بعد سقوط المجلس الانتقالي الجنوبي، تكشفت خفايا اقتصادية مهمة، حيث نشرت مصادر معلومات عن موارد ضخمة كانت تُدير خارج القنوات الرسمية. استخدمت تلك الموارد، بما في ذلك الجبايات المفروضة بالقوة، لخلق اقتصاد موازٍ في عدن والمحافظات الجنوبية. هذا الأمر عمق الأزمة المالية ورفع التكلفة على المستهلكين. جبايات الوقود، المقدرة بـ60 ريالاً لكل لتر، تم توجيهها لمصالح شخصية، مما يهدد السيادة المالية للدولة. كشف ذلك عن انهيار النموذج المالي المرتبط بالمجلس، مما يبرز التحديات التي تواجه الحكومة في استعادة السيطرة على الموارد العامة وإعادة الثقة بين المواطنين والسلطات.
الاقتصاد اليمني | شاشوف
بعد أيام قليلة من سقوط المجلس الانتقالي الجنوبي، بدأت تتكشف تدريجياً خفايا وأسرار كانت غائبة عن الأضواء لسنوات، ومن أبرزها منظومته المالية والاقتصادية، التي شكلت إحدى دعائم نفوذه. مع انكشاف المشهد السياسي والأمني، ظهرت إلى السطح ما كان يُدار في الخفاء، من موارد ضخمة، وآليات تحصيل، وتدفّقات مالية لم تمرّ عبر القنوات الرسمية للدولة.
وفقاً لمعلومات مرصد ‘شاشوف’، لم يكن هذا الانكشاف نتيجة تحقيقات رسمية أو تقارير رقابية، بل جاء مع انهيار نظام الحماية السياسية والعسكرية الذي كان يحوط بالمجلس. مع زوال تلك الحماية، تجلّت تفاصيل عن اقتصاد موازٍ تشكّل في عدن ومحافظات جنوبية أخرى، معتمدًا على الجبايات والرسوم المفروضة بطرق غير قانونية، وعلى إدارة موارد عامة خارج إطار البنك المركزي والموازنة العامة.
في هذا الإطار، برزت شهادات وطرح علني حول طبيعة هذا التمويل، مثل ما نشره الصحفي فتحي بن لزرق، رئيس تحرير صحيفة عدن الغد، متناولاً مليارات الريالات التي كانت تُدير شهرياً باسم المجلس الانتقالي، في الوقت الذي كانت الدولة تعاني من عجز حاد في دفع الرواتب وتوفير الأساسيات.
اقتصاديًا، لا تُثير هذه المعطيات سؤال الأسباب بقدر ما تُثير سؤال النتائج: ما مدى تأثير خروج هذه الموارد عن سيطرة الدولة؟ وكيف ساهم الاقتصاد الموازي في تعميق الأزمة المالية؟ وما حجم الخسائر التي تكبدتها الخزينة العامة؟
الجبايات كوسيلة تمويل موازٍ
تشير المعلومات المتاحة التي استعرضها شاشوف إلى أن نقاط التحصيل في الرباط، والعلم، ويافع، والضالع، وأبين، تحولت خلال السنوات الماضية إلى مراكز جباية ثابتة، فُرضت فيها رسوم على حركة السلع والنقل تحت مسميات غير رسمية. من الناحية الاقتصادية، تمثل هذه الممارسات اقتطاعاً مباشراً من النشاط التجاري، وتضيف تكاليف غير إنتاجية على سلسلة الإمداد.
الأخطر من ذلك، وفقاً لبن لزرق، أن هذه الجبايات لم تُورد إلى البنك المركزي بعدن، بل إلى حسابات في بنوك تجارية، مما يعني خروجها تمامًا من الدورة المالية للدولة. هذا النمط يُخلِق اقتصادًا موازياً، ويقوّض أحد أهم أدوار الدولة، وهو تجميع الإيرادات وإعادة توزيعها عبر الموازنة.
علاوة على ذلك، فإن استمرار هذه الجبايات يؤثر بشكل مباشر على الأسعار النهائية للمستهلك، ويُضعف القدرة التنافسية للتجار، ويشجع على التهرب والفساد، في بيئة اقتصادية تعاني من هشاشة شديدة وانكماش حاد.
الإدارة المحلية بين الجباية والحوكمة
يتناول ‘بن لزرق’، حسب قراءة شاشوف، جانباً آخر لا يقل خطورة، يتعلق بالجبايات التي فرضها بعض مدراء المديريات داخل مدينة عدن، واستمرت لسنوات كدخل غير رسمي. من الناحية الاقتصادية، فإن تحول السلطات المحلية إلى أدوات تحصيل خارج القانون يعكس انهيار نظام الحوكمة المالية.
