اليابان تتقدم رقمياً لكن تفتقر للقوة الحقيقية: الهند تتصدر كالرابع عالمياً – شاشوف

اليابان تتقدم رقمياً لكن تفتقر للقوة الحقيقية الهند تتصدر كالرابع


صعود الهند إلى المرتبة الرابعة عالميًا من حيث الناتج المحلي الإجمالي يعكس تضخمًا عدديًا وليس تحسنًا نوعيًا في الاقتصاد. رغم تخطيها اليابان بمعدل ناتج 4.18 تريليونات دولار، لا يُترجم هذا النمو إلى رفاهية واسعة، حيث يظل نصيب الفرد منخفضًا جدًا. تعاني الهند من بطالة شبابية وعدم توازن اقتصادي، مما يهدد قدرتها على استيعاب القوة العاملة المتزايدة. الضغوط الخارجية مثل الرسوم الجمركية الأمريكية تؤثر سلبًا على الاقتصاد، ويؤدي التراجع في قيمة الروبية إلى زيادة التضخم. لذا، فإن هذا الصعود العددي لا يعني استقرارًا اقتصاديًا أو رفاهية حقيقية للسكان.

منوعات | شاشوف

إن صعود الهند إلى المرتبة الرابعة عالمياً من حيث الناتج المحلي الإجمالي لم يكن نتيجة لتغيير جذري في هيكل الاقتصاد، بل هو نتيجة طبيعية لنمو عدد السكان وزيادة النشاط الاقتصادي. فالتقدم في الترتيب العالمي يمثل توسعاً رقمياً في الناتج، وليس بالضرورة دليلاً على تحسن الإنتاجية وجودة النمو، مما يضع هذا ‘الإنجاز’ في إطار القوة الرقمية بدلاً من كونه علامة على قوة اقتصادية حقيقية.

مع ناتج محلي يُقدَّر بحوالي 4.18 تريليون دولار، تجاوزت الهند اليابان لتصبح رابع أكبر اقتصاد في العالم، وفقاً لتقديرات حكومية تعقبها مرصد ‘شاشوف’، مع آمال رسمية في تجاوز ألمانيا خلال ثلاث سنوات. ومع ذلك، هذه القفزة لا تعكس انتقالاً اقتصادياً قوياً، بل تكشف عن فجوة متزايدة بين حجم الاقتصاد وقدرته الفعلية على خلق رفاهية أو استقرار معيشي واسع.

المفارقة هي أن هذا الصعود يحدث في ظل ضغوط هيكلية متزايدة على الاقتصاد الهندي، مثل البطالة المرتفعة بين الشباب، تفاوت الدخل الحاد، وتباطؤ النمو في الاستهلاك الحقيقي. الأرقام الكبيرة تخفي اقتصاداً لا يزال هشاً من الناحية الاجتماعية، يعتمد على الكثافة السكانية بدلاً من القيمة المضافة.

لذا، فإن مقارنة الهند باليابان أو ألمانيا من حيث الحجم فقط تُعتبر قراءة مضللة، حيث إن الاقتصاد لا يُقاس فقط بما ينتجه، بل بما يوزعه وبقدّرته على خلق فرص مستدامة وتحقيق استقرار على المدى الطويل.

ناتج ضخم… وفرد فقير

على الرغم من تقدمها في الترتيب العالمي، لا يزال نصيب الفرد من الناتج المحلي في الهند منخفضاً، إذ لم يتجاوز 2694 دولاراً سنوياً في 2024، وهو أقل بنحو 12 مرة من اليابان و20 مرة أقل من ألمانيا وفقاً للقوائم المتاحة لدى شاشوف. هذا التفاوت يوضح أن النمو الهندي لا يترجم إلى تحسن في مستوى المعيشة، بل يتركز في قطاعات ومناطق محددة.

هذا الخلل يعكس طبيعة النمو القائم على الخدمات منخفضة الأجر، في مقابل ضعف التصنيع المتقدم وتباطؤ الاستثمار في القوة البشرية. ومن الواضح أن الاقتصاد الضخم لا يزال عاجزاً عن رفع معدل الدخل المتوسط، مما يثير التساؤلات حول جودة هذا النمو واستدامته.

