الهجمات على ناقلات الإمارات تعيد تقييم أسعار النفط في الشرق الأوسط… الأسواق تشهد مرحلة ‘علاوة الصراع’ – شاشوف


أشعلت الهجمات الإيرانية على ناقلتي شركة ‘أدنوك’ المخاوف بشأن أمن إمدادات النفط من الخليج، مما أدى إلى ارتفاع أسعار الشحنات الفورية المُرتبطة بتصاعد المخاطر الجيوسياسية. يعكس هذا التحول استعداد المشترين لدفع علاوة للحصول على الإمدادات الفورية، بينما تُعيد شركات الشحن والمصافي تقييم خططها وسط الاضطرابات. يمر نحو 20% من تجارة النفط العالمية عبر مضيق هرمز، لذا فإن أي تهديد يُؤثر على تكاليف النقل ويزيد الضغط على الاقتصاديات المستوردة، خاصةً في آسيا. تزداد مخاطر التأمين وقد تدفع الشركات لت diversifying مصادر الإمداد بعيداً عن الشرق الأوسط.

تقارير | شاشوف

لم تنته أسواق النفط بعد من استعادة بعض من هدوئها بعد أسابيع من التحسن النسبي في تدفقات الخام عبر مضيق هرمز، حتى أعادت الهجمات الإيرانية على ناقلتين تابعتين لشركة بترول أبوظبي الوطنية ‘أدنوك’ إثارة المخاوف بشأن أمن الإمدادات القادمة من الخليج.

سرعان ما انعكست هذه الأحداث على سوق الخام الفورية، حيث ارتفعت أسعار شحنات نفط الشرق الأوسط لتتجاوز أسعار العقود الآجلة للأشهر المقبلة، مما يشير إلى أن المشترين أصبحوا مستعدين لدفع علاوة سعرية للحصول على الإمدادات الفورية وسط تصاعد المخاطر الجيوسياسية.

يمثل هذا التحول واحدًا من أبرز مؤشرات تغيير مزاج السوق، إذ عادت علاوة المخاطر لتسعير براميل النفط بعد فترة قصيرة من التفاؤل الذي أعقب الاتفاق المؤقت بين أمريكا وإيران، والذي سمح باستئناف جزء من حركة الملاحة عبر مضيق هرمز.

ومع ذلك، فإن استئناف الضربات العسكرية والهجمات على السفن التجارية أعاد الشكوك إلى شركات الشحن والمصافي الآسيوية، التي بدأت في إعادة تقييم خططها الشرائية تحسبًا لاحتمال تعطل الإمدادات خلال الأسابيع المقبلة.

تكتسب هذه التطورات أهمية استثنائية نظرًا للمكانة المحورية التي يحتلها الخليج في تجارة الطاقة العالمية. فوفقًا لوكالة الطاقة الدولية، يمر عبر مضيق هرمز ما يقارب 20 مليون برميل من النفط والمشتقات النفطية يوميًا، أي نحو 20% من الاستهلاك العالمي للسوائل النفطية، بالإضافة إلى ما يقارب خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية.

لذا، فإن أي تهديد لحركة الملاحة في هذا الممر الحيوي ينعكس سريعًا على أسعار النفط، وتكاليف النقل البحري، وأقساط التأمين، ويزيد من الضغوط على الاقتصادات المستوردة للطاقة، خاصة في آسيا.

أسعار الخام الفورية تقفز فوق العقود الآجلة… السوق يرسل إشارة تحذير

أظهرت تعاملات سوق النفط تغيرًا سريعًا في هيكل التسعير، بعدما تحولت فروق الأسعار الشهرية لخام دبي القياسي من حالة الكونتانغو (Contango) إلى الباكورديشن (Backwardation)، حيث أصبحت الشحنات الفورية تُتداول بعلاوة تقارب دولارًا واحدًا للبرميل مقارنة بعقود الأشهر اللاحقة، بعد أن كانت العقود الآجلة أعلى سعراً طوال الأسابيع الثلاثة الماضية.

يُعتبر هذا التحول من المؤشرات الأساسية التي يعتمد عليها المتعاملون لقياس مستوى القلق بشأن توافر الإمدادات الفورية، إذ يعكس استعداد المشترين لدفع أسعار أعلى للحصول على النفط بشكل عاجل بدلاً من انتظار الشحنات المستقبلية.

يرى المتعاملون في أسواق الطاقة أن هذا التغيير لا يرتبط فقط بانخفاض المعروض، بل أيضًا بزيادة المخاطر المرتبطة بعمليات النقل داخل الخليج. فقد أثار الهجوم على ناقلتي ‘أدنوك’ مخاوف شركات الشحن العالمية من إرسال سفنها إلى المنطقة، في ظل ارتفاع احتمالات التعرض لهجمات جديدة. وهذا دفع شركات التأمين إلى إعادة تقييم أقساط ‘مخاطر الحرب’ المفروضة على السفن العابرة للمياه الإقليمية في الخليج. تاريخيًا، تؤدي مثل هذه الظروف إلى زيادة تكاليف الشحن، حتى في حالة عدم توقف الصادرات بشكل كامل.

