووزارة المالية حول ميزانية 2026، حيث يطالب الجيش بمبلغ 144 مليار شيكل، متجاوزاً ميزانية المالية بنحو 50 مليار شيكل. يعود هذا الفارق إلى التزامات سابقة والحاجة الملحة لإعادة بناء القوة بعد حرب مستمرة. نتيجةً لذلك، قامت وزارة المالية بتجميد المدفوعات العسكرية. تتزامن هذه الخلافات مع زيادة كبيرة في الإنفاق العسكري بسبب التوترات الإقليمية، مما يهدد قدرة الجيش. يُظهر الصراع تأثير العوامل السياسية على الميزانية، حيث تتداخل المصالح الاقتصادية مع أولويات الأمن، مما قد يؤثر سلباً على استعدادات الجيش لمواجهة التهديدات متعددة الجبهات.
تقارير | شاشوف
يتصاعد في إسرائيل الصراع غير المسبوق بين وزارة الدفاع ووزارة المالية بشأن ميزانية 2026. وفق متابعة مرصد “شاشوف”، يسعى الجيش الإسرائيلي إلى إعادة بناء قوته بعد حرب وُصفت بأنها “حرب الجبهات السبع”.
تتجاوز مطالب الجيش ميزانية وزارة المالية بنحو 50 مليار شيكل (14 مليار دولار)، حيث يطلب الجيش ميزانية تقدر بـ 144 مليار شيكل (44.1 مليار دولار) مقابل 100 مليار شيكل (30 مليار دولار) التي أقرتها المالية رسمياً لعام 2026.
يعود هذا الفرق إلى عدة عوامل، بما في ذلك التزامات سابقة تجاه الحرب على إيران وعمليات “عربات جدعون 2” في غزة، بالإضافة إلى تأخر وصول المساعدات الأمريكية نتيجة لأزمة الميزانية الفيدرالية في واشنطن.
نتيجة لهذه الفجوة، اتخذ المحاسب العام لوزارة المالية، ياهلي روتنبرغ، قراراً غير مسبوق بتجميد معظم المدفوعات العسكرية حتى نهاية 2025 ووقف العقود الجديدة لعام 2026، حسب اطلاع شاشوف. ويشير الجيش إلى أن 12 مليار شيكل من الفجوة تتعلق بتمويلات كانت قد وافقت عليها شعبة الميزانيات، بينما يحتاج الجيش إلى 9 مليارات أخرى من مساعدات أمريكية غير مؤكدة.
يتزامن هذا الخلاف مع زيادة كبيرة في الإنفاق العسكري منذ هجوم 7 أكتوبر 2023، حيث وصل الإنفاق على العمليات في غزة ولبنان إلى نحو 112 مليار شيكل عام 2024، وارتفع إجمالي الإنفاق العسكري إلى 168.5 مليار شيكل، أي 8.4% من الناتج القومي، مقارنة بـ98.1 مليار شيكل فقط في 2023. وقد أدى هذا الإنفاق إلى زيادة العجز المالي إلى نحو 6.8%، وتم فرض ثلاثة ميزانيات تكميلية رفعت الإنفاق العام من 513.7 إلى 620.6 مليار شيكل.
المعادلة الأمنية: استنزاف الجيش وإعادة البناء العاجلة
تواجه إسرائيل تحديات عميقة في استعداد جيشها للحروب متعددة الجبهات في عام 2026، وفق تصريحات اللواء (احتياط) أمير برعام ورئيس أركان الجيش إيال زامير. تشمل أبرز مؤشرات الاستنزاف انخفاض مخزون الذخيرة، وتآكل وحدات الاحتياط، وحاجة ملحة لإبرام صفقات لتجديد المخزونات الأساسية من ذخائر دقيقة وقطع غيار لدبابات “ميركافا” ومسيّرات تكتيكية لألوية المناورة مثل غولاني وجفعاتي ووحدات الكوماندوز.
يشير الجيش إلى أن تأخر وزارة المالية في الموافقة على هذه العقود يعرض الجبهة الشمالية والخطوط الدفاعية على الحدود مع الأردن لمخاطر مباشرة، خاصةً في حال حدوث مواجهة محتملة مع حزب الله أو تفاقم الصراع مع إيران.
