المكلا تعاني من مياه ملوثة: تحقيق رسمي يكشف أن 70% من محطات التعبئة تبيع مياهاً ‘غير آمنة للاستهلاك’ – شاشوف

المكلا تعاني من مياه ملوثة تحقيق رسمي يكشف أن 70


كشف تحقيق في المكلا أن 70% من معامل المياه المعبأة تقدم مياهًا غير صالحة للشرب، مما يثير القلق حول غياب الرقابة وتلاعب الجودة. نتائج الفحوصات الرسمية تعكس أزمة مستمرة، حيث يُباع الملايين من اللترات من المياه المجهولة الجودة. السكان يشعرون بالخداع، بين خيار مياه الشبكة المشكوك في سلامتها ومياه معبأة أثبتت الدراسات تلوثها. مختصون يشددون على ضرورة تعزيز الرقابة وتنفيذ فحوصات فجائية لحماية صحة المواطنين. الفشل في التصدي لهذه المشكلة قد يسبب مخاطر صحية خطيرة، مما يجعل الحاجة إلى حلول فورية ضرورة ملحة.

متابعات محلية | شاشوف

لسنوات طويلة، اعتمد سكان المكلا على شراء المياه المعبأة من معامل خاصة باعتبارها الخيار الأكثر أمانًا، مع وجود شكوك حيال نظافة مياه الشبكة العامة. إلا أن الصدمة جاءت عندما كشف تحقيق شامل نشره موقع بران برس، واطلع عليه مرصد شاشوف، أن حوالي 70% من هذه المعامل تنتج مياه ‘غير صالحة للشرب’ وفق نتائج فحوصات رسمية. هذا الاكتشاف أثار أسئلة جدية حول غياب الرقابة، وتلاعب بعض المعامل بالجودة، وما يترتب على ذلك من تبعات صحية لعشرات الآلاف من المستهلكين يوميًا.

الأمر يتجاوز فكرة ‘اختلالات بسيطة’، فنتائج الفحوصات الرسمية تُظهر وجود خلل منهجي في قطاع حيوي يؤثر مباشرة على صحة الناس. ومع انتشار هذه المعامل بشكل واسع في أحياء المكلا، أصبح ملايين اللترات من المياه غير المعروفة الجودة تُباع من دون معايير واضحة أو رقابة كافية. يؤكد مختصون أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى أزمة صحية عامة تتطور تدريجيًا دون أن يدركها السكان.

ووفقًا لتحليل شاشوف لتحقيق بران برس، فإن المشكلة ليست مقتصرة على معمل واحد أو اثنين، بل تشمل قطاعًا كاملًا يعمل بمعايير غير موحدة، بعضها بدائي وبعضها ارتجالي، في ظل إجراءات إغلاق لا تدوم طويلاً وغياب آلية رقابية فعّالة. وبينما يُدفع المواطنون مبالغ إضافية للحصول على ‘مياه صحية’، تُظهر التحقيقات أن الكثير مما يشترونه ليس سوى مياه معبأة دون ضمانات فنية أو مخبرية.

تأتي هذه القضية في وقت حساس بالنسبة للمدينة، التي يعتمد فيها عدد كبير من السكان على المياه المعبأة يوميًا. ومع تزايد التحذيرات الصحية، يصبح السؤال الأهم: هل لا يزال سكان المكلا قادرين على الوثوق بما يشربون؟

صدمة رسمية… نتائج الفحوصات تكشف حجم المشكلة

فجر مكتب الأشغال العامة في مديرية المكلا مفاجأة غير متوقعة عندما أعلن أن 70% من معامل المياه في المدينة لا تنتج مياه صالحة للشرب. جاء هذا الإعلان بعد حملة ميدانية شملت جمع عينات عشوائية وفحصها في المختبر الوطني. وكما ذكر التحقيق الذي نشره بران برس واطلع عليه مرصد شاشوف، كانت النتائج ‘كارثية’ بتعبير المسؤولين.

