الشركات الأمريكية تسعى لاستكشاف نفط باكستان بعد تصاريح ترامب حول ‘الاحتياطيات الكبيرة’ – شاشوف

الشركات الأمريكية تسعى لاستكشاف نفط باكستان بعد تصاريح ترامب حول


بعد تصريح الرئيس الأمريكي ترامب عن احتياطات النفط الكبيرة في باكستان، بدأت الشركات الأمريكية تتوجه لقطاع الطاقة هناك. ومع التأكيد على دعم السفارة لروابط الاستثمار، يظهر أن التوجه الأمريكي قد يعكس جشعًا لتحقيق مكاسب تجارية وسط التوتر مع الهند. رغم التقديرات المشكوك فيها حول احتياطات النفط، تخشى خبراء من أن الشركات الأمريكية تستغل الظروف الاقتصادية الضعيفة في باكستان لمصلحتها. التعقيدات تشمل البنية التحتية السيئة والأمن، مما يشير إلى أن الاستثمارات قد تكون أداة للضغوط السياسية، على غرار تجارب سابقة في العراق وليبيا، مما يؤثر على الاستقرار المحلي.

الاقتصاد العالمي | شاشوف

عندما أشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الشهر الماضي إلى أن باكستان تمتلك ‘احتياطيات نفط هائلة’، لفتت أنظار الشركات الأمريكية بسرعة إلى قطاع الطاقة في باكستان. وقد وصف مراقبون هذا التصرف بأنه يعكس جشع واشنطن في السعي وراء الفرص النفطية عالمياً، رغم أن الواقع قد يكون أقل بكثير من التوقعات.

ناتالي بيكر، القائمة بأعمال السفارة الأمريكية في باكستان، لم تخفِ في اجتماعها مع وزير البترول علي برفيز مالك مدى اهتمام الشركات الأمريكية في أنشطة النفط والغاز والمعادن في البلاد.

وفقاً لبيان رسمي اطلع عليه مرصد شاشوف، أكدت السفارة أنها ستعمل على ‘تيسير الروابط المباشرة’ بين المستثمرين الأمريكيين والباكستانيين، تماشياً مع رؤية ترامب.

لكن وراء خطاب التعاون، يعتقد الخبراء أن هذه التحركات تعكس محاولة أمريكية لاستغلال أي فرصة لتحقيق مكاسب تجارية جديدة، خاصة في ظل تعقد العلاقات مع الهند بسبب اعتمادها على النفط الروسي. فعندما ينتقد ترامب نيودلهي ويهددها بعقوبات، فإنه يغازل إسلام آباد بوعود استثمارية، بل ألمح إلى إمكانية أن تقوم باكستان ببيع نفطها لجارتها في المستقبل.

احتياطيات مشكوك فيها

التوقعات الواقعية لا تدعم ما قاله ترامب؛ حيث تفيد إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (2013) بوجود حوالي 9.1 مليار برميل من النفط الصخري القابل للاستخراج حسب بيانات شاشوف. أما المحللون المحليون مثل إقبال جاويد من شركة ‘عارف حبيب’، فيقدرون الاحتياطيات بحوالي 238 مليون برميل فقط، وهو رقم متواضع جداً مقارنة بالسعودية أو روسيا أو حتى أمريكا.

ومع ذلك، يكفي مجرد تصريح سياسي من البيت الأبيض لإثارة اهتمام الشركات الأمريكية، ما يبرهن على كيف تعتمد الشركات استراتيجياتها على الخطاب السياسي بدلاً من الأسس السوقية أو البيانات الدقيقة.

في الواقع، لم يكن قطاع الطاقة الباكستاني مثيراً لجذب الاستثمارات، حيث انسحبت الشركات الكبرى مثل ‘شل’ (2023) و’توتال إنرجيز’، بالإضافة إلى انسحاب المؤسسة البترولية الكويتية. كما أن محاولات ‘إيني’ و’إكسون موبيل’ لاستكشاف النفط البحري في 2019 انتهت بلا نتائج مهمة.

اليوم، في الوقت الذي يعاني فيه الاقتصاد الباكستاني من فاتورة استيراد نفط تصل إلى 11 مليار دولار سنوياً، أي خمس إجمالي الواردات وفق البيانات التي حصل عليها شاشوف، تسعى واشنطن للدخول مجدداً من خلال الاستثمارات الجديدة. لكن المنتقدين يرون أن الشركات الأمريكية تركز أكثر على الربح السريع والسيطرة على قطاع استراتيجي ظرفي بدلاً من دعم باكستان.

تحديات أمام ‘الصفقة’

أي دخول أمريكي جديد سيواجه تحديات متأصلة: ضعف البنية التحتية، نقص التكنولوجيا المتطورة، بالإضافة إلى المخاطر الأمنية. وتحليل من شبكة بلومبيرغ، اطلع عليه شاشوف، يشير إلى أن هذه العقبات هي السبب الحقيقي وراء فشل باكستان في استغلال احتياطياتها، مؤكداً أنه ‘لو كان الأمر سهلاً لرأينا باكستان أقل اعتماداً على الاستيراد، ولكان اللاعبون الكبار موجودين بالفعل’.

مع ذلك، تبدو الشركات الأمريكية مستعدة لتجاوز هذه الحقائق، مدفوعة برغبة ترامب في إعادة تشكيل خريطة الطاقة العالمية لصالح المصالح الأمريكية، حتى لو كان ذلك على حساب استقرار السوق المحلية أو دقة الأرقام.

دروس من الماضي: أطماع النفط في آبار العراق وليبيا

تُظهر التجربة العراقية بعد 2003 صورة مشابهة. ففي أعقاب الغزو الأمريكي، اندفعت شركات النفط الكبرى مثل ‘إكسون موبيل’ و’شيفرون’ إلى مشاريع إنتاج النفط في البصرة وكردستان، بينما كانت البلاد تعاني من الفوضى الأمنية والسياسية. ورغم الحديث الرسمي عن ‘إعادة الإعمار’، كان الهدف الفعلي هو تأمين تدفق النفط إلى الأسواق العالمية بأسعار تنافسية.

وفي ليبيا، بعد سقوط نظام القذافي عام 2011، تحولت البلاد إلى ساحة تنافس بين الشركات الغربية. ففي الوقت الذي واجهت فيه طرابلس انقسامات سياسية وحروب أهلية، ركزت الشركات على استئناف تشغيل الحقول الكبيرة في الهلال النفطي وتصدير النفط إلى أوروبا. كما في العراق، لم تُترجم الأرباح النفطية إلى استقرار اقتصادي داخلي، بل زادت الفوضى نتيجة التدخلات الخارجية.

اليوم، يُحذّر الخبراء من أن مشهد باكستان قد يبدو إعادة إنتاج لنفس الأسلوب: استخدام التصريحات السياسية لجذب الشركات الأمريكية، بغض النظر عن واقع الاحتياطيات أو جاهزية البنية التحتية. الهدف هو اقتناص الفرص وتأمين النفوذ، بينما تتحمل الدول المضيفة الأعباء الأمنية والاقتصادية الكبيرة.

ومع استمرار التوترات الجيوسياسية بين واشنطن وأعدائها، يُخشى من أن تتحول أي استثمارات أمريكية في باكستان إلى أداة للضغط السياسي، حيث تُربط المساعدات أو الاستثمارات بشروط سياسية وأمنية، مما يُعيد للأذهان كيف أُستخدم النفط في العراق وليبيا كورقة لتغيير السياسات الداخلية والخارجية، بعيداً عن مصالح شعوب تلك الدول.


تم نسخ الرابط