الغذاء العالمي: انتعاش اقتصادي ضعيف في جنوب اليمن مقابل توقف تام للمساعدات في الشمال… والأمن الغذائي على حافة الخطر – شاشوف

الغذاء العالمي انتعاش اقتصادي ضعيف في جنوب اليمن مقابل توقف


في أغسطس 2025، شهد الاقتصاد اليمني تفريقًا حادًا بين مناطق حكومة عدن وصنعاء. حققت عدن انتعاشًا نقديًا ملحوظًا، مما أدى لانخفاض تكلفة السلة الغذائية بنسبة 34%، رغم أن حوالي 62% من الأسر لا تستطيع تلبية احتياجاتها الغذائية. في المقابل، تواجه صنعاء توقفًا كاملًا للأنشطة الإنسانية، مما يثير القلق بشأن تفاقم انعدام الأمن الغذائي. التمويل الإنساني بلغ أدنى مستوى له خلال عقد، وقد أثر انخفاض واردات الوقود والغذاء على الوضع. التحسن الحالي في عدن قد يتلاشى بسرعة إذا لم تُستأنف صادرات النفط أو تُعزز التدفقات المالية الخارجية.

الاقتصاد اليمني | شاشوف

شهد شهر أغسطس 2025 أحداثاً بارزة في الوضع الاقتصادي والأمني الغذائي في اليمن، حيث لوحظ انتعاش نقدي سريع وغير مسبوق في مناطق سيطرة حكومة عدن، مما أدى إلى خفض تكلفة السلة الغذائية الأساسية. بينما تواجه مناطق حكومة صنعاء توقفاً تاماً لفعاليات برنامج الأغذية العالمي منذ نهاية أغسطس، وسط أدنى مستويات للتمويل الإنساني خلال عقد كامل.

ورغم هذا التحوّل النقدي المؤقت في القوة الشرائية جنوباً، إلا أن نحو ثلاثة من كل خمسة يمنيين ما زالوا عاجزين عن تأمين الحد الأدنى من احتياجاتهم الغذائية، مما يعكس هشاشة التحسن الراهن وسرعة انتكاسه في حال غياب تدفقات العملة الأجنبية أو عودة صادرات النفط.

ووفقاً لتقرير ‘التحديث الشهري للأمن الغذائي – سبتمبر 2025’ الصادر عن برنامج الأغذية العالمي، تكشف التحولات في أغسطس عن تباين صارخ بين الوضع الاقتصادي والغذائي في مناطق حكومة عدن ومناطق صنعاء، سواء من حيث الأسعار المحلية أو سعر الصرف أو استقرار تدفقات المساعدات والواردات.

يعتبر هذا التقرير مرجعاً أساسياً لرصد تطورات الأمن الغذائي شهرياً، ويعتمد عليه صانعو القرار والجهات الإنسانية والمانحون لتقييم الحالة الإنسانية والاقتصادية في اليمن واتخاذ الإجراءات اللازمة.

تعليق كامل للمساعدات شمالاً وتمويل إنساني متدنٍ

حسب قراءة ‘شاشوف’، أكمل برنامج الأغذية العالمي أربع دورات من المساعدات الغذائية العامة في مناطق حكومة عدن خلال عام 2025، مستهدفاً حوالي 3.4 مليون مستفيد في كل دورة، وما زالت الدورة الخامسة مستمرة حتى 25 سبتمبر بنسبة إنجاز بلغت 51%.

تُصرف هذه الدورات وفق نهج المساعدة الطارئة المستهدفة المعتمد على أحدث تحليلات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي وعمليات الاستهداف الأسري. أما في مناطق حكومة صنعاء، فقد اكتملت الدورة الثانية في أواخر أغسطس، ليتم بعدها تعليق جميع أنشطة البرنامج اعتباراً من 31 أغسطس، مما يثير مخاوف جدية من تفاقم انعدام الأمن الغذائي في الشمال حال استمرار هذا التعليق لفترة طويلة.

يشير التقرير إلى أن خطة الاستجابة الإنسانية لعام 2025 تعاني من نقص حاد في التمويل، حيث لم يتجاوز التمويل حتى 22 سبتمبر نسبة 20% من الاحتياج، وهي أدنى نسبة تمويل خلال العقد الماضي، مما يعكس حجم التحديات أمام المنظمات الإنسانية لتغطية الفجوات التمويلية وضمان استمرارية عملياتها في الشمال والجنوب.

وفقاً للتقرير، انخفضت تكلفة السلة الغذائية الدنيا في مناطق حكومة عدن بنحو غير مسبوق بلغ 34% خلال أغسطس مقارنة بيوليو، وهو أكبر تراجع شهري مسجّل حتى الآن، كما انخفضت بنسبة 12% على أساس سنوي.

شهدت جميع المحافظات تراجعاً شهرياً يتراوح بين 29% و41%، فيما سجلت معظم المحافظات انخفاضاً سنوياً أيضاً، باستثناء محافظة شبوة التي ارتفعت فيها التكلفة بنسبة 6% مقارنة بأغسطس 2024 رغم تراجعها الشهري بنسبة 32%.

هذا التراجع انعكس على أسعار السلع الغذائية الأساسية، حيث انخفضت أسعار الدقيق والفاصوليا الحمراء والسكر بنسبة تتراوح بين 32% و38% شهرياً، وبنحو 13% إلى 15% سنوياً، بينما استقرت أسعار زيت عباد الشمس نسبياً.

