الصين تعزز قوة غواصاتها النووية بشكل مضاعف.. التحديات أمام الهيمنة البحرية الأمريكية تتصاعد – شاشوف

الصين تعزز قوة غواصاتها النووية بشكل مضاعف التحديات أمام الهيمنة


التفوق البحري الأمريكي في خطر، حيث تمكنت الصين من تجاوز قدراتها في بناء الغواصات النووية، محولة استراتيجيتها من ‘الدفاع الساحلي’ إلى ‘الهيمنة في المياه الزرقاء’. بين 2021 و2025 أطلقت الصين 10 غواصات بحمولة 79 ألف طن، مقابل 7 غواصات أمريكية بحمولة 55.5 ألف طن. يعاني النظام الصناعي الأمريكي من شلل متزايد، حيث تأخرت برامج بناء الغواصات، مما يؤدي إلى انخفاض عدد غواصات الهجوم إلى 47 بحلول 2030. ومع تحالفات مثل ‘أوكوس’، تواجه واشنطن تحديات كبيرة في تعزيز ردعها أمام النفوذ العسكري المتزايد للصين.

تقارير | شاشوف

إن الهيمنة البحرية التي كانت تتمتع بها الولايات المتحدة لعقود لم تعد حقيقة ثابتة، بل أصبحت اليوم عقيدة عسكرية تواجه تحديات وجودية في أعماق المحيطات. في تحول استراتيجي قد يغير موازين القوى العالمية، استطاعت الصين كسر الاحتكار الغربي لتقنيات بناء الغواصات النووية، متفوقة على القدرات الصناعية الأمريكية للمرة الأولى في التاريخ الحديث. هذا التطور الدراماتيكي لا يعكس مجرد سباق تسلح تقليدي، بل يمثل انتقال بكين من استراتيجية ‘الدفاع الساحلي’ إلى استراتيجية ‘الهيمنة في المياه الزرقاء’، مما يشكل تحديًا غير مسبوق للأسطول الأمريكي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

تظهر الأرقام حقيقة صادمة لواشنطن؛ وفقًا للبيانات التي اطلع عليها ‘شاشوف’ من المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS)، المدعومة بصور الأقمار الصناعية لأحواض بناء السفن الصينية، حققت بكين تقدمًا ملحوظًا بين 2021 و2025. ضمن هذا السياق، أطلقت الصين 10 غواصات نووية بإجمالي حمولة 79 ألف طن، متفوقة على الولايات المتحدة التي أطلقت 7 غواصات بحمولة 55.5 ألف طن فقط. تضفي خطورة هذا التحول عندما نقارنه بالفترة من 2016 إلى 2020، حيث كانت الصين تطلق 3 غواصات فقط مقابل 7 لأمريكا، مما يؤكد أن الآلة الصناعية العسكرية الصينية قد دخلت مرحلة الإنتاج المفرط.

هذا الانقلاب في موازين الإنتاج يكرر صدى ثقيلاً على المشهد السياسي في واشنطن، ويشكل تحديًا مباشرًا للعقيدة الأمنية التي دعا إليها الرئيس ترامب وتتمثل في ‘إحلال السلام من خلال القوة’. بينما تسعى الإدارة الأمريكية لتعزيز الردع في وجه النفوذ الصيني المتزايد نحو تايوان وبحر الصين الجنوبي، تواجه هذه الطموحات الجيوسياسية أزمة صناعية.

قدرة الصين على تحويل التصاميم الهندسية إلى غواصات نووية تتجول في المحيطات بوتيرة أسرع من أمريكا تجعل من مفهوم التفوق التكنولوجي الأمريكي ميزة نظرية تتلاشى تدريجيًا أمام طوفان الإنتاج الصيني الكمي.

طفرة بكين الصناعية مقابل تعثر الترسانة الأمريكية

يكمن سر هذا التفوق الصيني في الاستخدام الاستراتيجي للبنية التحتية الصناعية الضخمة، وبشكل خاص ‘ازدهار بوهاي’. حيث ضخت بكين استثمارات ضخمة لتوسيع حوض بناء السفن ‘هولوداو’ التابع لشركة ‘بوهاي’ للصناعات الثقيلة في شمال البلاد. لم يسهم هذا التوسع في زيادة قدرة الصين على بناء غواصات الصواريخ الباليستية (SSBNs) من طراز 094 فحسب، بل مكّنها أيضًا من إنتاج غواصات هجومية مزودة بأنظمة إطلاق عمودي (VLS) قادرة على إطلاق صواريخ مضادة للسفن تفوق سرعتها سرعة الصوت. ومع أسطولها المكون من 46 غواصة تقليدية، يعكس هذا التحول نحو الطاقة النووية نية الصين الواضحة في إبقاء أساطيلها فترات أطول في أعماق المحيطات المفتوحة بعيدًا عن شواطئها.