كما بدأت شركات التكرير الآسيوية، التي تعتمد بشكل كبير على خامات الشرق الأوسط، في مراجعة خططها التشغيلية وسط حالة من عدم اليقين بشأن مواعيد وصول الشحنات.

أشارت مصادر في قطاعي التجارة والتكرير إلى أن استمرار الاضطرابات قد يدفع بعض المشترين إلى زيادة مشترياتهم من خامات غرب أفريقيا وأمريكا اللاتينية، بينما من المتوقع أن ترفع المصافي الهندية وارداتها من النفط الروسي لتعويض أي نقص محتمل في الإمدادات الخليجية، خاصة إذا استمرت الاضطرابات في مضيق هرمز لأكثر من أسبوعين، وهو سيناريو قد يعيد رسم خريطة تدفقات النفط العالمية مؤقتًا.

«أدنوك» تواجه اختبارًا لمرونة الإمدادات الخليجية

أعاد التصعيد العسكري الأخير رسم أولويات المشترين في آسيا، الذين وجدوا أنفسهم أمام مخاطر متزايدة تهدد انتظام تدفقات النفط من الخليج. وتشير مصادر في قطاعي التكرير والتجارة إلى أن عددًا من المصافي الآسيوية بدأ بالفعل مراجعة خطط الشراء تحسبًا لاحتمال تأخر الشحنات، في وقت تتزايد فيه المخاوف من أن استمرار الهجمات قد يؤدي إلى عزوف شركات النقل البحري عن إرسال ناقلاتها إلى الخليج، أو فرض رسوم تأمين مرتفعة تقلص الجدوى الاقتصادية لبعض الشحنات.

تواجه شركة بترول أبوظبي الوطنية ‘أدنوك’ اختبارًا لمرونة منظومتها اللوجستية، بعدما التزمت مسبقًا ببيع أكثر من 70 مليون برميل من الخام للتسليم بين يونيو وأغسطس.

يرجح المتعاملون أن تلجأ الشركة إلى تعزيز الاعتماد على مخزوناتها الاستراتيجية في الفجيرة للحفاظ على التزاماتها التصديرية، ومع ذلك، فإن أي تباطؤ في حركة ناقلاتها أو ارتفاع في تكاليف النقل قد يؤدي إلى تأخير بعض الشحنات وزيادة الخصومات أو إعادة ترتيب جداول التسليم وفقًا لتطورات الوضع الأمني في الخليج.

في المقابل، بدأت الأسواق ترصد تحركات نحو تنويع مصادر الإمداد بعيدًا عن الشرق الأوسط. فالمصافي الآسيوية قد تزيد مشترياتها من خامات غرب أفريقيا وأمريكا اللاتينية، بينما يتوقع المتعاملون أن ترفع الهند وارداتها من النفط الروسي إذا استمرت الاضطرابات.

ورغم أن عددًا من المصافي تمتلك حاليًا مخزونات تشغيلية تكفي لأسابيع، فإن استمرار تعطل الملاحة لمدة تتراوح بين 10 و15 يومًا قد يدفع الأسواق إلى زيادة المنافسة على البراميل المتاحة، وهو ما قد ينعكس على الأسعار الفورية وهوامش التكرير في مختلف الأسواق الآسيوية.

الملاحة في هرمز تتباطأ… وعلاوة المخاطر تعود إلى قلب سوق الطاقة

تكشف بيانات تتبع السفن عن تراجع واضح في حركة العبور عبر مضيق هرمز بعد الهجمات الأخيرة. فوفقًا لبيانات شركة كبلر، لم يعبر المضيق سوى خمس سفن مخصصة لنقل النفط والمواد الكيميائية والبضائع السائبة خلال يوم واحد، بينما غابت ناقلات النفط الخام والغاز الطبيعي المسال عن حركة العبور، في مؤشر يعكس حجم الحذر الذي بات يسيطر على شركات الشحن العالمية. كما أن استخدام معظم السفن للمسار القريب من المياه الإيرانية يبرز تعقيدات الملاحة في ظل التصعيد العسكري المستمر.

يحذر محللو أسواق الطاقة من أن المخاطر لم تعد مقتصرة على مضيق هرمز وحده، بل امتدت إلى البحر الأحمر ومضيق باب المندب، بعد عودة الهجمات في محيط هذه الممرات البحرية الحيوية. ويعني ذلك أن أي اضطراب متزامن في هذين الممرين يمكن أن يؤثر على جزء كبير من تجارة النفط والغاز العالمية، ويرفع تكاليف النقل وإعادة توجيه السفن، مما يزيد الأعباء على المستوردين في آسيا وأوروبا.

ورغم أن السوق لا يزال يستبعد توقفًا كاملًا للصادرات الخليجية، فإن المتعاملين يتفقون على أن ‘علاوة الحرب’ عادت لتصبح جزءًا أساسيًا من تسعير النفط. فكل يوم تستمر فيه التوترات يزيد من احتمالات زيادة أقساط التأمين، وإطالة زمن الرحلات البحرية، وتراجع عدد السفن المستعدة للعمل داخل الخليج، وهي عوامل كفيلة بالحفاظ على الأسعار الفورية مدعومة حتى إذا ظلت مستويات الإنتاج مستقرة.