كما أن التزايد السكاني، الذي يُعتبر ميزة استراتيجية، يتحول عملياً إلى عبء اقتصادي في ظل عدم قدرة السوق على استيعاب الملايين من الداخلين الجدد. فالشباب، الذين يمثلون أكثر من ربع السكان، يجدون أن الفرص غير كافية، مما يهدد بتحويل ‘العائد الديموغرافي’ إلى ضغط اجتماعي.

وختاماً، فإن الناتج الكبير لا يعكس قوة الاقتصاد بقدر ما يعكس اتساعه، وهذا فرق جوهري يُتجاهل في المقارنات السطحية.

نمو تحت الضغط الخارجي

يأتي هذا الارتفاع الرقمي للهند في ظل ظروف دولية معقدة، حيث تواجه نيودلهي ضغوطًا تجارية متزايدة، أبرزها الرسوم الجمركية الأميركية المرتفعة على المنتجات ‘المصنوعة في الهند’ بسبب علاقاتها النفطية مع روسيا. هذه التدابير تُؤثر على قطاعات التصدير الحساسة وتقيد القدرة على تحويل النمو إلى قوة تجارية مستقرة.

التقلب في قيمة الروبية، حيث انخفضت بنحو 5% خلال 2025، يعكس هشاشة الميزان الخارجي ويزيد من تكاليف الواردات، مما يضغط على التضخم ويقلل من القوة الشرائية. وفي اقتصاد يعتمد بشكل كبير على الاستيراد في الطاقة والتكنولوجيا، تصبح هذه التقلبات تهديداً مباشراً للاستقرار.

ورغم محاولات الحكومة تقديم هذا النمو كدليل على ‘القدرة على الصمود’، إلا أن المعطيات تشير إلى اقتصاد يتقدم بشكل عددي لكنه يفتقر إلى شبكة أمان قوية أمام الصدمات الخارجية، سواء كانت تجارية أو مالية.

إصلاحات متأخرة ونمو غير متوازن

قد أجبرت مؤشرات التباطؤ الحكومة الهندية على إعلان إصلاحات ضريبية وتعديلات في قوانين العمل، تحاول من خلالها تعزيز الزخم الاقتصادي المتراجع. غير أن هذه الإجراءات كانت متأخرة، وظهرت في وقت وصل فيه النمو إلى أدنى مستوياته منذ أربع سنوات، مما يقلل من تأثيرها الفوري.

النمو الحالي أيضاً غير متوازن حسب تحليل شاشوف، إذ تستفيد منه قطاعات معينة بينما تبقى أجزاء واسعة من الاقتصاد خارج دائرة التحسن. يؤدي هذا التفاوت إلى زيادة الفجوة الاجتماعية ويحد من قدرة الاقتصاد على التحول إلى قوة شاملة.

من المهم الإشارة إلى أن الاقتصاد الهندي، رغم حجمه، يعاني من ضعف في البنية الصناعية الثقيلة وتباطؤ في الابتكار عالي القيمة، مما يجعله أكثر عرضة للتقلبات العالمية وأقل قدرة على فرض نفسه كقوة اقتصادية متكاملة.

إن صعود الهند إلى المرتبة الرابعة عالمياً هو حدث رقمي مهم، لكنه لا يعكس تحولاً نوعياً في القوة الاقتصادية. فالحجم وحده لا يصنع اقتصاداً قوياً، والناتج الكبير لا يعني تلقائياً رفاهية السكان أو قوة البنية الإنتاجية. في جوهره، يكشف هذا التقدم عن مفارقة واضحة: اقتصاد يتضخم بسرعة، لكنه لا يزال عاجزاً عن تحويل هذا التضخم إلى استقرار معيشي أو نفوذ اقتصادي متماسك. وإذا لم تُعالج اختلالات الدخل والإنتاجية والبطالة، فإن هذا الصعود سيبقى إنجازاً إحصائياً أكثر من كونه تحولاً تاريخياً.


تم نسخ الرابط