وأشار مدير مكتب الأشغال، المهندس مروان العفاري، إلى أن معظم المعامل تعمل بتقنيات غير مطابقة، وتتجاهل شروط التعقيم والنظافة، مما يعرض المياه المنتجة للتلوث البكتيري وارتفاع نسب الأملاح. أوضح أن الفرق الميدانية أغلقَت العديد من المنشآت المخالفة، لكن هذه الإجراءات كانت مؤقتة حيث عادت عدد من المعامل للعمل بعد دفع غرامات مالية.

تكشف إفادات المكتب أن الفجوة بين توقعات الناس وما يحصلون عليه كبيرة. بينما يشتري المواطنون ‘ماء صحة’، تُنتج المعامل مياهًا لا تخضع لرقابة مستمرة أو فحوصات دورية، وغالبًا لا تلتزم بمعايير أساسية في المعالجة والترشيح. وهذا يجعل المسؤولية، حسب المكتب، تقع على عاتق الجهات الرقابية التي لم تنفذ حملات دائمة، بل حملات محدودة لا تكفي لضبط قطاع بهذا الحجم.

يشير مسؤولون محليون إلى أن المعامل تنتشر ‘بشكل سرطاني’ في المدينة، وأن استمرارها على هذا النحو يجعل من الصعب مراقبة جودة الإنتاج. والنتيجة واحدة: مياه غير مطابقة للمعايير تصل إلى منازل المواطنين.

شهادات السكان… “ماء بطعم التراب”

في رواية تتكرر بين سكان المكلا، تذكر أم يوسف أنها لاحظت ترسبات غريبة ورواسب طينية صغيرة داخل العبوات التي تشتريها منذ فترة. وبعد تغيير أكثر من معمل توريد، استمرت المشكلة، مما دفعها للاعتقاد أن مصدر المياه هو السبب وليس منزلها.

يقول سكان آخرون إنهم لاحظوا تغيرًا في الطعم وظهور روائح أو شوائب دقيقة، مما أثار موجة من الشكوك حول جودة المياه المعبأة. يشير البعض إلى أنهم يتوجهون إلى المياه المعبأة خوفًا من مياه الصنبور غير المعقمة بما فيه الكفاية، لكن المفارقة أن مياه المعامل كانت أسوأ في كثير من الحالات.

تشير شهادات الأهالي إلى أن الثقة في ‘ماء الصحة’ تتراجع بشكل ملحوظ، والعديد من الأسر باتت تتأرجح بين خيارين: مياه شبكية مشكوك في سلامتها ومياه معبأة أظهرت التحقيقات الرسمية أنها غير مطابقة للمعايير. يضع هذا الوضع الأهالي في حالة قلق يومي بشأن أهم مادة يستهلكونها.

تظهر تعليقات متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي أن كثيرًا من السكان شعروا بـ’الخداع’ بعد اكتشافهم أن جزءًا كبيرًا من معامل المدينة لا يلتزم بالاشتراطات الصحية، وأن الرقابة الحكومية لم تكن بالصرامة الكافية لحمايتهم.

المختبر الوطني والمختصون… أين الخلل؟

أفاد مصدر في المركز الوطني لمختبرات الصحة العامة بالمكلا أن فريق المختبر شارك في الزيارات الأخيرة، وأجرى فحوصات تفصيلية على العينات. كانت النتيجة، حسب قوله، ‘صادمة وغير قابلة للتبرير’. معظم العينات لم تتطابق مع المعايير الصحية، وبعضها احتوى على نسب عالية من الأملاح أو شوائب دقيقة.

أوضح المصدر أن عددًا من المعامل يستخدم مرشحات منتهية الصلاحية أو غير معقمة، بينما يلجأ آخرون إلى خلط المياه المفلترة بمياه الصنبور لتحسين الطعم أو لتقليل التكلفة. هذا الخلط يعرض المياه للتلوث، مما يجعلها غير مطابقة للمواصفات.

