الصراع على الممرات التجارية في الشرق الأوسط: أسرار مشروع إماراتي إسرائيلي لتعزيز النفوذ – بقلم شاشوف

الصراع على الممرات التجارية في الشرق الأوسط أسرار مشروع إماراتي


كشفت صحيفة ‘يديعوت أحرونوت’ عن زيارة سرية لوزيرة المواصلات الإسرائيلية ميري ريغيف إلى الإمارات، حيث ناقشت مع مسؤولين إماراتيين مشروع ‘سكة السلام’ الذي يربط أبوظبي بميناء حيفا. رغم توقف المشروع قبل عامين بسبب حرب غزة، تواصل الإمارات محادثاتها مع دول مثل الهند والسعودية لتطوير مسارات تجارية جديدة. ترى إسرائيل في المشروع فرصة لتعزيز موقعها اللوجستي، بينما تخشى من خطط بديلة تقودها تركيا وفرنسا. يتصاعد التوتر حول النقاط الحساسة في الأردن، مما يعكس صراعات أكبر لتحديد ممرات التجارة في المنطقة في ظل التوترات السياسية المستمرة.

تقارير | شاشوف

في خطوة تحمل دلالات استراتيجية عميقة، أفصحت صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية عن زيارة سرية قامت بها وزيرة المواصلات في حكومة الاحتلال الإسرائيلي، ميري ريغيف، إلى ‘الإمارات’، حيث أجرت اجتماعات مطولة مع مسؤولين كبار في هيئة السكك الحديدية الإماراتية.

وحسب اطلاع ‘شاشوف’ على ما أوردته الصحيفة الإسرائيلية، فإن هذه الزيارة التي تمت دون إعلان رسمي وبعيداً عن الأضواء، جاءت على عكس الزيارات السابقة التي كانت تُعلن بها صورها مباشرةً على حسابات الوزيرة، مما أثار تساؤلات حول طبيعة الموضوع الذي يتم التباحث بشأنه وأسباب السرية المحيطة به.

تزامنت الاجتماعات، كما ذكرت الصحيفة، مع ازدياد المنافسة الدولية للسيطرة على الممرات التجارية الجديدة بين آسيا وأوروبا، وسط سعي دول عدة -خصوصاً تركيا وفرنسا- نحو مسارات بديلة تتجاوز الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وذكرت الصحيفة أن مشروع ‘سكة السلام’ الذي يربط أبوظبي بميناء حيفا المحتل عبر السعودية والأردن، ورغم توقفه قبل عامين بسبب الحرب على غزة، إلا أن الاتصالات الاقتصادية بين الإمارات والهند والسعودية والأردن بشأن مستقبل الربط البري-البحري لا تزال جارية.

ما هو المشروع؟

وحسب المعلومات التي اطلع عليها ‘شاشوف’، يعتمد المشروع على نقل البضائع القادمة من الهند إلى ميناء أبوظبي، ثم تحميلها على قطار سريع يمر عبر دبي والسعودية والأردن وصولاً إلى ميناء حيفا، حيث تُشحن إلى أوروبا والولايات المتحدة.

يمثل المشروع دمجاً بين النقل البحري والبرّي، مما يعيد تشكيل حركة التجارة بين جنوب آسيا وأوروبا عبر مسار جديد يقلل الاعتماد على الطرق التقليدية، ويتوافق هذا التصور مع مشروع ‘الممر الاقتصادي الهندي-الشرق أوسطي-الأوروبي’ المُعلن في قمة العشرين عام 2023، والذي يشمل شبكة سكك حديدية وموانئ وكابلات اتصالات وخطوط طاقة.

ذكرت يديعوت أحرونوت أن ‘سكة السلام’ تُعتبر جزءاً أساسياً من هذا الممر، حيث إن المرور عبر الأراضي الفلسطينية المحتلة هو أقصر ممر بين الخليج والبحر المتوسط. لكن المشروع تلقى ضربة كبيرة بعد 07 أكتوبر 2023، وما تبعه من تغييرات واضحة في مسارات التطبيع وزيادة كلفة المخاطر.

فرصة استراتيجية لإسرائيل

ترى إسرائيل أن المشروع يمثل ‘فرصة استراتيجية’ لإعادة هيكلة موقعها ضمن شبكات التجارة العالمية، إذ يعزز من قيمة ميناء حيفا كمركز لوجستي ويجذب شركات الشحن، ويرفع من قيمة الاستثمارات في الموانئ والبنى التحتية، ويقلل من تأثير الاضطرابات في البحر الأحمر على حركة البضائع.

كما أن هذا الربط الاقتصادي مع الخليج قد يخلق تماسكاً يصعب التراجع عنه حتى في حال تغيرت الظروف السياسية.

ومع ذلك، يزداد القلق داخل الدوائر الإسرائيلية من إمكانية تجاهل تل أبيب عبر خطوط بديلة قد تقودها تركيا وفرنسا، والتي تعتمد على مرور الممر التجاري عبر سوريا ولبنان بدلاً من حيفا.

بالنسبة لإسرائيل، سيكون هذا السيناريو ‘ضربة استراتيجية’، حيث يقلل من أهمية ميناء حيفا ويضعف البنى التحتية التي تم تعزيزها خلال العقد الأخير.

أما الإمارات، فقد واصلت -وفقاً للصحيفة الإسرائيلية- خلال العامين الماضيين محادثات هادئة مع الهند والسعودية والأردن حول آفاق الربط اللوجستي، لتؤكد أن المشروع هو أكثر من مجرد خطوة سياسية ظرفية، بل هو مشروع بنية تحتية مستمر لسنوات.

