شهدت أسواق النقل البحري العالمية انخفاضًا جديدًا، حيث تراجع مؤشر درويري العالمي للأسعار بنسبة 8% ليصل إلى 1,761 دولارًا للحاوية. تعتبر هذه التراجعات، المستمرة لأربعة عشر أسبوعًا، مؤشراً على أزمة شاملة في قطاع الشحن البحري بعد الاضطرابات الناتجة عن جائحة كورونا والحرب في أوكرانيا. تراجعت الأسعار أيضًا في الخطوط بين آسيا وأوروبا، مما يعكس حالة الركود الاقتصادي. يُنذر الفائض في السعة والضعف في الطلب بالمزيد من الضغط على شركات النقل الكبرى، ويشير الخبراء إلى أن الوضع قد يستمر حتى منتصف 2026 إن لم تُتخذ تدابير فعّالة.
أخبار الشحن | شاشوف
شهدت أسواق النقل البحري العالمية انخفاضاً جديداً هذا الأسبوع، حيث تراجع مؤشر درويري العالمي للحاويات (WCI) بنسبة 8% ليصل إلى 1,761 دولاراً للحاوية القياسية (40 قدماً). يمثل هذا التراجع الأسبوع الخامس عشر على التوالي، مما يدل على الأزمة التي يواجهها قطاع الشحن البحري بعد فترة من الاضطرابات في سلاسل الإمداد العالمية.
ووفقاً للبيانات التي صدرت يوم الخميس 25 سبتمبر 2025، فإن الهبوط شمل جميع المسارات الرئيسية، من آسيا إلى الولايات المتحدة وأوروبا، بسبب تزايد الفجوة بين العرض والطلب نتيجة تباطؤ الحركة التجارية وضعف شهية الأسواق. يعتبر هذا التراجع إشارة واضحة لدخول قطاع الشحن في فترة تصحيح طويلة الأمد بعد طفرة الأسعار التي شهدها بعد جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية.
يؤكد خبراء سلسلة التوريد في درويري أن الوضع الحالي لا يُعبر عن تقلبات قصيرة المدى، بل هو نتيجة لعوامل اقتصادية وجيوسياسية متداخلة، مثل ضعف الاستهلاك في الأسواق الغربية، والسياسات الحمائية التي تحد من التجارة، وتغير أنماط الإنتاج وسلاسل الإمداد.
هبوط حاد في الخطوط الأمريكية
سجلت أسعار الشحن الفوري من شنغهاي إلى الساحل الغربي للولايات المتحدة (ميناء لوس أنجلوس) انخفاضًا حادًا بنسبة 10% لتبلغ 2,311 دولارًا للحاوية القياسية. بينما شهد الخط الشرقي نحو نيويورك تراجعًا بنسبة 8% ليصل إلى 3,278 دولارًا. تشير هذه الأرقام إلى أن سوق أمريكا الشمالية لم تعد تستطيع استيعاب الزيادات السابقة، في ظل تراجع الطلب الاستهلاكي وتباطؤ النشاط الصناعي.
يعتقد المحللون أن ضعف الطلب الأمريكي مرتبط بشكل مباشر بارتفاع تكاليف المعيشة وزيادة أسعار الفائدة، مما أثر على القوة الشرائية للمستهلكين، وبالتالي أثر على حجم الواردات من آسيا. تشير البيانات الاقتصادية الصادرة عن وزارة التجارة الأمريكية إلى تراجع واردات التجزئة خلال الربع الثالث من العام الجاري بنسبة تقارب 6% مقارنة بالعام الماضي.
هذا التراجع يثير تساؤلات حول قدرة شركات النقل البحري الكبرى مثل Maersk وCMA CGM وMSC على الحفاظ على هوامش أرباحها، خصوصًا وأنها قامت باستثمارات ضخمة في توسيع أساطيلها خلال فترة الازدهار بين 2020 و2022، وهي الآن تواجه أزمة فائض في الطاقة الاستيعابية.
آسيا – أوروبا: السوق يفقد الزخم
شهدت الخطوط الملاحية بين آسيا وأوروبا، والتي تعد شريانًا أساسيًا للتجارة العالمية، انخفاضات جديدة. تراجعت أسعار الشحن على خط شنغهاي – روتردام بنسبة 9% لتصل إلى 1,735 دولارًا، بينما هبطت أسعار خط شنغهاي – جنوا بنسبة 7% إلى 1,990 دولارًا. تُظهر هذه الأرقام أدنى مستوياتها منذ أكثر من ثلاث سنوات، مما يعكس حالة الركود التي تضرب الأسواق الأوروبية.
يرتبط هذا التراجع بتباطؤ الاقتصاد الأوروبي، حيث سجلت ألمانيا (أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي) انكماشًا بنسبة 0.3% في الناتج المحلي الإجمالي خلال الربع الثاني من 2025. كما أن أزمة الطاقة لا تزال تؤثر على الصناعات الأوروبية، مما قلل من قدرتها على المنافسة، وبالتالي انخفض الطلب على المواد الخام والبضائع المستوردة.
وفقًا لتقارير التجارة الدولية، لجأت شركات النقل إلى تقليص السعة التشغيلية عبر إلغاء بعض الرحلات (Blank Sailings) لمواءمة العرض مع الطلب، لكن هذه الاستراتيجية لم توقف التراجع السعري، بسبب حدة تراجع الاستهلاك وتراكم المخزونات لدى المستوردين الأوروبيين.