إضافةً لذلك، تؤجل وزارة المالية مشاريع استيطانية مهمة، بما في ذلك عقود تحصين المستوطنات الشمالية والجنوبية ومشروع “الجدار الشرقي”، معتبرةً أن أي زيادة دائمة في ميزانية الأمن ستتطلب رفع الضرائب أو تقليص الخدمات المدنية. وهو ما يضع الجيش تحت ضغط مزدوج: الحاجة الملحة لإعادة البناء بعد حرب مطولة، وضغط مالي يسعى لضبط الإنفاق العسكري.
الصراع السياسي: ميزانية الأمن وأزمة الائتلاف
يتجاوز الصراع المالي حدود الخلافات التقنية ليغوص في الصراع السياسي الداخلي ضمن ائتلاف حكومة نتنياهو. يسعى الليكود ووزارة الدفاع لتأكيد أن زيادة ميزانية 2026 ضرورة وجودية، بينما يقود وزير المالية بتسلئيل سموتريتش من الصهيونية الدينية خطاباً مضاداً يظهر “المسؤولية الاقتصادية” ويعبر عن موقفه ضد ما يسميه “ثقافة شيك مفتوح” للجيش. ويتضح أن وراء هذه الخلافات دوافع مرتبطة بتعزيز دولة المستوطنين في الضفة الغربية، مما يزيد من تعقيد المشهد السياسي.
يرى محللون أن ميزانية الأمن أصبحت أداة ابتزاز متبادل داخل الائتلاف: سموتريتش يلوّح بقدرته على تعطيل الميزانية والقوانين الضريبية والاجتماعية إذا لم يتم تقليص طلبات الجيش، بينما يسعى نتنياهو لتجنب الانحياز الواضح لصالح المالية على حساب الجيش خشية فقدان الثقة مع المؤسسة العسكرية وقاعدته الانتخابية.
يُضيف هذا التعقيد احتمال تعثر الميزانية في اختبار التصويت، مما يفتح الطريق إلى انتخابات مبكرة بحلول ربيع 2026.
الأمن مقابل السياسة والاقتصاد
تسلط الأزمة المالية والإدارية الضوء على التحدي المزدوج الذي تواجهه إسرائيل، بين الحاجة الماسة لإعادة بناء جيش قادر على مواجهة تهديدات متعددة الجبهات، مقابل حدود مالية صارمة وتنافس سياسي داخلي يُعقد من اتخاذ القرارات.
تمثل الأزمة فرصة لسموتريتش وحزبه لإظهار “مسؤوليتهم الاقتصادية”، لكن هذا يأتي على حساب قدرة الجيش على تجهيز نفسه، مما قد يُعرض إسرائيل لمخاطر أمنية جسيمة.
يكشف هذا التوتر عن الرابط الوثيق بين الإنفاق العسكري وسياسة الاستيطان والمناورات الانتخابية، مما يجعل ميزانية 2026 اختباراً ليس فقط للاقتصاد والأمن، بل لتوازن القوى داخل الحكومة الإسرائيلية وأسلوب إدارتها للأزمات.
ما هو واضح في الوقت الراهن هو مدى هشاشة التوازن بين الأمن والسياسة في إسرائيل، حيث تُظهر الفجوة الكبيرة بين مطالب الجيش والإمكانات المالية قدرة محدودة للحكومة على إدارة أزمات ما بعد الحرب.
تشير المعطيات إلى أن استمرار هذه الخلافات سيؤدي إلى تآكل جاهزية الجيش لمواجهة تهديدات متعددة الجبهات، بما في ذلك الجبهة الشمالية والجبهة مع غزة، مما يُعرض البلاد لمخاطر استراتيجية حقيقية إذا لم تُتوصل إلى حلول عاجلة.
كما يوضح الصراع المالي أن ميزانية الأمن لم تعد مجرد مسألة فنية، بل أداة سياسية تستخدم داخل الائتلاف لتعزيز النفوذ وتحديد الأولويات بين الأحزاب والمصالح المتنافسة. فالتمسك بزيادة ميزانية الجيش مقابل ضبط الإنفاق العسكري يعكس صراعاً بين الأجندة الأمنية الحقيقية واعتبارات الاستحواذ السياسي، مما يجعل أي قرار مالي مرتبط بالجيش أداة محتملة للابتزاز الداخلي ضمن الحكومة.
تم نسخ الرابط