السعودية تعتبر هذا المشروع متماشياً مع رؤية 2030 التي تهدف لتحويل المملكة إلى محور عبور إقليمي، كما يوفر لها دوراً مهماً في سلسلة التوريد التي تمتد من الهند إلى المتوسط، ويشكل بديلاً استراتيجياً في أوقات عدم الاستقرار في البحر الأحمر.

صراع خريطة الممرات.. النقطة الأردنية وأصل الخلاف

تشير التقارير العبرية إلى أن الخلافات المرتبطة بالمشروع ليست فنية بحتة، بل تعكس صراعاً أكبر حول من يمتلك حق تحديد خريطة التجارة في المنطقة.

أكثر النقاط حساسية تتعلق بمكان نقطة الربط داخل الأراضي الأردنية.

الإمارات تفضل أن ينتهي المسار عند منطقة البحر الميت، باعتبارها الأقل كلفة والأعلى مردوداً لوجستياً، حيث توفر مساراً مختصراً وسلساً.

بينما تسعى إسرائيل لدفع نقطة الربط شمالاً، قرب وادي الأردن، لضمان أفضلية تشغيلية لميناء حيفا وتحكم أكبر في الجزء الأخير من الممر.

الأردن يتعامل بحساسية شديدة، إذ يدرك أهمية المشروع اقتصادياً، لكنه لا يريد الانخراط في صيغ قد تُعتبر تحالفاً سياسياً.

وكما ذكرت القناة 12 العبرية، فإن عمّان ترفض تثبيت أي مسار نهائي دون الحصول على ضمانات سياسية واضحة تتعلق بالسيادة والسيطرة المشتركة على الممر.

تركيا وفرنسا تدخلان السباق

حسب موقع غلوبس الاقتصادي الإسرائيلي، تعاظم النقاش ليشمل سؤالاً أكبر حول هوية الممر: هل سيكون متعدد الأقطاب، حيث تشارك عدة دول في النفوذ، أم سينتهي سياسياً واقتصادياً عند ميناء حيفا؟

تصر إسرائيل على أن يكون المسار أحاديًا، مع حيفا كنقطة الوصول الأساسية، لكن تركيا تعارض وتقدم رؤية بديلة تتمثل في إنشاء مسار يمر عبر شمال الأردن إلى سوريا ثم أحد الموانئ اللبنانية.

تركيا ترغب في الارتباط بشبكة الممرات العابرة للقارات، وتدرك أن هناك تحفظات واسعة في العالم العربي على أن تكون إسرائيل البوابة الرئيسية للعبور نحو أوروبا.

فرنسا تدعم هذا الرأي، حيث تقدم دعماً فنياً للمسار الشمالي، معتبرةً أنه يقلل من اعتماد المنطقة على الموانئ الإسرائيلية ويزيد من نشاط موانئ شرق المتوسط الأوروبية.

تحديات ضخمة تهدد المشروع: اليمن في المعادلة

تؤكد التقارير العبرية أن التحدي الأكبر ليس فنيًا بل سياسي وجغرافي، فالمسار يجتاز مناطق تعاني من التوترات السياسية والعسكرية: الحدود الأردنية حساسة للغاية، والأراضي المحتلة تعاني من اضطرابات أمنية وسياسية مستمرة، وكذلك منطقة الخليج المتأثرة بتقلبات البحر الأحمر. وأي حرب جديدة في غزة أو تصعيد مع لبنان قد يوقف المشروع فورًا، مثلما حدث سابقاً.

موقع فين نيوز أفاد بأن مصادر في وزارة المواصلات الإسرائيلية تشير إلى أن الخلافات حول التطبيع تشكل أحد أخطر التحديات، حيث لا تزال الدول المعنية تتعامل مع العلاقة مع إسرائيل بحذر، لا كمشاركة مستقرة.

ولا تقتصر العقبات على الجانب السياسي، فحسب ما توصل إليه ‘شاشوف’ اعتماداً على معلومات غلوبس، توجد مشاكل أمنية وإدارية ضخمة تتطلب مستويات عالية من التنسيق، بما في ذلك حماية الخط السككي الممتد عبر دول عدة، وإدارة حركة البضائع ونقاط العبور، وإنشاء آليات حكم وتبادل معلومات لم تتشكل بعد.

كذلك، يحذر تقرير لمؤسسة أوبزرفر للأبحاث في الهند من أنه في حال حدوث تصعيد، مثل توتر جديد بين السعودية واليمن، فإن هذا يمكن أن يعيد رسم خريطة المسارات بالكامل ويعرض الاستثمارات لخطر التجميد.

في الختام، تتداخل حسابات النفوذ الإقليمي مع التحالفات الدولية والتوترات الأمنية، بينما ترى إسرائيل في المشروع فرصة استراتيجية لتعزيز موقفها في سلاسل الإمداد العالمية، تتحرك دول أخرى -خصوصاً تركيا وفرنسا- لمنع تل أبيب من احتكار بوابة العبور نحو أوروبا.

في المقابل، تعتبر الإمارات والسعودية المشروع جزءاً من تحولات كبرى في خريطة التجارة العالمية، بينما يجد الأردن نفسه في قلب معادلة جغرافية حساسة قد تحدد شكل الممر لسنوات مقبلة. ومع غياب بيئة سياسية مستقرة واستمرار الأزمات الإقليمية، يبدو أن المشروع، رغم جاذبيته الاقتصادية، سيظل رهيناً لموازين القوة المتغيرة.


تم نسخ الرابط