أصدرت المحكمة العليا الأمريكية قراراً تاريخياً بإلغاء معظم الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب، معتبرةً أن الإدارة تجاوزت صلاحياتها. الحكم، الذي جاء بأغلبية 6-3، اعتبر أن فرض رسوم شاملة يحتاج إلى تفويض من الكونغرس، وهو ما لم يتحقق. ورغم انتصارات ترامب السابقة في قضايا عديدة، فإن هذا القرار يشير إلى مراقبة قضائية أكثر جدية. عقب الحكم، انتقد ترامب القضاة وأعلن عن زيادة مؤقتة في الرسوم الجمركية. القرار يحمل تداعيات اقتصادية وسياسية كبيرة، وقد يغير الديناميات في العلاقة بين السلطتين التنفيذية والقضائية، ويطرح تساؤلات حول مستقبل حربه التجارية.
الاقتصاد العالمي | شاشوف
في حكمٍ وُصف بأنه الأهم في النزاع القانوني بين البيت الأبيض والسلطة القضائية منذ عودة ترامب، أصدرت المحكمة العليا الأمريكية أمس قراراً تاريخياً بإلغاء معظم الرسوم الجمركية الطارئة التي فرضها الرئيس على غالبية شركاء الولايات المتحدة التجاريين، معتبرةً أن ترامب تجاوز صلاحياته بموجب القانون الاتحادي. وقد جاء القرار بأغلبية ستة قضاة مقابل ثلاثة، حيث ضمّ قضاةً محافظين وليبراليين.
منذ عودته إلى البيت الأبيض، حقق ترامب سلسلة من الانتصارات الملحوظة أمام المحكمة العليا ذات الأغلبية المحافظة، حيث أيدته في أكثر من 20 قضية خلال عام 2025 وفقاً لمرصد ‘شاشوف’، مما أتاح له توسيع سلطته وتسريع تنفيذ سياسات مثيرة للجدل تتعلق بالهجرة والخدمة العسكرية والتوظيف الاتحادي والسيطرة على الوكالات المستقلة.
فيما يتعلق بالقضايا الطارئة، نظرت المحكمة في 28 طلباً عاجلاً تقدمت به الإدارة لرفع أوامر محاكم أدنى تعرقل سياساته، وساندته في 24 قضية، بينما أُعلنت قضية واحدة غير قابلة للنظر. سمحت هذه القرارات للرئيس بفصل موظفين اتحاديين، وبسط نفوذ أوسع على الوكالات المستقلة، وحظر وجود المتحولين جنسياً في الجيش، وترحيل مهاجرين إلى دول لا تربطهم بها أي صلات مباشرة، بجانب إجراءات أخرى وُصفت بأنها توسعية.
ومع ذلك، شكّلت قضية الرسوم الجمركية نقطة تحول، حيث يُعتبر الحكم الأخير – الذي تأخر قليلاً – أول رفض رسمي واضح لنهج الإدارة في ما اعتبرته المحكمة توسيعاً غير مبرر لصلاحيات الرئيس.
حيثيات الحكم: لا صلاحية لفرض رسوم شاملة تحت غطاء الطوارئ
جاء الحكم الذي صاغه رئيس المحكمة العليا، القاضي المحافظ جون روبرتس، في 21 صفحة، حيث رفض بشكل قاطع حجة الإدارة بأن قانون السلطات الاقتصادية في الحالات الطارئة الدولية لعام 1977 يمنح الرئيس صلاحية فرض رسوم جمركية شاملة.
وأكد روبرتس أن دور المحكمة يقتصر على تحديد ما إذا كانت سلطات ‘تنظيم الاستيراد’ الممنوحة للرئيس بموجب ذلك القانون تشمل فرض رسوم جمركية، وكان الجواب واضحاً: ‘لا’. وأضاف أن الإدارة حاولت تسويق ‘توسيع جذري’ لسلطة الرئيس على السياسة الجمركية لتبرير فرض تعريفات عالمية تمتد آثارها على الاقتصاد بأسره.
وبذلك، أيدت المحكمة حكماً صادراً عن درجة أدنى، مشددة على أن أي سلطة لفرض رسوم شاملة بهذه الدرجة يجب أن تكون من الكونغرس، وليس مستمدة من نصوص عامة في قوانين الطوارئ.
ورأى أكاديميون أن القرار يعكس جدية المحكمة في مراقبة نطاق السلطة الممنوحة من الكونغرس، وأن المحكمة لا توفر ‘غطاءً قانونياً’ لكل بند من بنود برنامج ترامب.
أثار القرار تساؤلات واسعة حول ما إذا كانت المحكمة بصدد إعادة ضبط العلاقة بين السلطتين التنفيذية والقضائية، بعد عام من الانتقادات التي شككت في استقلاليتها، خاصة عقب حكم تاريخي وضعه روبرتس بنفسه في 2024، منح ترامب حصانة واسعة من الملاحقة الجنائية عن بعض أفعاله في الأيام الأخيرة من ولايته الأولى، وسط اتهامات بمحاولة تخريب انتخابات 2020.
هذا الحكم أثار استياءً بين الليبراليين في المحكمة، حيث علّقت القاضية كيتانجي براون جاكسون في أحد آرائها بأن ‘هذه الإدارة تفوز دائماً’. لكن قضية الرسوم كانت مختلفة، إذ لم تتطلب من المحكمة تقييم دوافع الرئيس أو حكمته السياسية، بل كانت محصورة في تفسير قانوني صرف.
ومع ذلك، لا يزال من المبكر الجزم بأن الحكم يمثل تحولاً شاملاً، فهناك قضايا أخرى معلقة، من بينها مساعي ترامب لإنهاء حق المواطنة بالولادة، وهي قضية ستنظر المحكمة في مرافعاتها مطلع أبريل، إضافة إلى معارك قانونية حول إقالة أعضاء في هيئات مستقلة مثل مجلس الاحتياطي الفيدرالي.
رد ترامب: تصعيد تجاري
رد ترامب كان سريعاً وعنيفاً، ففي مؤتمر صحفي حاد، هاجم القضاة ووجه انتقادات شخصية لعدد منهم، بمن فيهم من عيّنهم بنفسه، واصفاً إياهم بأنهم ‘حمقى’ وأدوات بيد الديمقراطيين، وقال إنهم غير وطنيين وغير مخلصين للدستور، وذهب إلى حد القول إن المحكمة تأثرت بمصالح أجنبية.
لكن الأهم من الخطاب كان الفعل، حيث أعلن ترامب عن رفع الرسوم الجمركية المؤقتة على الواردات من جميع الدول تقريباً من 10% إلى 15% وفقاً لمصادر شاشوف، وهي النسبة القصوى المسموح بها قانوناً بموجب المادة 122 من قانون منفصل، التي تتيح فرض رسوم لمدة 150 يوماً قبل الحاجة إلى موافقة الكونغرس لتمديدها.
وفي منشور على منصة تروث سوشال، أكد أنه قرر رفع الرسوم إلى الحد الأقصى ‘المسموح به بالكامل والمجرب قانونياً’، حيث اعتبر أن كثيراً من الدول كانت ‘تنهب’ الولايات المتحدة دون عقاب حتى وصوله إلى الحكم، وأشار إلى أنه سيستغل مهلة الـ150 يوماً للعمل على إصدار رسوم جديدة ‘مسموح بها قانوناً’، معتمداً كذلك على قوانين أخرى تسمح بفرض ضرائب استيراد على منتجات أو دول محددة بناءً على تحقيقات تتعلق بالأمن القومي أو الممارسات التجارية غير العادلة.
بهذا التحرك، أوضح ترامب أنه لا ينوي التراجع عن حربه التجارية العالمية، بل يسعى إلى إعادة صياغتها ضمن أطر قانونية بديلة.
أبعاد اقتصادية وانتخابية
يحمل قرار المحكمة تداعيات مباشرة على الاقتصاد والعلاقات التجارية الخارجية، لكنه يحمل أيضاً أبعاداً سياسية داخلية حساسة، حيث واجه ترامب انتقادات من بعض الجمهوريين بسبب استخدامه غير المسبوق للرسوم الجمركية، وقد يحتاج الآن إلى دعم الكونغرس لتمديد الرسوم الجديدة أو سن تشريعات بديلة.
وهذا يضع المشرعين الجمهوريين أمام اختبار صعب في عام انتخابي، إذ سيُطلب منهم التصويت لصالح فرض رسوم استيراد قد يعتبرها الناخبون عبئاً اقتصادياً، وقد أظهر استطلاع رأي أجرته NPR/PBS News/Marist واطلع شاشوف على نتائجه أن 87% من الديمقراطيين و63% من المستقلين يرون أن الرسوم الجمركية ضارة بالاقتصاد.
دعا السيناتور الجمهوري تشاك غراسلي من ولاية أيوا الإدارة إلى مواصلة المفاوضات التجارية والعمل مع الكونغرس لضمان تدابير إنفاذ طويلة الأجل، مما يوفر فرصاً سوقية موسعة وطمأنينة لمزارعي أيوا وشركاتها العائلية.
من المرجح أن يحتاج ترامب إلى تعديل خطابه السياسي بشأن الرسوم، خاصة بعد أن أغلقت المحكمة العليا الباب أمام استخدام قانون الطوارئ الاقتصادية لهذا الغرض، وستكون أول فرصة حقيقية لذلك خلال خطابه السنوي عن حالة الاتحاد، حيث يُتوقع منه توضيح استراتيجيته الجديدة للتعامل مع القيود القضائية وتبرير تصعيده الجمركي أمام الرأي العام.
إلى ذلك، لا يقتصر الحكم على إلغاء رسوم جمركية، بل يؤسس لمرحلة جديدة في الصراع بين تفسير واسع للسلطة التنفيذية والرقابة القضائية، وبينما يحاول ترامب الالتفاف قانونياً للحفاظ على حربه التجارية، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يشكل هذا القرار بداية لتوازن جديد، أم مجرد محطة عابرة في معركة دستورية مستمرة؟
تم نسخ الرابط

اترك تعليقاً