في منتدى دافوس، قدم نائب رئيس الوزراء الصيني، خه ليفنغ، رؤية جديدة للاقتصاد الصيني تهدف إلى تعزيز الاستهلاك المحلي بدلاً من الاعتماد على الصادرات. جاء الخطاب في وقت حساس حيث سجلت الصين فائضًا تجاريًا قياسيًا، مما أثار القلق الغربي. أكد خه أن الفائض ليس هدفًا استراتيجيًا، بل نتيجة لتحقيق التنمية. كما تسعى بكين لتهدئة المخاوف من خلال تقليل الحوافز الضريبية وتقارب مع مقترحات الاتحاد الأوروبي. تحت إدارة ترامب، تسعى الصين لتقديم نفسها كشريك مسؤول تهدف إلى فتح أسواقها، وتحقيق تحول هيكلي نحو اقتصاد متوازن أكثر.
الاقتصاد العالمي | شاشوف
في ظل التوترات الجيوسياسية التي تسيطر على المشهد الاقتصادي العالمي، صعد نائب رئيس الوزراء الصيني، خه ليفنغ، على منصة المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، ليقدم دفاعًا هجوميًا عن النموذج الاقتصادي في بلاده.
لم تكن رسالة “قيصر الاقتصاد” الصيني موجهة فقط للجمهور المحلي، بل كانت أيضًا طمأنة للمجتمع الدولي القلق، حيث أكدت بكين على إدراكها للاختلالات في التجارة العالمية، وعزمها على التحول من كونها “مصنع العالم” إلى “سوق العالم”، مستهلكةً للمنتجات الخارجية، مع محاولة تقديم نفسها كشريكٍ لا كمنافس.
جاء هذا الخطاب في وقت حساس جدًا، حيث سجّلت الصين فائضًا تجاريًا قياسيًا قدره 1.2 تريليون دولار في العام الماضي حسب معلومات “شاشوف”، مما وضعها في مرمى الانتقادات الغربية. وبالرغم من هذه الأرقام الدالة على الهيمنة التصديرية، سعى المسؤول الصيني لتفكيك السردية التي تشير إلى ممارسة بلاده لـ “رأسمالية الدولة” المفترسة، مؤكدًا أن الفائض التجاري هو نتيجة عارضة لمرحلة تسعى الدولة لتجاوزها من خلال تعزيز الطلب المحلي، وهو ما يتماشى مع سياسات “التداول المزدوج” التي تعتمدها الصين للحد من الاعتماد على الأسواق الخارجية.
تكتسب تصريحات خه ليفنغ أهمية خاصة في ظل عودة دونالد ترامب للبيت الأبيض، وما ترتب عن ذلك من استئناف سياسة “التهديدات الجمركية”. بينما كان المسؤول الصيني يدعو لنبذ “شريعة الغاب” الاقتصادية، ترددت أصداء تهديدات ترامب لفرنسا بفرض رسوم باهظة على النبيذ داخل أروقة المنتدى، مما وفر لبكين فرصة لتقديم نفسها كطرف “عاقل” ومدافع عن التعددية وحرية التجارة، متباينةً عن النهج الحمائي الذي تتبناه واشنطن مجددًا.
التحول الهيكلي: من “الإغراق” إلى “الاستهلاك”
تسعى القيادة الصينية إلى تسويق رؤية اقتصادية جديدة تعالج جذور الخلل في الميزان التجاري، لكن ليس عبر تقليص الصادرات قسريًا، بل عن طريق توسيع قاعدة الاستهلاك المحلي. وفي هذا السياق، أشار خه ليفنغ إلى أن الصين تعمل بجد لبناء “قوة استهلاكية” توازي قوتها الصناعية.
هذا الطرح يعكس إدراكًا صينيًا عميقًا بأن نموذج النمو القائم على الاستثمار في البنية التحتية والتصنيع قد بلغ حدوده القصوى، وأن المرحلة المقبلة تتطلب رفع مستويات الدخل للأسر لتكون قادرة على استيعاب السلع الأجنبية، كما أشار المسؤول الصيني إلى أن بلاده تسعى لشراء السلع الأجنبية، لكنها تواجه أحيانًا “موانع سياسية”.
لكن، يصطدم هذا الخطاب الطموح بواقع اقتصادي معقد حسب قراءة شاشوف، حيث لا يزال الاقتصاد الصيني يعاني من تداعيات أزمة العقارات التي حدت من رغبة المستهلكين، إضافة إلى انكماش محلي أدى إلى تراجع قيمة اليوان (المعدل حسب التضخم)، مما جعل الصادرات الصينية أرخص وأكثر جاذبية عالميًا بشكل تلقائي.