قاد هذا الانخفاض إلى تحسين القوة الشرائية للأسر، حيث ارتفعت قدرة أجر العامل غير الماهر على شراء الدقيق بنسبة 28% شهرياً وبنسبة 16% سنوياً.

في مناطق سلطات صنعاء، استقرت تكلفة السلة الغذائية الأساسية تقريباً على أساس سنوي، دون تسجيل انخفاضات مماثلة، بسبب استقرار الأسعار المحلية وشح العملة الأجنبية في الأسواق.

انخفاض في أسعار الوقود جنوباً واستقرار شمالاً

أوضح التقرير أن أسعار الوقود في مناطق حكومة عدن شهدت تراجعاً شهرياً خلال أغسطس، حيث انخفض سعر البنزين بنسبة 24% والديزل بنسبة 28%، مما انعكس على تكاليف النقل التي قد تمثل ما يصل إلى 30% من تكلفة الغذاء. وعلى أساس سنوي، تراجعت أسعار البنزين والديزل بنحو 3%. بينما استقرت أسعار البنزين الرسمية تقريباً في مناطق صنعاء، ارتفعت أسعار الديزل في السوق السوداء بنسبة 2%.

شهد سعر صرف الريال في مناطق حكومة عدن تحسناً خلال أغسطس، حيث ارتفع وفق ‘شاشوف’ من 2,879 ريالاً للدولار إلى نحو 1,618 ريالاً، نتيجة حزمة من الإجراءات الحكومية الصارمة كتشديد الرقابة على شركات الصرافة، وحظر التسعير بالعملات الأجنبية محلياً، وتقييد عمليات الاستيراد. ومع ذلك، حذّر التقرير من أن هذا التحسن النقدي قد لا يكون دائماً بدون تدفقات مستمرة من العملات الأجنبية أو عودة صادرات النفط.

أما في مناطق حكومة صنعاء، فقد ظل سعر الصرف مستقراً عند نحو 534 ريالاً للدولار، وسط نقص كبير في العملات الأجنبية، مع صدور توجيهات من البنك المركزي بصنعاء منتصف أغسطس تمنع تمرير معاملات الاستيراد عبر كيانات مالية في مناطق حكومة عدن.

تظهر بيانات التقرير أن واردات الوقود عبر موانئ البحر الأحمر تراجعت خلال أغسطس بنسبة 30% عن متوسط الاثني عشر شهراً الماضية، كما تراجعت إجمالي واردات الوقود بين يناير وأغسطس 2025 بنسبة 27% مقارنة بسنة 2024، نتيجة الأضرار التي لحقت بالموانئ وانخفاض قدرتها التشغيلية.

أيضاً، شهدت واردات الوقود عبر موانئ عدن والمكلا انخفاضاً بنسبة 17%، مما زاد من انقطاعات الكهرباء في مناطق حكومة عدن. وعلى مستوى الغذاء، انخفضت الواردات بنسبة 7% على مستوى البلاد، مع انخفاض بنسبة 20% عبر موانئ البحر الأحمر وزيادة بنسبة 45% عبر موانئ عدن والمكلا، ما يعكس التحول في مسارات الإمداد التجاري.

مؤشرات الأسر تكشف هشاشة الوضع الغذائي

وفقاً لقراءة ‘شاشوف’، لا تزال مستويات انعدام الأمن الغذائي مرتفعة، حيث 62% من الأسر اليمنية غير قادرة على تلبية الحد الأدنى من احتياجاتها الغذائية (64% في مناطق حكومة عدن و62% في مناطق صنعاء)، رغم التحسن المؤقت بمقدار 8 نقاط مقارنة بشهر يوليو.

كما يعاني 34% من الأسر من حرمان غذائي شديد، متجاوزين العتبة العالية في جميع المحافظات تقريباً. تشير البيانات إلى أن 12% من الأسر جنوباً و18% شمالاً اضطرت للصيام ليوم كامل بسبب نقص الغذاء، بينما تلجأ 40% من الأسر في مناطق حكومة عدن و45% في مناطق سلطات صنعاء إلى استراتيجيات تكيّف شديدة، وترتفع النسبة إلى 50% في الأسر التي تعيلها نساء.

يبيّن التقرير أن جمع أسعار السوق في مناطق سلطات صنعاء توقف منذ يونيو 2024 لأسباب أمنية، وأن السلة الغذائية الأساسية تُحسب على أساس مكونات ثابتة تشمل الدقيق والفاصوليا والزيت والسكر والملح، وأن حصة المساعدات الكاملة تعادل 1,650 سعرة حرارية لكل شخص يومياً لمدة 30 يوماً، وتُصرف في شكل دورات وليس شهرياً.

تعكس الصورة العامة هشاشة التحسن النقدي في مناطق حكومة عدن، في ظل تراجع الواردات وضعف التمويل الإنساني وتعليق المساعدات في الشمال.

قد يتبدد التحسن الأخير في الأسعار جنوباً بسرعة إذا لم تتعزز مصادر النقد الأجنبي أو تُستأنف صادرات النفط، بينما يهدد التعليق المستمر للعمليات الإنسانية في الشمال بمفاقمة مستويات انعدام الأمن الغذائي، خصوصاً مع استمرار الضغوط على سلاسل الإمداد.


تم نسخ الرابط