في هذا الإطار، تصبح الجباية وسيلة لتمويل النفوذ وليس لتحسين الخدمات، وتفقد الإدارة المحلية وظيفتها الأساسية كحلقة وصل بين الدولة والمواطن. كما أن تقاسم هذه الإيرادات – إن كانت المعطيات صحيحة – يؤدي إلى تشابك المصالح، وتعطيل أي إصلاح حقيقي.
هذا النموذج يساهم في توسيع الاقتصاد غير الرسمي، وإضعاف الثقة بين المواطنين والسلطات، حيث يدفع المواطنون رسوماً متعددة دون أن تترافق بتحسين الخدمات أو البنية التحتية، مما يزيد من الاحتقان الاجتماعي والاقتصادي.
10 مليارات ريال خارج الموازنة
من أخطر ما تم الكشف عنه في هذا السياق، الحديث عن مخصصات شهرية تُقدَّر بنحو عشرة مليارات ريال، قيل إنها كانت تُصرف مباشرة من رئاسة الوزراء لصالح المجلس الانتقالي، تحت بند ‘مصاريف تشغيلية’. وحسب الطرح، فُرضت هذه المخصصات بعد شهر واحد فقط من تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، وبقوة الأمر الواقع، خارج أي إطار شفاف للموازنة العامة.
تمثل هذه المبالغ استنزافًا مباشرًا للخزينة في توقيت بالغ الحساسية، حيث تزامنت مع عجز الدولة عن صرف رواتب القطاعات المدنية، واتساع فجوة السيولة، وتراجع قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها الأساسية. يشير هذا النموذج إلى تمويل قسري، لا يعتمد على قانون مالي أو اعتماد برلماني، بل على موازين قوة.
الأهم في هذه القضية هو ما قيل عن أن رفض صرف هذه المبالغ أدى إلى تداعيات سياسية وأمنية، من بينها اعتقال مسؤول حكومي، مما يعكس حجم الضغط الواقع على القرار المالي للدولة. إذا كانت هذه المعلومات صحيحة، فإنها تمثل سابقة خطيرة في إخضاع السياسة المالية لسلطة السلاح، وتحويل المال العام إلى أداة تفاوض قسري.
الوقود كأداة جباية شخصية
يتعلق الملف الثاني الأكثر حساسية بجبايات الديزل والبترول المفروضة بواقع 60 ريالاً على كل لتر وقود يدخل البلاد عبر ميناء الزيت. هذه الجبايات، وفقاً لما طُرح، لم تُحصل في صالح الخزينة العامة، بل جرى توجيهها بشكل مباشر لصالح عيدروس الزُبيدي، مما ينقل القضية من جباية غير قانونية إلى شبهة استحواذ شخصي على مورد سيادي.
من الناحية الاقتصادية، يُعتبر قطاع الوقود أحد أعمدة الإيرادات غير الضريبية للدولة، وأي تحصيل موازٍ فيه يعني خسارة مزدوجة: خسارة إيرادات مباشرة، وزيادة كلفة الطاقة على الاقتصاد ككل، مما ينعكس على النقل، والتجارة، وأسعار السلع الأساسية.
كما أُثيرت اتهامات بدخول شحنات وقود عبر شركتي ‘إسناد’ و’فقم’ المملوكتين لـ’الزبيدي’، دون دفع ضرائب أو رسوم مستحقة للدولة على مدى سنوات. إذا ثبت ذلك، فإنه لا يتعلق بمخالفة مالية فحسب، بل يمثل تفريغاً كاملاً لسيادة الدولة على أحد أهم قطاعاتها الإيرادية وفق قراءة شاشوف، ويطرح تساؤلات محورية حول حجم الخسائر المتراكمة التي لم تدخل الخزينة العامة.
لا يمكن تناول ما حدث كسقوط سياسي وعسكري فحسب، بل كسقوط اقتصادي لمنظومة تمويل قامت على الجباية خارج الدولة، وتحويل الموارد العامة إلى أدوات نفوذ. انهيار هذا النموذج يكشف هشاشة أحد أكبر المشاريع الانفصالية في اليمن منذ حرب الوحدة، ليس فقط من حيث الشرعية السياسية، بل من حيث الاستدامة المالية، وهو ما يُعد اختبارًا لحكومة عدن في الأيام المقبلة وقدرتها على استعادة هذه الموارد العامة أم لا.
تم نسخ الرابط