تأثير العطلات الصينية على السوق
من العوامل التي زادت في تفاقم الوضع الحالي هي اقتراب عطلة “الأسبوع الذهبي” في الصين، التي تبدأ في 1 أكتوبر وتستمر لثمانية أيام، حيث تقلل معظم المصانع الإنتاج، مما يؤدي إلى تباطؤ الشحنات بشكل ملحوظ. مع توقف الإنتاج الصيني – الذي يمثل حوالي 30% من إجمالي التجارة العالمية – تصبح حركة الحاويات في الموانئ الدولية عرضة للتراجع.
تتوقع درويري أن أسعار الشحن مرشحة لمزيد من الانخفاض خلال الأسبوع المقبل على الأقل، وقد تستمر في التراجع خلال الربع الرابع من العام ما لم يحدث تدخل من شركات النقل عبر تحالفاتها الكبرى لتقليل السعة. ومع ذلك، فإن مثل هذا التدخل قد يكتنفه مخاطر قانونية، حيث تواجه الشركات اتهامات متكررة بالاحتكار والتلاعب بالأسعار.
تشير قراءة شاشوف إلى أن هذه الدورة الموسمية المرتبطة بالعطلات الصينية، رغم كونها متوقعة، إلا أنها تحمل هذا العام بُعدًا إضافيًا يتمثل في ضعف الطلب العالمي، مما يزيد من تأثيرها مقارنة بالسنوات السابقة.
عرض يفوق الطلب
في تقييمه للوضع المستقبلي، حذر فريق درويري لتوقعات الحاويات من أن التوازن بين العرض والطلب سيظل ضعيفًا خلال الأرباع المقبلة، مما يعني أن الأسعار قد تشهد مزيدًا من الانكماش. تكمن المشكلة الرئيسية في الفجوة بين النمو البطيء للتجارة العالمية مقابل التوسع الكبير لأساطيل الحاويات خلال الأعوام الأخيرة.
وفقًا لبيانات اتحاد النقل البحري الدولي، أُضيف أكثر من 1.5 مليون حاوية مكافئة (TEU) إلى الأساطيل العالمية في النصف الأول من 2025 فقط، نتيجة لطلبيات ضخمة قدمتها الشركات خلال فترة الطفرة. يُعزز هذا الفائض من السعة المنافسة السعرية بين شركات النقل التي تحاول جذب العملاء بأي وسيلة.
يُشير خبراء الاقتصاد البحري إلى أن السوق قد يدخل في “حرب أسعار” مماثلة لتلك التي حدثت في 2016، عندما انهارت شركة Hanjin Shipping الكورية الجنوبية بسبب فائض السعة وعدم قدرتها على تغطية التكاليف التشغيلية. قد يتكرر هذا السيناريو اليوم إذا استمرت الأسعار في الانخفاض إلى ما دون مستويات التكلفة.
التداعيات على سلاسل الإمداد
يعتبر انخفاض أسعار الشحن أمرًا إيجابيًا بالنسبة للمستوردين والمستهلكين، إذ يساهم في تقليل تكاليف الاستيراد مما يخفف بعض الضغوط التضخيمة. ومع ذلك، فإن استمرار التراجع يهدد استدامة شركات النقل البحري، التي تعتبر العمود الفقري للتجارة الدولية.
وبحسب ما جاء في تقارير اقتصادية حديثة، قد تضطر شركات الشحن إلى خفض خدماتها أو إعادة هيكلة مساراتها، مما قد يؤدي إلى اضطرابات جديدة في سلاسل الإمداد. كما بدأت البنوك الدائنة لهذه الشركات في مراقبة وضعها المالي عن كثب خوفًا من انهيارات مفاجئة.
في ذات الوقت، قد يشجع الانخفاض المستمر في أسعار النقل على زيادة الطلب في بعض القطاعات، مثل تجارة التجزئة والإلكترونيات، التي تستفيد مباشرة من تراجع كلفة الاستيراد. لكن التأثير العام يعتمد على مدى تعافي الاقتصاد العالمي من حالة الركود الحالية.
نظرة مستقبلية قاتمة
الملخص أن سوق الشحن البحري العالمي يمر بمرحلة حساسة من التحول، حيث انتهت فترة الطفرة غير المسبوقة التي غذتها الأزمات، ليبدأ حالياً عصر جديد من التصحيح بحثًا عن توازن. وبحسب تقارير درويري ورصد شاشوف، فإن الانخفاض المستمر في مؤشر الحاويات العالمي قد يستمر على الأقل حتى منتصف 2026، ما لم تحدث تحولات جوهرية في الطلب العالمي أو تراجع في الطاقة التشغيلية للأساطيل.
التحديات لا تمتد فقط للجوانب الاقتصادية، بل تشمل أيضًا العوامل الجيوسياسية. فالحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، والنزاعات الإقليمية مثل أزمة البحر الأحمر، والاضطرابات في سوق الطاقة، كلها عوامل تزيد من هشاشة الوضع وتعمق حالة عدم اليقين.
يفضل المستوردون والمصدرون حول العالم التكيف مع هذه المرحلة بشكل حتمي، سواء عبر إعادة هيكلة عقود النقل، أو تنويع خطوط الإمداد، أو تبني سياسات تخزين أكثر مرونة. أما بالنسبة لشركات الشحن، فإن السنوات القادمة قد تحدد مصيرها بين البقاء أو الاندماج أو الإفلاس والانهيار.