الدكتور وليد البطاطي، المدير السابق للمختبر الوطني أكد أن المشكلة ليست فقط في التلوث، بل في نقص المعادن الطبيعية مثل الكالسيوم، مما يجعل المياه ‘ناقصة القيمة الغذائية’، حتى لو لم تظهر على سطحها علامات تلوث واضحة. وأكد أن العديد من العينات تظهر ماءً ‘مفلترًا بشكل مبالغ فيه’ أو ‘مختلطًا بمياه عادية’، وكلاهما غير مناسب للاستهلاك المستمر.

يرى البطاطي أن الحل يكمن في فرض رقابة مستمرة وفحوصات مفاجئة، ومعاقبة المخالفين بإجراءات قاسية تمنعهم من العودة للعمل دون تصحيح فعلي.

المخاطر أكبر مما يُعتقد

تشير تقارير المختبر الوطني إلى أن شرب المياه الملوثة قد يتسبب في مجموعة من المشاكل الصحية تتراوح بين الأعراض الخفيفة والمضاعفات المزمنة. وغالبًا ما ترتبط هذه الأضرار بوجود بكتيريا وطفيليات دقيقة أو نسب غير طبيعية من الأملاح.

من أبرز المخاطر: اضطرابات الكلى، ارتفاع ضغط الدم، التهابات الجهاز البولي، أمراض القلب الناتجة عن الأملاح الزائدة، فضلاً عن تأثيرات على الكبد بسبب المواد العالقة أو الملوثات الكيميائية. يؤكد المختصون أن الأطفال وكبار السن هم الأكثر تعرضًا لهذه الأضرار.

يشير الخبراء إلى أن المياه التي تفتقر للمعادن الأساسية مثل الكالسيوم والمغنيسيوم قد تسبب مشكلات على المدى الطويل، مثل ضعف العظام واضطرابات الأيض. هذا النوع من المياه شائع في عدد من المعامل التي تعتمد على تقنيات ترشيح غير متوازنة.

توضح بيانات المختبر أن بعض العينات الملوثة لا تُظهر تأثيراتها بشكل فوري، ما يجعل المستهلك غير مدرك للخطر إلا بعد تراكم المشاكل الصحية. وهذا يجعل الرقابة أمرًا حتميًا وليست خيارًا.

يعتقد المختصون أن الاعتماد على مياه الشبكة العامة –مع تركيب فلاتر منزلية– أفضل من مياه مجهولة المصدر، لأنها تحتوي على معادن طبيعية وتخضع لعمليات تعقيم رسمية، رغم الحاجة إلى تحسينات.

تكشف هذه القضية، حسب تحليل شاشوف لتحقيق بران برس، عن أزمة مزدوجة: أزمة مياه غير مطابقة للمعايير وأزمة ثقة بين المواطنين والجهات الرقابية. ف النتائج التي ظهرت في الفحوصات الرسمية لم تكن حادثة فردية، بل ظاهرة تعكس هشاشة الرقابة وضعف الردع القانوني تجاه المخالفين.

تظهر القضية أن معالجة المشكلة تتطلب سياسات دائمة من الفحص المفاجئ وإجراءات صارمة تمنع عودة المعامل المخالفة إلى العمل دون تصحيح فعلي، فلا يُمكن ترك صحة السكان رهينة معامل تعمل بمعايير متباينة وسوق بلا شفافية أو رقابة قوية.

ما لم تتخذ السلطات خطوات جذرية لضبط هذا القطاع، سيظل سكان المكلا يشربون مياهاً لا يعرفون حقيقتها، فيما تتسع دائرة الأخطار الصحية بصمت. الماء ليس سلعة قابلة للمساومة… بل حق أساسي يجب أن يُحمى بلا تهاون.


تم نسخ الرابط