تشير البيانات الرسمية التي تتبعها شاشوف إلى تحقيق نمو بنسبة 5%، ولكن محرك هذا النمو يعتمد بشكل كبير على الصادرات المتجهة لأسواق الجنوب العالمي (أفريقيا وأميركا اللاتينية)، مما يثير قلقًا دوليًا عبّر عنه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بكون المنافسة الصينية تمثل مسألة “حياة أو موت” للصناعة الأوروبية.
لإثبات حسن النوايا، بدأت بكين اتخاذ خطوات ملموسة لتهدئة المخاوف، مثل خفض الحوافز الضريبية (رد الضريبة) لمئات المنتجات التصديرية مثل الخلايا الشمسية والبطاريات، وهي خطوة نادرة تهدف إلى كبح جنوح “القدرة الإنتاجية الفائضة” التي تشتكي منها الغرب. كما أبدت بكين مرونة نسبية مع مقترحات الاتحاد الأوروبي لاستبدال الرسوم الجمركية العقابية بنظام “الحد الأدنى للأسعار” على السيارات الكهربائية، مما يعكس رغبة في التفاوض بدلاً من التصعيد الشامل.
هدنة هشة تحت ظلال “ترامب”
تشير الكواليس الدبلوماسية في دافوس 2026 إلى وجود حالة من “السلم المسلح” بين واشنطن وبكين. إذ بعد جولات مفاوضات شاقة قادها الفريق الاقتصادي لترامب (سكوت بيسنت وجيمسون غرير)، توصل الطرفان إلى “هدنة تجارية” مدتها عام واحد في أكتوبر الماضي. هذه الهدنة أوقفت مؤقتًا شبح حرب تجارية جديدة، وفتحت الباب لتعاون حذر، تجلى في سماح إدارة ترامب لشركة “إنفيديا” ببيع رقائق متطورة (وإن لم تكن الأحدث) للصين، في إشارة إلى إمكانية فصل المصالح التجارية عن الهواجس الأمنية في بعض المجالات.
يركز الخطاب الصيني في هذا الإطار على فكرة أن التنمية الصينية تمثل “فرصة” للاقتصاد الأمريكي وليست تهديدًا، محاولًا تفنيد الحجج الأمنية التي تستخدمها واشنطن لتقييد التكنولوجيا. يرى خه ليفنغ أن القضايا التجارية غالبًا ما يتم “تسليحها” وتحويلها إلى حواجز أمنية، داعيًا للعودة إلى المبادئ الاقتصادية البحتة، وهو طرح يجد صدى لدى قطاعات واسعة من مجتمع الأعمال الدولي المتواجد في دافوس، والذي يخشى من تفتت الاقتصاد العالمي.
لا يمكن فصل السياسة الخارجية للصين عن تحدياتها الداخلية. فالسعي لفتح الأسواق ليس مجرد مناورة دبلوماسية، بل ضرورة اقتصادية ملحة. إذ إن الاعتماد المفرط على الصادرات بدأ يهدد بعزل الصين تجاريًّا في ظل تصاعد الإجراءات الحمائية في أوروبا وأمريكا الشمالية. لذا، فإن حديث نائب رئيس الوزراء عن أن التنمية في الصين نتاج “الابتكار والإصلاح” وليس “الدعم الحكومي” يهدف إلى طمأنة المستثمرين بأن الحكومة ترفع يدها تدريجيًا عن توجيه السوق، وتفسح المجال لقوى العرض والطلب.
في المقابل، يرى مراقبون اقتصاديون أن تحول الصين إلى “سوق العالم” يتطلب إصلاحات هيكلية أعمق تشمل شبكات الضمان الاجتماعي لتحفيز المواطن الصيني على الإنفاق بدلاً من الادخار المفرط حسب متابعات شاشوف. وبدون هذه الإصلاحات، سيظل الفائض التجاري ضخمًا، وستظل التوترات قائمة. ومع ذلك، فإن الإشارات الصادرة من دافوس تؤكد أن بكين تدرك أن الوضع الراهن غير مستدام، وأن عليها تقديم تنازلات ملموسة – مثل زيادة الواردات – للحفاظ على نظام التجارة العالمي الذي استفادت منه أكثر من الآخرين.
يبرز هنا أهمية التوقيت؛ فالصين تسعى لاستباق أي تحركات عدائية من إدارة ترامب عبر تقديم نفسها كشريك مسؤول. فالتركيز على النمو النوعي (التكنولوجيا والاستهلاك) بدلاً من الكمي (التصنيع الرخيص) هو جوهر “القوى الإنتاجية الجديدة” التي يروج لها الرئيس شي. وإذا نجحت الصين في إقناع العالم بأن أسواقها ستفتح أبوابها بالفعل، فإنها قد تتمكن من تخفيف حدة الضغوط الغربية، وتحويل المواجهة الصفرية إلى منافسة منظمة.
تم نسخ الرابط