على الجانب الآخر، تعاني القاعدة الصناعية البحرية في أمريكا من حالة شلل هيكلي متزايد، حسبما أكدت تقارير مراكز أبحاث الكونغرس وتحليلات وكالات مالية مرموقة مثل بلومبيرغ، التي أظهرت هشاشة سلاسل التوريد العسكرية الأمريكية. فتواجه الولايات المتحدة صعوبة في تحقيق هدفها الاستراتيجي المتمثل في بناء غواصتين هجوميتين من فئة ‘فرجينيا’ سنويًا، حيث تكتفي بتسليم 1.1 إلى 1.2 غواصة فقط.

وليس الفشل مقتصرًا على الغواصات الهجومية، بل يمتد ليشمل برنامج غواصات ‘كولومبيا’ للصواريخ الباليستية الذي يعاني من تأخير لا يقل عن عام كامل، مما يعيق أولى عمليات التسليم إلى عام 2028، وسط أزمات نقص العمالة المتخصصة وتراجع حالة الأحواض الجافة.

ولم تكن القيادة العسكرية الأمريكية بعيدة عن الاعتراف بهذا الواقع المرير، حيث صرح وزير البحرية الأمريكي، جون فيلان، أمام مجلس النواب أن برامج بناء الأسطول البحري تعاني ‘حالة من الفوضى’ المفرطة، مشيرًا إلى أن أفضل البرامج أداءً يواجه تأخيرًا يصل إلى ستة أشهر وتجاوز ميزانيته بنسبة 57%. يكشف هذا الاعتراف الرسمي أن المشكلة في أمريكا لم تعد تتعلق بنقص التمويل أو الميزانيات الدفاعية، بل بانهيار كامل في النظام الصناعي الذي فقد مرونته وقدرته على تلبية متطلبات الأمن القومي في الوقت المناسب.

معضلة ‘أوكوس’ وفجوة الردع في العقد الحاسم

على الرغم من هذه الإخفاقات الصناعية، لا تزال الولايات المتحدة تحتفظ بتفوق كمي ونوعي في إجمالي الأسطول العامل؛ إذ ستظل تمتلك أمريكا حتى أوائل عام 2025 نحو 65 غواصة نووية، منها 14 غواصة باليستية، مقارنة بـ 12 غواصة نووية صينية فقط. كما يتفق الخبراء العسكريون على أن الغواصات الأمريكية تتفوق بشكل كبير على نظيرتها الصينية من حيث تقنيات التخفي والقدرة على تجنب الكشف الصوتي. لكن التاريخ العسكري وفقًا لـ ‘شاشوف’ يبين أن ‘الكم له جودته الخاصة’، فمع امتلاك بكين لأكبر أسطول في العالم من المدمرات والفرقاطات السطحية، والعمل على إدخال غواصات الجيل الجديد من طراز 096 إلى الخدمة قريبًا، فإن هذا الفارق النوعي الأمريكي يتقلص بشكل أسرع مما هو متوقع.

تعمق أزمة الولايات المتحدة ما أشار إليه تقرير دائرة أبحاث الكونغرس (CRS) حول ‘هاوية التقاعد’. فمع خروج غواصات فئة ‘لوس أنجلوس’ القديمة من الخدمة، ستنخفض عدد غواصات الهجوم الأمريكية إلى أدنى مستوياتها التاريخية لتبلغ 47 غواصة فقط بحلول عام 2030. والأسوء هو أن الأسطول لن يتمكن من استعادة عتبة الـ50 غواصة قبل عام 2032، وهو ما يبقى مًعتمدًا على نجاح أحواض بناء السفن في تجاوز التحديات الحالية. هذا التراجع يخلق ‘نافذة ضعف’ استراتيجية حرجة خلال السنوات الخمس المقبلة، وهي الفترة التي تتوقع فيها الاستخبارات الغربية أن تكون الصين في أوج استعدادها العسكري لفرض واقع جديد في المحيط الهادئ.

تأتي تحالفات واشنطن الاستراتيجية لتعقيد هذه المعادلة، وتحديدًا معاهدة ‘أوكوس’ (AUKUS) الأمنية. فرغم أن الخطة التي تقضي ببيع ما بين ثلاث إلى خمس غواصات من فئة ‘فرجينيا’ لأستراليا تهدف لتعزيز ردع الشريك في المحيط الهادئ على المدى الطويل، إلا أنها تستنزف الأسطول الأمريكي المتناقص في المدى القريب. هذه المعضلة تضع صناع القرار في أمريكا أمام خيار صعب: إما الوفاء بالتزامات الحلفاء على حساب الجاهزية الذاتية، أو التراجع عن دعم شركاء واشنطن، وفي كلا الحالتين، فإن النتيجة المباشرة تعني ضعف القدرة الشاملة على ردع خصم صيني يتحرك بسرعة ويخطط للإنتاج بلا توقف.


تم نسخ الرابط

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *